"الست" . . لماذا أطلقوا على أم كلثوم هذا اللقب الأنثوي الذي لا علاقة له بعالم الغناء؟ ولماذا قالوا عن فاتن حمامة "سيدة" الشاشة العربية؟
40 عاماً على رحيلها، و"الست" مازالت على قمة عرشها لا يهزها تبدل أجيال ولا أهواء ولا تطور التكنولوجيا وتقدم غرب أو تراجع عرب . تركت كنزاً لا يفنى، ينافس أغنيات كل الذين عاصروها ومن جاؤوا من بعدها، ومازالت الرقم الصعب والامتحان المر أمام كل من أراد دخول الفن وإثبات قدراته الصوتية وقوة موهبته . وفي كل مرة نسأل: ما هذا السر الذي يجعل أم كلثوم حية شامخة لا تهتز عن كرسيها المخملي في الغناء العربي؟
لا شك أنها امرأة استثنائية حباها الله موهبة استثنائية أيضاً، إنما هناك مجموعة عوامل ساهمت في تخليد فن ذلك العصر، ويدفعنا للإحساس بأن "أهل زمان" هم أهل الفن الأصيل، وما نسمعه ونراه اليوم يعجز عن الارتقاء بالمغنيين والممثلين إلى ذلك المستوى العالي . ترى لماذا؟
قد يأخذنا لقب "الست" لأم كلثوم و"السيدة" لفاتن حمامة، على حل سر من أسرار "زمان" . فبغض النظر عن ظروف إطلاق كل من اللقبين، إلا أنك تشعر بأن فيهما من الرقي والحميمية الكثير . وكلما نطقت كلمة "الست" و"السيدة"، تشعر بأنك مجبر على الارتقاء بكلامك إلى ما يليق بالشخصية التي تتحدث عنها، وأنك لابد أن تحترمها وتحسب ألف حساب لكلامك، لأنك أمام "هانم" أو "لايدي" بمفهوم أبناء اليوم .
أن تقول عن فنانة "ست"، فأنت تحملها من عالم الفن إلى عالم الأنوثة وتمنحها صفة وسط مجتمعها وبيئتها والحياة عموماً . فهي ليست "طقاقة" كما كانوا يقولون، وهي ليست "نجمة" كما يحب فنانو اليوم أن يقال عنهم، بل هي امرأة تمشي وسط أهلها شامخة مرفوعة الرأس يشيرون إليها بانبهار ويفخرون بها .
في زمن "الست أم كلثوم" و"السيدة فاتن حمامة"، كان هناك عدد من "الهوانم" الراقيات اللواتي أجبرن الجمهور على احترامهن والارتقاء بالحديث عنهن إلى مستوى اللياقة واللباقة والأدب، وكان أهل الفن "خواجات" و"هوانم"، حتى الكومبارس كانوا يرتقون بأنفسهم كي يليقوا بصورة "الفنان" في نظر الجمهور . وقتها كان للجمهور ألف حساب يخافه الفنان ويخاف حكمه القاطع عليه ولا يجرؤ أحد على الاستخفاف به، حتى إن من الأسرار التي قالها الإعلامي الكبير وجدي الحكيم عن "الست" أم كلثوم إنها بقيت تخاف من الجمهور حتى الرمق الأخير، وكانت تشعر بتوتر شديد قبل بداية كل حفل لها رغم نجوميتها وعشق الجمهور العربي لها، ومما ذكره عنها "أنها كانت تشعر بالقلق والخوف وببرودة في أطرافها وتستدفئ بالمنديل" الذي كانت تتمسك به وكان الناس يحسبونه من دواعي الأناقة وبعضهم اعتقد بأنها تضع فيه عطراً تستنشقه من حين إلى آخر . . ويؤكد الحكيم أن أم كلثوم كانت تتجنب المشي على المسرح أمام الناس وهي مرتبكة فكانت تقف أمام فرقتها منذ البداية فتُفتح الستارة عليها وهي واقفة تحيي جمهورها ثم تجلس على الكرسي إلى حين انتهاء المقدمة الموسيقية "تتأمل الوجوه وتألفها" ثم تندمج في الغناء .
فحاول أن تتذكر أياً من هؤلاء النجوم الذين نقول عنهم "عمالقة الزمن الأصيل": محمد عبدالوهاب، محمد فوزي، عبدالحليم حافظ، فريد الأطرش، عبدالسلام النابلسي، عادل أدهم، يوسف وهبي، إسماعيل ياسين، أمينة رزق، هند رستم، لبنى عبدالعزيز . . أسمهان، ليلى مراد، شادية، نجاة الصغيرة، فيروز . . تشعر بأنهم كانوا أبناء عائلات ومن طبقات أرستقراطية رغم أن منهم من جاء من عائلات فقيرة بسيطة، ومنهم المتعلم الجامعي وآخر محدود التعليم، لكنهم جميعاً ظهروا بمظهر لائق "شيك" على الشاشة وأمام الجمهور في حياتهم العادية .
كانوا يدركون قيمة الموهبة ويرون الفن في قمم وبروج عالية، منزلة رفيعة، حالة تسمو إلى فوق فيشعر المرء بأنه يرتفع معها نحو السماء . كان زمن التحدي ومواجهة "الصعب"، الاستمتاع بتخطي الحدود صعوداً نحو القمم . في الغناء والعزف والتأليف والتمثيل والإخراج . . وكانوا يدخلون في حالة من الاستنفار والتفرغ التام لعملهم إلى حين إنجازه وينتظرون بخوف وقلق رد فعل الجمهور ويحرصون على أن يكونوا بكامل لياقتهم وأناقتهم ولباقتهم سواء على المسرح أو الشاشة أو في جلساتهم .
وقتها كان الجميع بمن فيهم الملحن والشاعر والمذيع والصحفي . . يهتم بكل تفاصيل الأناقة في المظهر والحديث وانتقاء الكلمات قبل النطق بها . . فاسمحوا لنا أن نقول إنه كان زمن أصيل بكل ما فيه، ومن فيه، واسمحوا لنا أيضاً أن نشعر بهبوط وانحدار رهيب حين الالتفات إلى الزمن الحالي، لأن المذيع ليس مذيعاً، يمكن أن يكون كل شيء وأي شيء إلا "مذيع إعلامي محترف" وهذه الكلمات تعني أن يكون مثقفاً يتقن مخارج الحروف واللغة العربية والصرف والنحو، وإلقاء الشعر والفرق بينه وبين النثر، ويحترم ضيفه ويجيد فن الحوار . . والمغني في الأغلب ما عدا بعض الاستثناءات، يؤدي كلمات مقبولة (أو غير مقبولة) بصوت مقبول (أو نشاز) ولحن معروف ومسروق أو مقبول، وقد يكون اللحن لأغنية قديمة والجديد أنه تمت إعادة توزيعه بتقنيات حديثة . . الشاعر يرص الكلمات ويعيد نفسه بجمل قصيرة بسيطة .
زمن أم كلثوم وفاتن حمامة وفيروز (أطال الله بعمرها) . . هو زمن الستات "الهوانم" الذي نشتاق إليه ونحتاجه كي نرتقي بأذواقنا جميعاً إلى مستوى الأدب والأخلاق والحوار الراقي والغناء الراقي والتمثيل البديع والأناقة في اللبس والتصرفات والثقافة التي تنتقل بالعدوى من الشاشة والأغنية إلى كل إنسان حتى ولو كان أميّاً جاهلاً . هذا هو الإبهار الحقيقي، وهكذا تتقدم مجتمعاتنا .

مارلين سلوم
[email protected]