الهواء نعمة عظيمة تستوجب الشكر لله وأول مظاهر الشكر ألا يلوث الإنسان هذا الهواء ولا يفسده فيضر نفسه ويضر غيره من خلق الله وقد أشارت الأبحاث البيئية الحديثة إلى أن تلوث الهواء أصبح من أعظم أخطار البيئة في الوقت الحاضر، لذلك وضع الدين الإسلامي تشريعات عدة للحفاظ على الهواء نقياً ومعاقبة المخالفين ففي الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة حث على عدم إفساد الطبيعة وقاية من الأمراض والحفاظ على صحة الإنسان.

حول كيفية معالجة الإسلام لقضية تلوث الهواء والوقاية من أضراره يقول الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة عين شمس: لقد جعل الله دينه صالحاً لكل زمان ومكان واهتم فيه ببناء الإنسان خلقيا وخِلقيا وحذر أتباع هذا الدين من سوء استخدام ما بين أيديهم من غير مصلحة ولا منفعة.. وكل شيء حتى الطعام والشراب إذا ما أسرف فيه تحول إلى مخالفات شرعية فالله سبحانه وتعالى يقول كلوا واشربوا ولا تسرفوا.

وحرية الإنسان ليست مطلقة حتى تصطدم بحرية الآخرين، فهناك ملكيات عامة في الأرض التي نسير عليها والماء الذي نستخدمه والهواء الذي يأتي إلينا ولا يتوفر قوام الحياة إلا به فإذا ما أساء أحد الناس استخدام الهواء الذي لا يمكن التحكم فيه أو ترشيده مثلا أو تعبئته كالماء فإن هذا مخالف للشرع تماماً كالذي يطلق ريحا خبيثة بحرقه فضلات الزراعة.. فالهواء الطلق ليس للإنسان حرية مطلقة في استخدامه لأن ما يحدث من مخلفات يعرضه وغيره لأذى كبير يتسبب في إصابة الناس بالأمراض أو حجب الرؤية حيث تتوقف بعض حركات السير ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس من التدخين في الأماكن العامة مع وجود تحذير موجود بذلك، فهو لا يضر نفسه فقط إنما ضرر ما يخرج منه أشد فتكا بمن يجاوره وهذا ما يسمى التدخين السلبي، فالشيء المؤسف أن الإنسان أساء إلى نعمة الهواء كما أساء إلى غيرها وحدث التلوث الذي أصبح مصيبة العصر.

أيضا يعمل كثير من الناس على تقطيع أشجار الظل التي تساهم في تلطيف درجة الحرارة وهذا يعتبر إفسادا للهواء الذي يصل إلينا لنتنفسه.. كذلك فإن انتشار الفضلات والقمامة على الأرصفة وفي معظم الطرقات ليس إلا صورة سيئة لسوء استخدام الهواء.

استغلال مدمر

يضيف الدكتور شاكر أن القرآن حذر من ملوثات الهواء في سورة الدخان قال تعالى فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ، يغشى الناس هذا عذاب أليم.. فقد شبه الدخان بأنه يحمل العذاب الأليم الذي ينتظر الناس حتى يعودوا إلى ربهم ومن تلك الأدخنة ما تنتشر من المصانع وغيرها وأخطرها أثرا الأدخنة الملوثة بالإشعاع والذي يستعمل في الحروب.

إن قضية البيئة وما تعانيه من تدهور واستنزاف وسوء استخدام أصبحت من القضايا المهمة في وقتنا الحالي بعد أن وصلت الأمور إلى وضع في غاية الصعوبة أصبح يخشى مع استمراره إلى حدوث مشكلات بيئية لا طاقة للبشر بها.. وما تواجهه البشرية اليوم من احتباس حراري نتيجة لتلوث الهواء أكبر دليل على غياب الوعي البيئي الإسلامي وتجاهلنا لمبادئ الإسلام التي يجب أن تحكم سلوكياتنا وتصرفاتنا تجاه غلافنا الجوي، فكثير من السلوكيات غير البيئية منهي عنه في الإسلام ولا نجني منه سوى المشكلات والمآسي خاصة أن ما تعانيه البشرية اليوم من مشكلات ومخاطر هو نتاج ما اقترفناه في حق بيئتنا من استغلال مدمر ومستنزف لمواردها.

من هنا لابد من قرارات حازمة من أولى الأمر لمعاقبة كل من تسول له نفسه الإضرار بالهواء الجوي، وذلك من أجل السيطرة على تلوث الهواء، فتأمر المصانع بوضع الفلاتر على المداخن ومصادرة السيارات التي تخرج عادما ضارا بالبيئة، ومنع التدخين فهو يسبب تلوثاً كبيراً للهواء النقي مع العمل على زيادة الرقعة الزراعية التي تنقي الجو من الغازات الملوثة له وتلطف درجة الحرارة، إلى جانب تنمية الوعي البيئي لدى الإنسان المسلم عن طريق تزويده بالرؤية الصحيحة عن البيئة ومكوناتها بما يحقق دوره المطلوب في الأرض باعتباره خليفة الله فيها وقبل كل ذلك علينا أن نعود للالتزام بتعاليم الإسلام وتوجيهاته السديدة لترسيخ الوعي البيئي الإسلامي وننقذ أنفسنا مما نعانيه اليوم من مشكلات.

صورة للفساد

الدكتور عماد الدين عدلي رئيس جمعية المكتب العربي للشباب والبيئة يرى أن عظمة الله ولطفه بعباده تتجلى في التصميم الرائع للكون والتوازن الموجود فيه.. لكن للأسف تدخل الإنسان بشكل سافر فأفسد هذا التوازن وهذا ما كانت تراه الملائكة حينما خلق الله آدم قال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم. وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون سورة البقرة.

ويشير الدكتور عدلي إلى أن الكلام كثر في الوقت الحاضر عن تلوث البيئة خاصة الهواء الجوي وما يسببه للإنسان من أمراض تدمر صحته فقد اعتبر الإسلام التلوث صورة من صور الفساد والإفساد وذلك في قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.

ويقسم الدكتور عدلي مصادر التلوث إلى طبيعية وهي مما لا دخل لعمل الإنسان فيه مثل بخار الماء أو الغبار أو البكتيريا والفطريات والجراثيم والأملاح الناجمة عن رذاذ البحر أو نواتج الاحتراق ذات المنشأ الطبيعي وغيرها، أو غير طبيعية، حيث تكون تلك الملوثات من صنع الإنسان وتعتبر نواتج الاحتراق من أهمها وتنجم عن البيوت أو المواصلات أو عن المصانع، ومن المتوقع أن تزداد باضطراد كثافتها في المستقبل في المناطق الصناعية والمجتمعات المدنية حتى يطرأ تبدل في السيطرة على نواتج الاحتراق أو تغيير وسائلها والتي وجد أن تلك النواتج تخرج أكثر من مائة مادة ملوثة للهواء.

ويقول الدكتور عدلي إن تلوث الهواء من المواضيع الخطرة لأنه أصبح يتدخل في حياة الإنسان ويضرها ضرراً بالغاً ويعكر عليه صفو ساعات الراحة والاستجمام التي يمكن أن يعيش فيها داخل الطبيعة.

لذا يجب تطبيق ما أمر الله به من خلال نشر الوعي بين الناس بأهمية المحافظة على البيئة وعلاج المخلفات الناتجة من المصانع وغيرها ونقل مصادر التلوث خارج الكتل السكنية حتى نحمي السكان من آثار الأدخنة المدمرة للصحة والتي تتسبب بها تلك المصانع كما يجب الوقوف وقفة حازمة أمام المشاريع التي تنتج التلوّث وإصدار قانون دولي لحماية البيئة ويكون ملزماً تدعمه قوة تعمل على الحفاظ عليه.