حسن عبد الوراث

خلال، وإثر الأزمات والصراعات المسلحة والحروب التي تُبتلى بها الدول والمجتمعات والشعوب، تتخلّق حالة إبداعية تشمل جُل - إنْ لم يكن كل- الآداب والفنون. وتتّسم هذه الحالة الإبداعية بجملة من الملامح والخصائص التي تطبعها بطابع الحرب نفسها، أو تمنحها هويتها المستمدَّة من هوية الحدث وطابعه الزماني والمكاني، وطبيعة شخوصه ووقائعه، وبما تتجلّى بين جوانبه من رائحة الدم، وطعم الموت، ونكهة البارود ومشاهد الخراب.
وإذْ يصمت دويُّ المدافع ولعلعة الرصاص في لحظةٍ ما، تظل العملية الإبداعية مستمرة إلى ما بعد تلك اللحظة بسنين وربما عقود. وقد يُطلق مصطلح أدب، أو فن الحرب على كل إنتاج أدبي، أو فني خلال تلك الفترة وفي خضم ذلك الحدث، غير أن كثيراً من نماذج ذلك الإنتاج أثبت أن إبداع الحرب أسَّس لتجارب وحركات وتيارات في الحركة الأدبية، أوالنقدية، أو الفنية، صارت لاحقاً علامة فارقة في المشهد الإبداعي، بل أرَّخت لهذا المشهد بين مرحلتين، أو عهدين: قبل وبعد الحرب.. فقد وفَّرت تلك الحروب الزاد الضروري والأرض الخصبة، أو البنية الأساسية لقيام تلك التيارات والحركات والتجارب في العملية الإبداعية، أو المشهد الإبداعي، سواء أكان على الصعيد المحلي أم القومي، أم على المستوى العالمي.

لا ينحصر هذا الإبداع -أدباً كان أو نقداً أو فناً- بالحرب كموضوع مباشر، أو كمادة رئيسة، بل يشمل كل ما له ارتباط مادي، أو نفسي، أو إيحائي، أو مرجعي بها أو أُنجِز تحت وطأتها، وتأثيراتها المختلفة -على كل صعيد- حتى ليبدو للمتلقي أحياناً أن بعض هذه الأعمال الإبداعية بعيد عن أجواء الحرب، فيما هو في عُمقها، باعتباره من نتائج أو تجلّيات الحرب بالضرورة، تأثَّر بموضوعها أو تداعياتها بهذا القدر أو ذاك، أو كان وليداً لبعض نتائجها المتناسلة، أو المتناسخة عن موضوعها الرئيس ولو في نطاق نفسي ضيق لا يكاد يُرى بوضوح.

واللافت في الوقت نفسه أن كثيراً من الأعمال الإبداعية التي أُنتِجت خلال الحروب أو بعدها، لم تكتفِ بالوصف، والعرض أو النقد لنتائجها ووقائعها وتبعاتها المأساوية الفادحة، أو حتى التشخيص الدقيق لمفاتيحها الدرامية، ومكامنها الخفية بقدرات فنية وأسلوبية متميزة، بل -وهذا الأهم- أبدعت في التنبؤ أو الحدس بما يستتبعها من أحداث ووقائع وأزمات على غير صعيد في الأزمنة اللاحقة، وهو ما أسفر عنه بعض هذه الأعمال بصورة أذهلت النقاد والمُتلقّين على السواء، مثل روايتَيْ «451 فهرنهايت» لراي برادبري، و «1984» لجورج أورويل، وكلتا الروايتين تنتمي إلى ما يمكن تسميته بأدب المدينة الفاسدة أو الواقع المرير «ديستوبيا» وهو التيار الأدبي الذي ظهر بصدور رواية «العقب الحديدية» لجاك لندن في 1908.
إن أدب وفن الحرب قد تبدّت تجلياته على نحو ساطع في البانوراما الأدبية والفنية خلال الحربين العالميتين (الأولى والثانية) وبعدهما، وكذا خلال وبعد الحرب الأهلية الإسبانية. كما كانت الصورة في المشهد الإبداعي العربي أكثر جلاءً في هذا المضمار من خلال المعركة المصيرية والتاريخية العربية- الصهيونية كخير مثال على نشوء وازدهار ما يمكن تسميته بأدب وفن المقاومة الذي لم ينحصر في المشهد الأدبي والفني الفلسطيني، بل تعدّاه إلى المشاهد الأدبية والفنية في غير ساحة عربية -وإسلامية أيضاً- ثم توالت الحروب والصراعات المسلحة في البلاد العربية لتتّسع المساحة التي شغلها إبداع الحرب متأثّراً، ومؤثراً على السواء في الساحة الأدبية والفنية العربية. كما عرفت هذه الساحة عدداً من النماذج في هذا الحقل الإبداعي خلال الحروب التي شهدتها المنطقة بعد نكبة 1948، ونكسة 1967، وأبرزها الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) التي كانت بحق أخصب النماذج في هذا المضمار الإبداعي، اِذْ تخلّقت خلال تلك الحرب وبعدها لفترة طويلة، حالة إبداعية ثريّة للغاية، لم تنحصر في الشعر والسرد فقط، بل اجتازتهما إلى العملية النقدية والفنون التشكيلية والمسرحية والسينمائية والموسيقية.
وبحق، أغنت تلك الوثبة الإبداعية المشهد الأدبي والفني العربي إلى درجة كبيرة، ولا تزال تأثيراتها قائمة ببصمات بارزة إلى هذه اللحظة.. حتى إن الأديب والناقد اللبناني عبده وازن نوّه بالطفرة التي شهدتها الرواية اللبنانية أثناء وبعد تلك الحرب، بإشارته إلى أن «الحرب هي البوتقة التي صنعت الرواية اللبنانية» التي شهدت في أتون تلك الحرب «ولادتها الحقيقية، كفنّ روائي يُحاكي الفن الروائي الغربي، روحاً وجوَّاً وتقنيات وأساليب» حسب ما أورده في كتابه «رواية الحرب اللبنانية: مدخل ونماذج» الصادر في مايو/‏أيار 2009.
ولعلّ الأمر ذاته تكرّر خلال وإثر الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، ثم حرب الخليج التي نجمت عن الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس/‏آب 1990، التي لا تزال تداعياتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قائمة وبقوة درامية هائلة إلى هذه اللحظة.. وهو ما يدعو بالضرورة إلى الاعتقاد الراسخ بأن «أدب الحرب» في الحالة الأخيرة بالذات، لا يزال مشهداً مفتوحاً على آخره، ولن يُسدل الستار عليه في زمن قريب.
لقد شهدت الساحة الأدبية والفنية العربية خلال وإثر الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، نماذج وتجارب شتى أثْرت تلك الساحة، وأثَّرت فيها، شعراً وسرداً ونقداً ومسرحاً وسينما وموسيقى وتشكيلاً، وأسبغت عليها ملامح موضوعية وفنية وجمالية في منتهى التميز والخصوبة والعمق. ولم يقتصر هذا الإبداع على المبدعين العراقيين والخليجيين فقط، إنما أسهم فيه مبدعون كُثْر من الأقطار العربية كلها تقريباً ومن مختلف المدارس والتيارات والاتجاهات الأدبية والنقدية والفنية التي تزخر بها الساحة الإبداعية العربية من المحيط إلى الخليج.
وتكاد تكون هذه الحالة متوافرة إلى حدٍّ كبير في المشهد الإبداعي اليمني، لاسيما وأن الاحتراب والاضطراب سمة حميمة في التاريخ السياسي والاجتماعي اليمني، قديمه وحديثه والمعاصر.. بل إن جزءاً غير يسير من عملية رصد ودراسة التحولات التاريخية والمرحلية للمجتمع اليمني -في ميادين السياسة والحرب والاجتماع والثقافة- اعتمدت، إما توثيق، وإما استدلالاً، على مصادر إبداعية، خصوصاً في الفنون الكتابية الأدبية. وقد ظهرت تجلّيات هذه الحالة بجلاء ساطع إثر حربين أهليتين شهدتهما اليمن في تاريخها المعاصر (1986 و 1994) ثم خلال الحرب التي اندلعت أواخر 2014 وتوسّع نطاقها في ربيع 2015. ومن المنتظر أن يؤدي التراكم الكمّي -الذي تشهده الساحة الإبداعية اليمنية وستشهده بوتيرة أكبر إثر توقُّف نيران المعارك وإحلال السلام- إلى تحوُّل نوعي على غير صعيد في الآداب والفنون اليمنية، واِنْ كان الشعر والسرد هما أكثر الألوان ازدهاراً في هذه الساحة، والأعلى نبرةً في رسم تفاصيل العملية الإبداعية المُستمدَّة من بانوراما الحرب وأتون نتائجها وتداعياتها المأساوية على غير صعيد.
وقد صدر حتى الآن عدد لا يتجاوز أصابع اليدين من المجموعات القصصية، وعدد أقل من المجموعات الشعرية التي كُتبت تحت وطأة الوقائع الدرامية للحرب اليمنية الأخيرة. وأعتقد أن ما كُتب في هذا النطاق أكبر من هذا العدد بكثير، بَيْدَ أن إغلاق المطابع ودور النشر اليمنية جراء تداعيات الحرب، وصعوبة التواصل والتعامل مع دور النشر العربية، قد حال دون صدور المزيد من الإبداعات الأدبية في كل مجالاتها. وقد عكست الإبداعات الصادرة حتى الآن عديد أوجه المعاناة التي قاساها، ولا يزال يقاسيها اليمنيون بصورة يومية وبوتيرة محمومة جراء الحرب التي تستنسخ على مدار الساعة عديداً من المآسي والويلات، إنسانياً وعمرانياً، مادياً ونفسياً.
ولعل من أبرز هذه النماذج المجموعة القصصية للأديب لطف الصراري «الرجاء عدم القصف» التي ترجمت بدقّة موضوعية لا تخلو من ذائقة فنية ومهارة أسلوبية تأثيرات هذه الحرب في مختلف شرائح المجتمع وفئاته في المدن والريف، في قاع هذا المجتمع وفي أعلى هرمه الطبقي، نساءً وشباباً وشيوخاً وأطفالاً، وهم من وجدوا أنفسهم تحت وطأتها بالضدّ من إرادتهم وطبيعتهم، فكان الموت والدمار والجوع والنزوح الجماعي مصيرهم من بعد أن ظنوا أنها مجرد إعصار عابر سرعان ما يتلاشى، فإذا به، وبعد أن تجاوز مقامه بينهم أكثر من عامين أكثر المآسي فداحةً وخراباً ودموية وضحايا في تاريخ اليمن المعاصر. ومن مُفارقات القدر أن كاتب هذه القصص كان واحداً من أبطالها -أو بوصف أدق: كان، ولا يزال واحداً من ضحايا هذه الحرب- بعد أن وجد نفسه مع أهله وأفراد أسرته في خضم معمعتها، تتقاذفه وقائعها، وقد رأى رأي العين كل أشكال الموت والخراب والتشرد التي اكتنفت بيئتيه: المحدودة والممدودة، فاضطر كالآلاف غيره إلى النزوح من المدينة إلى الريف حيث الوضع الحربي والأمني والاجتماعي أقل وطأة، إذا جازت المقارنة بين مختلف مناطق الحرب.

لقد كانت الأعمال الأدبية الصادرة منذ اندلاع هذه الحرب خير ترجمة لوقائع وتداعيات وشخوص ومآلات هذه الكارثة الإنسانية التي صارت ملمحاً بارز القسمات في الوجه، بل والجسد اليماني، باعتبار الحروب واحدة من أبرز المَشاهِد والسِّيَر في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر.

وفي كل الأحوال تبرز حقيقة تاريخية في منتهى التراجيديا تؤكد وبقوة على أن رماد الأزمات والصراعات والحروب قد كان ولا يزال سماداً لإبداع الشعوب.