د. نورهان الشيخ
التطور الذي تشهده القدرات العسكرية الروسية أصبح لافتاً لنظر الكثير من الدول، إما رغبة في الاستفادة منه لتعزيز دفاعاتها، أو قلقاً مما يمثله ذلك من تعزيز لمكانة روسيا ودورها الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا التطور وليد اللحظة ولكنه ثمرة تخطيط وجهد على مدى عقد ونصف العقد من البحث والتصنيع والتدريب.

عقب تدهور حاد وسريع للعسكرية الروسية بمختلف أبعادها طوال حقبة التسعينات، وفور توليه السلطة مطلع عام 2000، بدأ الرئيس بوتين برنامجاً طموحاً لتطوير القدرات العسكرية الروسية، يتجاوز حد استعادة القوة العسكرية، إلى إحداث نقلة كمية ونوعية بها.

ويعتبر عام 2015 هو عام الحصاد بالنظر إلى الطفرة التي تم الكشف عنها فيما يتعلق بالقوات المسلحة الروسية، حيث احتلت روسيا المركز الأول، عالمياً، في عدد الدبابات والمدافع الذاتية الحركة وراجمات الصواريخ، وذلك وفقاً للمصادر الغربية ذاتها. فروسيا تمتلك 15398 دبابة، أي حوالي مثلي ما تملكه الولايات المتحدة الأمريكية، و37 ضعف ما تملكه بريطانيا، ويملك الجيش الروسي من المدافع الذاتية الحركة ثلاثة أضعاف ما يملكه الجيش الأمريكي، و67 ضعف ما يملكه الجيش البريطاني. وتملك روسيا 3793 راجمة صواريخ، أي نحو 3 أضعاف ما تملكه الولايات المتحدة، و90 ضعف ما تملكه بريطانيا.
ويبلغ عدد أفراد القوات المسلحة الروسية العاملين 766 ألف جندي وضابط، بالإضافة إلى 2.5 مليون شخص من جنود وضباط الاحتياط، ورغم التراجع في عدد القوات إلا أنها تطورت نوعياً بالتحول إلى نظام الاحتراف بدلاً من التجنيد الإلزامي في الجيش الروسي. وتحرص روسيا على رفع الكفاءة القتالية لقواتها المسلحة من خلال التدريب وإجراء المناورات التي شارك فيها في العام المنصرم أكثر من 100 ألف جندي.
وتحتل روسيا المرتبة الثالثة عالمياً من حيث حجم الإنفاق العسكري، وتزايد الأخير بمقدار الثلث في عام 2009، وواصل نموه رغم الأزمة المالية العالمية، ليرتفع بمقدار 11 مليار دولار تقريباً عام 2015.
كما دخلت الخدمة منظومات عدة حديثة أبرزها منظومات الدفاع ضد الصواريخ والطائرات المهاجمة «إس 400»، والتي تأتي رداً على خطط الولايات المتحدة بشأن توجيه «ضربات كونية» بواسطة الصواريخ والطائرات. وقامت روسيا بتزويد جيشها وجيوش حلفائها بمنظومات «إس-400 تريومف»، ونشر أكثر من 40 قطعة منها داخل روسيا، إلى جانب نشرها في سوريا، وفي الجزائر وفقاً لمعلومات غير رسمية، وسوف تحصل الصين على مجموعة من هذه المنظومات في عام 2017، ويُتوقع أن تتعاقد الهند أيضاً على شرائها. وفي ضوء ذلك قامت موسكو بتشييد مصنعين جديدين لإنتاج منظومات «إس 400». وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلنت وسائل إعلام أمريكية أن روسيا اختبرت بنجاح منظومة صواريخ جديدة من طراز «إيه - 235» (نودول)، تستطيع إسقاط الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض. ووفقاً لرئيس القيادة الفضائية للقوات الجوية الأمريكية الجنرال جون هيتين، فإن هذه الصواريخ تهدد الأقمار الصناعية الأمريكية الحيوية.

وأجرت روسيا تجربتها الأولى لصواريخ «كاليبر» المضادة للسفن البحرية يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2015 عندما أطلقت أربع وحدات بحرية روسية في بحر قزوين 26 صاروخاً من هذا الطراز على منشآت يسيطر عليها تنظيم «داعش» الإرهابي في الأراضي السورية. وتتمتع صواريخ «كاليبر» بقدرات فائقة وتزيد سرعتها على سرعة الصوت، ولديها القدرة على الهروب من الدفاعات الجوية ولذا يطلق عليها قذائف «جوالة ذكية». وتسلمت وحدات من القوات المسلحة الروسية في شرق روسيا مجموعة من مدافع «بيون» الذاتية الحركة التي تعتبر الأقوى في العالم وفقاً للمصادر الروسية. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية في التاسع من يناير/كانون الثاني الجاري أن القوات المسلحة الروسية تسلمت أكثر من 1500 طائرة حديثة من دون طيار في الأعوام الأربعة الماضية، ليرتفع ما يملكه الجيش الروسي منها إلى 1720 طائرة.

وهناك آفاق واعدة للتطوير خلال العام الجاري، حيث من المنتظر أن تدخل الخدمة منظومة «أس - 500» التي تمثل جيلاً جديداً من أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات يمكنها، وفقاً للمصادر الروسية، أن تطول الأقمار الصناعية التي تحلق على مدارات منخفضة، والأسلحة الفضائية والمنصات المدارية.
وأعلن وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أنه سيتم تزويد القوات الجوية - الفضائية الروسية، والأسطول البحري الحربي الروسي بأكثر من 200 نموذج من الطائرات الحديثة في عام 2016، منها المقاتلة الروسية «T-50سوخوي باك فا»، التي تستطيع تدمير كل ما يطير في الجو بما في ذلك المقاتلة «إف - 35» الأمريكية. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ستقوم ببناء وتجهيز نحو 437 منشأة عسكرية في منطقة القطب الشمالي خلال عام 2016.
من ناحية أخرى، تنامت القوات البحرية الروسية على نحو ملحوظ، وصرح رئيس العمليات البحرية الأدميرال الأمريكي جون ريتشاردسون الأسبوع الماضي، «إن الهيمنة الأمريكية المطلقة في عرض البحر المتوسط والتي استمرت لخمسة وعشرين عاماً قد ولت، حيث حققت روسيا والصين تقدماً عسكرياً وإمكانات هائلة»، وأن «البحرية الروسية تعمل على وتيرة لم نشهدها منذ أكثر من عقدين من الزمن».
ويمكن تفسير هذه القفزات في القدرات العسكرية الروسية في ضوء مجموعة من العوامل المتعلقة بمقتضيات الأمن القومي الروسي. أولاها تلك الخاصة بمكافحة الإرهاب في الداخل الروسي ودول الجوار المباشرة وغير المباشرة، نظراً لتصاعد تهديد الإرهاب لروسيا وفضائها السوفييتي السابق ومنطقة الشرق الأوسط. وتعتبر روسيا أن تمدد تنظيم «داعش» وتزايد عدد المنخرطين في صفوفه من روسيا وجوارها الإسلامي تهديد مباشر لأمنها القومي، خاصة بعد أن أعلن تنظيم «إمارة القوقاز الإسلامية»، الذي يتخذ من القوقاز الروسي مقراً له مبايعته لتنظيم «داعش» في 21 يونيو/حزيران 2015. كما أعلنت بعض التشكيلات الشيشانية غير المرتبطة ب«داعش» في سوريا عزمها القيام بعمليات إرهابية ضد روسيا. وأعلن تنظيم «داعش» روسيا عدواً له، وهدد «باحتلال الكرملين وتحرير روسيا والشيشان والقوقاز وأخذ الروسيات سبايا». يضاف إلى هذا خطورة "داعش" على سوق الطاقة الذي يعد قطاعاً مفصلياً ورئيسياً للأمن القومي الروسي بمعناه الواسع، حيث تعتمد «داعش» على النفط كمصدر للتمويل من خلال قيامها ببيع النفط المنتج في العراق وسوريا وليبيا في السوق السوداء، الأمر الذي يهدد أسعار النفط المتدنية أصلاً. ومن ثم تعتبر روسيا القضاء على «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية واستئصال الإرهاب من جذوره في منطقة الشرق الأوسط، التي تمثل حزام روسيا الجنوبي الغربي، ومنها يأتي الدعم للإرهاب في الداخل الروسي، هدفاً رئيسياً لها يستلزم قدرات عسكرية قوية قادرة على سحق الإرهاب.
كما أعلنت وزارة الخارجية الروسية، يوم 10 ديسمبر/كانون الأول، أن تهديد تنظيم «داعش» بإنشاء قاعدة له في أفغانستان والتزايد الفعلي الملحوظ في أعداد «الدواعش» في أفغانستان خاصة على الحدود مع طاجيكستان، يعد تهديداً للأمن الروسي وزعزعة لاستقرار منطقة آسيا الوسطى ذات الجوار المباشر لها. وفي هذا السياق تقوم روسيا بتعزيز قدرات دول آسيا الوسطى ودعم قواعدها العسكرية بها، خاصة في قرجيزستان وطاجيكستان لمواجهة هذا التحدي.
على صعيد آخر تشير التعديلات التي تضمنتها العقيدة العسكرية الروسية الجديدة الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2014، والعقيدة البحرية الجديدة الصادرة في يوليو/تموز 2015، وكذلك الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الروسي التي أقرها الرئيس بوتين يوم 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي صراحة إلى أن تعزيز قدرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتمدده واقتراب بنيته التحتية العسكرية من الحدود الروسية، وتكليفه «بمهام كونية» تخالف القوانين الدولية، وتكثيف نشاطات الحلف العسكرية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي، وتعد مبرراً قوياً لسعي روسيا نحو تعزيز «قدراتها الدفاعية» في مواجهة ما تعتبره موسكو تهديداً من جانب الحلف.
وأخيراً، تسعى روسيا منذ تولي بوتين السلطة إلى استعادة مكانة روسيا كقوة كبرى فاعلة ومؤثرة وهو ما لا يمكن تصوره دون قدرات عسكرية حديثة ومتطورة، كماً ونوعاً. فانطلاق روسيا من الجوار القريب في الفضاء السوفييتي السابق إلى الجوار البعيد في الشرق الأوسط وغيره يقتضي أقداماً حديدية وسواعد قوية لإنجاز المهام على بعد آلاف الأميال من حدودها. وعلى سبيل المثال، لم يكن من المتصور أن تقوم روسيا بضرباتها في سوريا لولا هذا الظهير العسكري القوى الذي تتمتع به والذي يكفل لها إنجاز الأهداف والمهام بأعلى درجة من الفاعلية والنجاح.
من ضرورات الأمن القومي الروسي، ومقتضيات المواجهة المستعرة بين روسيا والناتو على خلفية الأزمة الأوكرانية، وما تتطلع إليه موسكو من دور فاعل على الصعيدين الإقليمي والدولي كان الدافع الأساسي وراء النمو والتطور المطرد في القدرات العسكرية الروسية، والذي من الواضح أنه أصبح توجهاً ثابتاً تحرص روسيا على توفير الموارد والقدرات البشرية التي تضمن استمراره في المستقبل.