رغم مرور 14 عاماً على رحيل الإعلامي رياض شرارة، لا يزال اسمه محفوراً في الذاكرة، وصورته مرسومة في المخيلة، ولا تزال كلماته تتردد في الآذان. هو الذي كان يتوجه إلى جمهوره بكلمة تقبروني ويودعه بكلمة سامحونا، حتى صار الناس الذين كان يلتقيهم في الشارع يقولون له سامحونا قبل أن يلقوا عليه التحية.
كان إعلامياً استثنائيا وبنك معلومات، لولعه بالقراءة وقدرته على الحفظ وسعة اطلاعه، وهذا البنك لم يخذله أبداً بل شرع أمامه أبواب الشهرة، وساعدته ثقافته العالية بالانطلاق في عمله في الصحافة في مجالاتها الثلاثة، المرئية والمكتوبة والمسموعة.
كان أول إذاعي في العالم العربي، ينطلق بفكرة البث المباشر، كما كان أيضاً أول شاعر سمعي، مزج بين الكلمة واللحن في تسجيلا ت شعرية.
تميز رياض شرارة بالحضور الواثق وبخفة الظل. رفض أن يقال عنه مقدم، لأنه كان يجد عمله مختلفاً عن عمل المقدمين. اعتبر نفسه سيد حفل ومحيي برامج، وهي مهنة نادرة وقلة هم الذين يعملون بها في العالم العربي، لأنها تتطلب شروطاً فطرية، قوامها الموهبة المدعومة بالثقة.
علاقته بالمرأة كانت مميزة، تبدأ بعينيها وتنتهي بهما، وكل ما كتبه لها حمل هذا المعنى... على دفاتر عينيه، تعويذة حب لعينيه وكلمات لعينيها.
علبة السجائر والولاعة كانا رفيقيه الحميمين اللذين لم يفارقاه إلا عندما فارق الحياة.
ولد رياض شرارة في بلدة مشغرة البقاعية، ولكنه لم يحبها أبداً ولم تعنِ له يوماً شيئاً ولم يربطه بها سوى الواجبات الاجتماعية. فهو لم يعش في ضيعته سوى الثماني سنوات الأولى من عمره، وكان يعتبر أن أهله أخطأوا في حقه عندما وضعوه في مدرسة داخلية أورثته الكثير من العقد. تلقى علومه في مدارس داخلية بين دير بلدة مشموشة الجنوبية، وزحلة وبكفيا.
أحب التمثيل منذ صغره وشارك في الكثير من النشاطات الفنية سواء من خلال الأعمال المدرسية أو من خلال نادي البلدة، وعرف بالأدوار الكوميدية وأدوار الشر. كان ذلك قبل أن يترك منزل والده (نقولا) الذي كان يعمل في التجارة وقبل أن يقرر المجيء إلى بيروت ليصنع مستقبله بنفسه. حينها كان مراهقاً، فعمل في حقل الكهرباء أولاً ثم خطاط آرمات، ثم في تصليح ماكينات سينجر للخياطة وفي الوقت نفسه تابع تدريس مادتي الأدب والفلسفة للصفوف الثانوية في مدارس عدة.
في الثامنة عشرة من عمره، وبينما كان في مطعم لا روندا في ساحة البرج، نصحه زميل له بطرق باب الإذاعة اللبنانية التي رسمت الخط الأول في حياته المهنية عبر برنامج فكر واربح الذي استمر 12 سنة وصنف في خانة البرامج الأكثر شعبية ولعل أهم مكافأة نالها على هذا البرنامج مشتركة اسمها رينه الدبس، التي غشّ عن قراءة اسمها ونجحها، وكانت حسب قوله المرة الوحيدة التي يزعبر، أي يغش فيها، وكانت النتيجة أنه تزوجها وأنجب منها أربعة أولاد، هنادي مساعدة مخرج، هادي المؤلف الموسيقي المعروف، نادين ممثلة وغدي متخصص في علم الموسيقا وآلة السكسفون.
من الإذاعة انتقل إلى التلفزيون وقدم الأخبار، ولكن المجال الإخباري لم يرق له، ووجهه البشوش لم يتلاءم مع طبيعة النشرات الإخبارية الجادة والحزينة أحياناً، فانتقل بعد سنتين، إلى تقديم البرامج. يضم رصيده نحو 3 آلاف ساعة تلفزيونية من برامج المنوعات وآخرها باب الحظ الذي قدمه في المؤسسة اللبنانية للإرسال، بالإضافة إلى نحو 30 ألف ساعة إذاعية من البث المباشر.
إلى ذلك عمل رياض شرارة في الصحافة المكتوبة، فكتب في معظم المجلات اللبنانية وآخر عمل صحافي مارسه كان توليه رئاسة تحرير مجلة تلسينما الفنية التي كان يصدرها جان كلود بولس، وظل يعمل فيها إلى حين توقف إصدارها بسبب ظروف الحرب اللبنانية.
البكاء بالنسبة لرياض شرارة، يمثل ذروة الرجولة، لأن الرجولة بنظره ليست السواعد المفتولة وشاربين معقوفين ولا البطش ولا الوجه المتجهم.
كان شجاعاً في الحياة وجباناً أمام الموت، فهو لم يتقبل يوماً فكرة الموت. وكان يشعر بأن ساعته قد اقتربت عند أي عارض صحي بسيط، حتى لو كان ألماً في الأسنان. كثيراً ما يكره النوم خوفاً من ألا يستفيق منه مرة ثانية، وبعد موت شقيقه يشغل نفسه بالعمل والسهر ليصدق أنه لا يزال حياً. في أحد المرات استطلع أخصائي فراسة وجهه وقال له ستموت ما بين سن 40 وال 55، ويبدو انه حفظ موعد رحيله الثاني، بعد أن اجتاز موعد رحيله الأول بسلامة، وفي آخر مقابلة إذاعية أجريت معه كان في حالة صحية مربكة وقال لأسرة الإذاعة يبدو أنني لن أكمل الأسبوع حياً. وصدقت النبوءة، وتحقق حلم رياض شرارة ورحل بعد إصابته بسكتة قلبية، لطالما تمناها، هو الذي كان يردد دائماً ليس أجمل من أن تقفل الستارة بسرعة. كان يعتبر أنه ليس أصعب على إنسان عنده قابلية للحياة أن يجلس أمام عاجز مريض متألم ينتظر الموت.
قبل رحيله قال عندما تمطر السماء أشعر أنها تبكي علي.. وربما هي تفعل ذلك حقاً.