أجمع أصحاب السير ورواة الحديث والصحابة الأجلاء على أن النبي صلى الله عليه وسلم، تقلل من الدنيا وأعرض عن زهرتها، وهي التي سيقت له بحذافيرها "وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم، ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله"، وهو يدعو ويقول: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً" (سنن الترمذي 4/579) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعاً من خبزٍ حتى مضى لسبيله" (صحيح البخاري 8/121) .
وفي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، رواه البخاري في صحيحه 8/119): "لقد مات صلى الله عليه وسلم، وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلاّ شطر شعير في رف لي" . (والرف هو شبه الطاق في الحائط) . وتضيف السيدة عائشة: "وقال لي: "إني عرض عليّ أن تجعل لي بطحاء مكة ذهباً . فقلت: لا يا رب، أجوع يوماً وأشبع يوماً . فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع فيه إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه، فأحمدك وأثني عليك . وفي حديث في (نسيم الرياض 2/431)، أن جبريل عليه السلام نزل عليه، فقال له: "إن الله تعالى يقرئك السلام، ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهباً، وتكون معك حيثما كنت" . فأطرق ساعة، ثم قال: "يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له . ومال من لا مال له، قد يجمعها من لا عقل له" . فقال له جبريل: "ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت" (أي الحق) . وحدثت أم المؤمنين السيدة عائشة قالت: "إن كنا آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً إن هو إلاّ التمر والماء" .

دموع السيدة عائشة

وفي حديث لأنس بن مالك رضي الله عنه رواه الإمام البخاري في صحيحه (8/120): "ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق، ولا رأى شاةً سميطاً قط" . وكان عليه الصلاة والسلام، ينام على فراش من أدم حشوه ليف . وفي حديث السيدة حفصة رضي الله عنها رواه الترمذي (4/588) قالت: "كان فراش رسول الله في بيته مسحاً (ثوب للفراش) نثنيه ثنيتين، فينام عليه . فثنيناه له ليلة بأربع، فلما أصبح قال: ما فرشتم لي الليلة؟ فذكرنا ذلك له . فقال: ردوه بحاله، فإن وطأته منعتني اللية صلاتي" .
وحدثت عائشة رضي الله عنها قالت: "لم يمتلئ جوف النبي شبعاً قط، ولم يبث شكوى إلى أحد . وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى، وإن كان ليظل جائعاً يكتوي طول ليلته من الجوع، فلا يمنعه صيام يومه . ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها ولقد كنت أبكي له رحمة مما أرى به . وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع . وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك! فيقول: يا عائشة، ما لي وما للدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل، صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غداً دونهم . وما من شيء أحب إليّ من اللحوق بإخواني وأخلائي . قالت: فما أقام بعد إلاّ شهراً حتى توفي صلى الله عليه وسلم" .

"لو تعلمون ما أعلم"

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف من ربه ويدخل في طاعته وشدّة عبادته على قدر علمه به تعالى . وفي رواية الترمذي في سننه 4/557)، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" . وزاد في رواية مرفوعة إلى أبي ذر رضي الله عنه: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وملك واضع جبهته ساجداً للّه . والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، لوددت أني شجرة تعضد (أي تقطع من أصلها)" .
وفي نسيم الرياض (2/161)، ورواه الشيخان، عن ابن عباس وأم سلمة وأنس رضي الله عنهم، قال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاك ثم توضأ، ثم قام يصلّي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلاّ وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلاّ وقف فتعوذ، ثم ركع، فمكث بقدر قيامه يقول: سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة . ثم سجد وقال مثل ذلك . ثم قرأ آل عمران، ثم سورة يفصل مثل ذلك .
وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها كما في رواية (شرح القاري 1/317): "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة . وعن عبد الله بن الشخير: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل . وقال ابن أبي هالة: كان رسول الله متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة" . وعن علي رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته، فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة" . أي: (مسرتها وفرحتها في الصلاة) .

أ .د . قصي الحسين