تنتمي روناك شوقي إلى جيل السبعينات في المسرح العراقي، وهي ابنة الفنان الكبير خليل شوقي، وشقيقة الفنانة مي شوقي، وكلاهما من أعمدة فرقة المسرح الفني الحديث ذات التاريخ المسرحي العريق . درست التمثيل في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وتخرجت عام ،1977 ثم سافرت إلى موسكو لتدرس فن التمثيل والإخراج في معهد غيتس في موسكو، وبعد تخرجها عام 1984 انتقلت إلى سوريا حيث أسهمت مع مجموعة من الفنانين العراقيين في تأسيس فرقة مسرح بابل، وظلت مغتربةً حتى الآن، وقدمت أغلب تجاربها في دمشق ولندن ومدن أوروبية أخرى باللغة العربية والانجليزية، وأسست في لندن استوديو الممثل مع عدد من المسرحيين العراقيين المغتربين .

عُرفت روناك شوقي مخرجةً، ومشتغلةً على تكييف نصوص عالمية، وكاتبةً مسرحيةً، إضافةً إلى كونها ممثلةً، ومن أبرز أعمالها: (هبوط انانا، كالخاس، أنتيغونا، المملكة السوداء، وحشة . . وقصص أخرى، بيت برنارد البا، على أبواب الجنة، سماء أخرى، ريح الجنوب، وخارج الزمن) .

في مسرحيتها سماء أخرى، التي كتبتها وأخرجتها ومثلت إحدى شخصياتها عام ،2004 يدور الحدث الدرامي في مشهد واحد طويل يعرض تجارب ثلاث نساء عراقيات (على غرار تجارب النساء الثلاث في مسرحية جواد الأسدي نساء في الحرب، ومسرحية ثلاث نساء طوال لنضال الأشقر، وفيلم الباحثات عن الحرية لإيناس الدغيدي، وفيلم الساعات للمخرج الأمريكي ستيفن دالدراي، الذي يتناول حياة ثلاث نساء في ثلاثة أزمنة مختلفة) . هؤلاء النسوة الثلاث المغتربات يختلفن في الرؤية، رغم حبهن للوطن، بمعناه الكبير: المرأة العاطفية المثقفة ذات النزعة الغربية التي تعيش انفصاماً بين دعم الحرب والخوف من الاحتلال، وثمة زوجة المعارض السياسي التي تهرب مع زوجها إلى بلد آخر، والمشغولة بهَمّ الأولاد وتربيتهم وتعليمهم شيئاً عن الوطن البعيد، والمرأة العجوز نوعاً ما التي تجترح حزنها الخاص بها، وهي الوحيدة التي تقول إن لديها بيتاً في العراق تريد العودة إليه .

حوار النساء يجري على خلفية يوميات الحرب التي كانت تقف على أبواب العراق، وينمو الفعل الدرمي مع تقدم الأحداث هناك، فهن متسمرات أمام شاشة التلفاز يبحثن عن خبر، وفكرة الجلوس أمام التلفاز في حد ذاتها تشير إلى حيرتهن وتوزعهن بين موقفين متناقضين: جيش أجنبي يتقدم صوب الوطن، ونظام يتمنين رحيله، فعندما يدخل الأمريكيون أم قصر ينتابهن الذعر، ويتساءلن عن مقاومة الجيش العراقي، لكن هذا الجيش الذي يأملن انتصاره هو جيش النظام، وهذه هي المعضلة! الانشطار بين حب الوطن، والخوف عليه من جهة، والرغبة في انهيار نظام يكرهنه من جهة .

إن قصص النساء الثلاث تتراوح بين العام والخاص، بين الهجرة والوطن، وبسبب الغربة التي فرضت على الشخصية التي تؤديها روناك شوقي في المسرحية، وهي شخصية المثقفة المتحررة التي ابتعدت كثيراً عن الوطن لإكمال الدراسة، لكنها تحن إليه دائماً، وتعزف على الوتر الذاتي والعام، فقد حاولت تأكيد نفسها بإقامة علاقات مع الآخر، ولم تنجح، وبحثت بعد ذلك عن علاقة مع ابن الوطن الذي لم يحترم استقلاليتها وأظهر صورته الرجولية القامعة .

المرأة الثانية تقص حكاية رحيل زوجها الناشط السياسي، واكتشافها جمال الوطن عندما غادرت في شاحنة إلى دولة عربية ومنها إلى بريطانيا، ودخولها لعبة الأيام التي تمر سريعاً في بلد يؤكد عزلة الأفراد، هذه المرأة خائفة وملتاعة على مصير أبنائها الذين يتحدثون بلغة مختلفة، ولا يعرفون الوطن إلاّ بالاسم . أما المرأة الثالثة فقد اضطرت إلى الهجرة خوفاً من اعتداء رجال النظام على شرف ابنتها الجميلة، وهو الخوف الذي منعها من إرسالها إلى المدرسة، وتحكي عن توزعها بين قبول أول خاطب لها يعيش في المنفى أو البقاء في البيت، وحين ترافق ابنتها إلى الخارج تكتشف العالم الجديد البعيد عن العراق، وقسوة الغربة .

في المسرح، الذي تحول إلى غرفة جلوس واسعة، في بيت بغدادي، كراسي هنا، وأرائك هناك، وسجاد، وطاولة للشاي، وأشياء أخرى مبعثرة، تتحرك النسوة بحرية، ويمارسن هواية الحكي الذي يزاوج بين العامية والعربية الفصحى، ويجمع الهامشي بالأساسي . ويتخلل الكلام/الحكي لحظات من الاستماع بالتلفاز، واستذكار الماضي، وقراءة الصحيفة، ومع كل خبر جديد تكتشف النساء الثلاث بعداً جديداً لمأساتهن كعراقيات(1) .

تجمع مسرحية روناك شوقي على أبواب الجنة، التي عرضتها عام ،2007 ثلاث نساء، أيضاً (أداء: مي شوقي، سلوى الجراح، وروناك نفسها) في فضاء يوحي إلى محطة سكك حديد، حيث ينتظرن قدوم القطار ليقلهن إلى الوطن، الذي غادرنه بسبب ما تعرضن له من اضهاد وقمع، وهرباً من جحيم الحرب إلى ملاذ آمن، إنهن نماذج تتكرر في العديد من الأعمال المسرحية، خاصةً في نساء الحرب لجواد الأسدي، وعمل روناك السابق سماء أخرى . هؤلاء النسوة يتحرقن إلى قدوم القطار، وخلال انتظارهن يروين معاناتهن في الوطن والغربة: واحدة تتعجل العودة إلى أمها التي فارقتها منذ أكثر من عشرين عاماً، والثانية تريد زيارة قبر ولدها الذي قُتل في الحرب، والثالثة، التي تغربت وهي في السابعة عشرة من عمرها، وجابت المنافي وحيدة بأوراق مزورة، تتلهف إلى العودة لتكوين أسرة، وتحقيق أحلامها البسيطة، لكن كيف سيواجهن البلاء الذي يغرق فيه الوطن منذ بدء الاحتلال، بلاء الفتنة والعنف والإرهاب الأعمى؟ تلك هي المشكلة التي تسرق أحلامهن .

في مسرحيتها الأخيرة خارج الزمن ،2010 التي أعدتها مع الشاعر عواد ناصر عن رواية حفلة التيس لماريو بارغاس يوسا، وعرضتها في لندن وبغداد باسم ستوديو الممثل، تعود امرأة عراقية زهرة من منفاها الأمريكي إلى بلادها بعد ثلاثة عقود ونصف العقد، إثر سقوط الدكتاتور الحاكم، الذي اغتصبها في شبابها، حاملةً سرّها الدفين بين جوانحها، ذلك السر الذي يتشظى ويتجاوز حدود الأنا ليأخذ صيغة الجمع، فتلتقي أباها الذليل الذي كان واحداً من رجال السلطة، متماهياً مع عقلية الدكتاتور، ومنصاعاً لرغباته وغرائزه، مُضحياً بشرف ابنته الوحيدة لعله يتكرّم عليه ويُعيده إلى دائرة الاهتمام .

تظهر زهرة (أدت دورها روناك شوقي) في البداية مترددةً، خائفةً من كل شيء، تقضي أيامها الثلاثة الأولى منزويةً في غرفتها في الفندق، لا تمتلك القدرة على الخروج لكي تواجه سيول الذكريات المؤلمة التي لم تنبجس من فراغ، وإنما كانت نتيجةً طبيعيةً لذهنية الأب الذليل، لكنها لا تلبث أن تتجاوز ضعفها، وتنتصر على محنتها الفردية، التي يمكن أن تمتد لتشمل الجميع، وتحاول أن تحاكم أباها على كل الجرائم التي ارتكبت بحق الناس، من دون أن تغيب عنها فكرة التسامح مع الماضي(2) .

يشبّه الشاعر العراقي فوزي كريم، فرقة روناك شوقي بخلايا المناعة في الجسد البشري، التي تنفرط عن بعض في المشاغل الفردية لحظة الأمان، وما إن تستشعر أذى طارئاً يُلم بالجسد حتى تلتحم ببعض، أما ممثلوها فهم عناصر يمكن أن يكونوا في أي مكان، داخل لندن أو خارجها، تفرقهم ظروف المعيشة التي لا يجمعها جامع، ويوحدهم قدَران لا فكاك منهما: قدرُ المنفى، وقدر حب المسرح، ورغم فقر إمكانات الفرقة، الذي يكاد يبلغ الصفر، لم تبطل روناك المحاولة، فهي مثل تلك الخلايا ما إن تضيق بالصمت وتحاول، حتى تتجمع ثانية على العمل المشترك .

(1) إبراهيم درويش، ثلاث نساء عراقيات بين آلام المنفى وقسوة الحرب، سماء أخرى عمل جديد ل استديو الممثل في لندن، موقع مسرحيون الإلكتروني: www .masraheon .com

(2) عدنان أحمد حسين، مسرحية خارج الزمن لروناك شوقي: تفكّيك الذهنية الدكتاتورية ومٌقاصصة الضحية للجلاد، جريدة المنارة (بغداد)، 2/ 3/ 2010