ولد الفنان السعودي زمان جاسم عام 1971 في منطقة الخُبر شرقي المملكة العربية السعودية، وهو يعيش ويعمل حالياً في مدينة القطيف .
في معرضه الذي أقامه مؤخراً في صالة دار الفنون في الكويت بين 11-28 إبريل/ نيسان 2011- اشتغل هذا الفنان الاختباري على مسطحات مستحدثة من الألياف الزجاجية، وذلك بعد أن جهزها وحضرها لتقبل المواد المتنوعة، وأغلبها طبعاً تنتمي الى ألوان (الفيتراي) ذات الشفافية والمقدرة على التماسك والسيولة، لذلك فهي تستعمل على السطح المزجج برهافة وتصميم مسبق، بل إن الطبقات التي يتم فيها التشكيل والكتابة التشكيلية تتقبل بدورها خاصيتي الإلغاء والتحول الى عناصر مُشكّلة وكامنة في الخلفية، مع ذلك فإن هذا الفنان الذكي تعامل مع مادة الفايبر غلاس كتكوين غير مسطح، بل يصير كتلة ملتفة على ذاتها، وحاملة لواجهة وجانب وخلفية . إنها أقرب الى التكوين المخروطي، وهنا نذهب بالمادة اللونية إلى المدى الممكن لتلوين كتلة قائمة بذاتها، تمنح أسطحها بشكل شبه مداري لكل مواقع النظر . ربما تأتي بشكل قرن مخروطي التعامد، وربما تأتي بشكل لفافة مطوية، لكن مهما كان وضعها فهي مسطح تصويري ناعم ولميع للدائن جرى تلميعها وتزجيجها لكي تصير منتمية الى فصيلة الألياف الزجاجية، ذات الاستعداد للتلوين بالألوان الخاصة بالزجاج .
أما الأنظمة التشكيلية التي اتبعها الفنان زمان جاسم فهي الخلفية التي تنتمي الى التجريد الغنائي، وعليها كتابات عربية ونقوش مستمدة من نقوش الريازة الشرقية، وبعض المواد المذابة والمسقطة أو رسوم لزهور ذات ألوان حارة . لقد اقتربت النتائج التشكيلية عنده من الفنون التزييتية الفارسية القديمة . وخاصة عندما استعمل الخطوط الانسيابية الفارسية القديمة . وبشكل أخصّ عندما استعمل الخطوط الانسيابية اللينة، أو حركة الأغصان المتسلقة الموجودة أصلاً في المنمنة الفارسية أو الهندية .
كل قطعة هي قطعة نحت لألياف زجاجية، تمّ صبها في مواد خاصة . ثم جرى تلميعها بالمواد التي تُنعّم وتلمع السطح، إضافة إلى الاشتغال التلويني .
السؤال هو: هل أراد الفنان السعودي زمان جاسم وهو رسام مادة الاكريليك كما أعرفه جيداً، أن يمنحنا مناخاً فنياً جديداً، أم أنه سعى الى الخروج من استطالة أو تربيع المسطحات القماشية التي كان يلونها بمادة الأكريليك؟ ولماذا هذه النقلة؟
يمتلك الفنان كامل الحق في البحث عن خامات جديدة، ومسطحات جديدة، وقد يعمد إلى تصنيع مسطحاته من مواد مثيرة، لذلك صارت اللوحة المعاصرة ذات طاقة متحرّرة من كل موروث تكويني قديم، إنها قوة تستولد ذاتها بامتياز، وهي ضمن المفهوم (الغائي) للفن المعاصر تتعامل مع إفرازات العصر الذي تعيشه وتحولها، كما يحول الساحر التبن إلى تبر، أو المواد الخسيسة الى مواد نفيسة .
إن زمن الماتيريال المتنوع ألغى قوانين تصنيعية قديمة وأوجد وقائع مادية معاصرة، والفنان الذي يستطيع ان يتعامل مع ما يمنحه العصر من معطيات يكون قد أكّد وضعه كصانع ماهر، ومخترع مملوء بالاستجابات الميكانيكية والعضوية لعصره .
إن النتائج الصناعية الفنية ذات الأبعاد الإبداعية القابلة للتطور والنمو هي نتائج سوف تتطور، لكن الجانب السلبي الذي يمكن أن يغطي المحاولة الإبداعية، هو التكرار الصناعي الذي يعرض نفسه بفعل استغراق الفنان في الصنعة . إنك تذهب الى أسواق الصناع المهرة في أسواق الفضة أو النحاس . وتحاول أن تقتني قطعتك التحفة كالمصاغ الفضي اليماني، أو النحاس العراقي المطروق، فتجد التشابه الذي يقضي على الجانب الفني الذي يمتاز بفرادته .
زمان جاسم وإن كرّر نفسه في شكل المسطح الذي رسم عليه، إلا أنه لم يكرر رسوماته ذاتها . وربما أدخل على بعضها كولاجات من قطع فضية أو برونزية . انه يقترب من فكرة الصياغة أيضاً، علماً أن صياغات إبداعية حديثة لبعض مشاهير أوروبا أمثال بوشرون وسيلفي صليبا وتيفاني وغيرهم، قد تحولت إلى عالم التشكيل اليونيك الذي يقدم قطعة واحدة محملة بالنتاج الفني المبتكر .
كناقد للفن، وكفنان، أشجع الفنان العربي أن يذهب بعيداً عن الالتزام بالنمطية القديمة للفن . فلا المسطح التصويري ملزم أن يكون مستطيلاً أو مربعاً أو مثلثاً أو دائرياً . ولا المادة التنفيذية يجب أن تكون زيتية أو مائية متداولة منذ عصر النهضة، بل علينا أن نبتكر ما نرسم عليه، وما نرسم به لكي نصل إلى ما نسعى إليه .
معرض الفنان السعودي زمان جاسم خطوة متقدمة، يستطيع أن يحوّلها الى مسار يوصله إلى نتائج سوف يكتشف غداً أنها جيدة ومذهلة . . (إذا ما أراد الفنان أن يدرس قضية اللدائن الزجاجية . ويركب منها لوحات جدرانية واسعة، فإن الالتقاء مع فنون الفيتراي الزجاجية . هو الوصول إلى الجانب الإبداعي من بحر الفنون الذي قد يبدو أحياناً بلا شاطئ، وبالغ السعة والاستيعاب .