تزوج علي من نوف زواجاً تقليدياً، أي إنها كانت من اختيار والدته التي لم يتعود أن يرفض لها طلباً مهما كان، مع أنه كان يحب فتاة تعمل معه في المصرف نفسه، وفي الليلة التي قرر فيها البوح لها بحبه، وبأنه سيخبر والدته عنها، أتت إليه والدته بنفسها تتطرق الباب، قال يا سبحان الله كأنك سمعتني بقلبك، ابتسمت قائلة لماذا يا نظر عيني، أجاب كنت أريد أن أكلمك بموضوع وأنت ما الذي أتى بك إلي في هذا الوقت، قالت عندي لك خبر رائع، قال هاتي واخبريني ما هو، أجابت قمنا اليوم بزيارة تلك الفتاة التي كلمتك عنها سابقاً، أي فتاة، سألها، أجابت تلك الجميلة التي رأيتها في فرح ولد عمتك، اقتربت منها وبدأت أحدثها، فأعجبتني جداً ألا تذكر لقد أخبرتك عنها، قال، هذا الشيء حصل منذ أشهر، ما الذي ذكرك به الآن، قالت أنا لم أنسَ لأتذكر لكنني كنت أبحث عمن يعرفها ويعرف شيئاً عنها وعن عائلتها إلى أن وصلت إلى إحدى جاراتها وعرفت أنها فتاة طيبة لا تزال تكمل دراستها، لكنني واصلت السؤال عنها إلى أن التقيت بإحدى قريباتها وهي كانت صلة الوصل بيننا، فذهبت برفقة جدتك بالأمس وزرناهم، يعني شكرت الله على أن تعبي لم يذهب سدى، فأمها وشقيقاتها رائعات، الصراحة لا توجد كلمة لو، أما نوف، فماذا أقول لك عنها؟ سبحان الخالق . . جمال . . أخلاق . . جسم ممشوق . . وجه كالبدر أدب . . رقة، عذوبة، بالكاد تسمع صوتها فهي تهمس همساً . . ناعمة . . لطيفة مبتسمة . للحقيقة أتمنى أن تكون من نصيبك، وان أردت أن أرضى عليك أكثر مما أنا راضية وافق، لأنني أحلم باليوم الذي ستتزوج به وتنجب لي الأحفاد، فأنا حرمت من العائلة الكبيرة بعد أن توفي والدك رحمه الله ولم أتزوج من بعده لأتفرغ لك، خفت من الارتباط بواحد من الكثيرين الذين تقدموا لي ويعاملك معاملة سيئة، لكنني لست بنادمة فأنت قد ملأت حياتي حباً وسعادة، وبإذن الله سوف تحقق لي حلمي بالعائلة الكبيرة، سرحت وكأنها تتخيل أولاده أمامها، رأى الفرح في عينيها ثم التفتت إليه وقالت ها قل لي ما رأيك، صمت قليلاً قبل أن يقول لها: خير إن شاء الله، سوف أفكر بالموضوع، ربتت على كتفه قائلة كل حياتك عاقل وبار، فكر يا ولدي ولا تدع تلك الفتاة تفلت من يدك، إنها مناسبة جداً لك، وقبل أن تخرج قالت صحيح، بماذا أردت أن تكلمني رد قائلاً لا شيء مهماً، للحقيقة نسيت، أجابته إنك تفكر في نوف صحيح؟ تتخيل شكلها، ابتسم قائلاً تقريباً هكذا إذن سأدعك تفكر في الموضوع ملياً وسأنتظر جوابك قريباً لنزورهم، جلس علي، على مقعد قرب النافذة يفكر بالفتاة التي بدأ يحبها وشكر ربه على أنه لم يكلمها في الموضوع، ماذا يفعل الآن، كان يجب أن يكلم والدته فوراً عنها، كان يجب أن يضرب الحديد حامياً، لكن وبما انه صمت فالأفضل أن يبقى صامتاً خاصة أنه لم يبح لها بمشاعره بعد، هي مجرد نظرات وابتسامات، كلام على الهاتف بأشياء عامة، مع انه كان قد بدأ يحبها ويقتنع بأنها الفتاة المناسبة له إلا أنه قرر التريث، فبين حبه الخفي لها وأمنية والدته، احتار بأمره، ثم توصل إلى قرار وهو أن الأهل يعرفون مصلحتنا أكثر منا، ورأيهم صائب في تلك الأمور، ثم إن الله سبحانه تعالى قد أرسلها في الوقت نفسه الذي كان مقرراً أن يكلمها عن تلك الفتاة، وكأنه يوصل له رسالة، فقرر إعطاء رأي والدته فرصة ويذهب معها لرؤية الفتاة التي أعجبتها .
رفض علي الزواج مجدداً وآثر البقاء وحيداً حتى بعد مرور عامين على طلاقه، فقد أصبح لا يثق بامرأة بعد التجربة المريرة التي عاشها مع التي كانت زوجته وصدمته الكبيرة بها، فقد اكتشف بعد زواجهما أنها إنسانة مستبدة، عنيدة، متشبثة برأيها، لا تحب أحداً إلا نفسها، حتى شقيقاتها كانت تنتقدهن، أصبح الآن يعيش من أجل صغيرته مهرة التي يعشق، كان لا يراها إلا في نهاية الأسبوع، فهو يعمل ويعيش مع والدته وجدّيه في العين، وابنته في دبي مع أمها في منزل أهلها، كان يذوب عندما يسمع صوتها وعندما تقول له بابا تعال، كان يضع نفسه في سيارته وينطلق مهما كان التعب يتملكه فيقطع المسافات ليراها ولو ساعة واحدة قبل أن تنام، وهذا بالطبع كان لا يتم إلا بعد توسلات مع والدتها، التي كانت تحاول منعه من رؤيتها دائماً، ليس حباً بها أو خوفاً عليها، بل لتغيظه فقط، لعله يعيدها إليه، فكانت تقول له، أنت لا تستطيع أن تراها ساعة تريد، فهناك وقت محدد لك، ولو لم أكن طيبة ولو انك ترى العكس، لما سمحت لك بالمجيء كل يوم والثاني كان يصمت على مضض فهو مضطر لأن يتحمل كلامها واهاناتها من أجل مهرة صغيرته الغالية التي كانت صورها على شاشة هاتفه وفي المنزل . . في السيارة ومحفظته، كان يكلمها مئة مرة في اليوم ليطمئن إليها ويسجل صوتها ومكالمتها حتى يعود ويسمعها كل دقيقة، كانت طليقته غالباً ما تعطيها الهاتف عندما ترى رقمه، وترد عليه مرات، لتسمعه بعضا من كلامها المر، فتقول له أنا ما عندي شغل غيرك؟ والله إنك زودتها وايد، فهاتفي دوماً مشغول بسببك وسبب ابنتك، إلى أن قال لها يوماً سأبتاع لها هاتفاً خاصاً بها لترتاحي، صرخت ماذا هل جننت، فهي لم تبلغ الخامسة من عمرها بعد أجابها عادي يبقى معها هكذا اتصل بها ساعة أشاء ودون أن أزعجك، وهكذا كان حديثهما دائماً، فهي تحب أن تقف بوجهه وتكسر كلامه، فإن قال لها يمين تقول له لا يسار، هذا كان سبب طلاقهما وبعد مشاكل كثيرة وكبيرة، بعد صدمة قوية بها وبطبعها، بعد تجريح وتنكيل، بعد أن بانت على حقيقتها فانقطع السلام حتى فيما بينهما، أصبح يكرهها، فهي السبب ببعده عن ابنته، وكانت تعلم مدى تعلقه بها فأصبحت متأكدة بأنها مهما فعلت به لن يتركها بسبب حبه الكبير لمهرة، صحيح أنه حاول أكثر من مرة أن يصلح الأمور بينهما من أجل ابنته، لكنه كان يقابل بعنادها وتمسكها بقراراتها غير المنطقية والمستفزة، كانت هناك أشياء لا يمكن احتمالها أو تخطيها، خاصة الأشياء المتعلقة بابنته، فهي كانت تهملها ولا تهتم بها، كانت تتركها أغلب الأوقات مع الخادمة لم يرها يوماً تجلس معها لتلاعبها وتطعمها، أو تقرأ عليها قصة، كانت والدته وجدته هما من يقومان بتربيتها، ويهتمان بنظافتها وإخراجها للفسحة، فقد الأمل بتغييرها، كان هذا الشيء تكملة لبداية ارتباط فاشلة، عندما اعتقدت والدته بأنها الفتاة المناسبة له، وحيدها البار المحب الهادئ المؤدب الناجح الفالح، لكن صدمتها بها كانت أكبر من صدمته هو، فكرت بحماتها وكيف أنها لم تعجب ب نوف ولا عائلتها من أول زيارة لهم، وتمنت لو أنها أصغت إليها لكن الأخيرة صمتت أمام إصرار كنتها، فقالت لها أنت والدته وتعلمين مصلحته أكثر مني، أجابتها لا تقولي هكذا يا عمتي فأنت أيضاً رأيك مهم، لكنني أحببت تلك الفتاة منذ أن رأيتها، هناك شيء بها يجذبني إليها ولا أدري ما هو، لكن أنت ما الذي لم يعجبك بها، ردت، الحق يقال أنا لم أكرهها لكنني لست مرتاحة مثلك، بل بالعكس تماماً، أشعر بشيء في داخلي يجعلني لا أرتاح لها، أنا لا أفهم إصرارك عليها فمن بين جميع فتيات أقاربنا وأهلنا أعجبت بهذه الفتاة تحديداً لماذ؟ا كل حال الخيرة في ما اختاره الله، وإذا كنت مقتنعة بها فهذا يكفي إذ إن قلب الأم دليلها، وأنا لا يهمني شيء في هذه الدنيا إلا سعادته وسعادتك، الآن تتذكر أم علي كل هذا وتشعر بفداحة خطئها، ومن يدفع الثمن؟ وحيدها الغالي وحفيدتها التي لم تفرح بوجودها معها كما يجب، تمنت لو أنها سمعت كلام والدة زوجها ليتها تأنت أكثر، لكن الفأس طاح بالرأس كما يقولون وانقلب حال ابنها لم تعد تراه مقبلاً على الحياة كما كان، أصبحت تراه مهموماً مقهوراً مشتاقاً لابنته التي يعشقها وهي لا تستطيع المساعدة، أو الكلام عن الصلح، لأنه كان يرفض فكرة الكلام عنها، فهو يكره مجرد ذكر اسمها على لسانه، وهو على حق، فقد رأت ما عاناه معها، وعندما حاولت مرة أن تكلمها، فوجئت هي الأخرى بردها، إذ قالت لها أرجوك عودي إلى غرفتك ولا تتدخلي بيني وبين زوجي، وأقفلت الباب في وجهها، هذا عدا عن سماعها عدة مرات تكلم والدتها عنها وهي تنعتها بأبشع الأوصاف، كانت تحزن جدا إذ إنها كانت تحبها وتعتبرها الابنة التي لم تنجبها بالطبع لم تكن تخبر ولدها بتصرفاتها معها، حتى لا تزيد على حزنه حزناً، وعلى قهره قهراً، بدأت تظهر على حقيقتها بعد أقل من شهر على زواجهما، وكانت مشاكلهما تزيد وتكبر يوماً بعد يوم، حتى انه فكر أن يطلقها منذ بداية الطريق إلا أن حملها أوقف كل شيء، وشعر أنها من الممكن أن تتبدل عندما تصبح أما، لكنه كان مخطئاً، فما كان حملها وولادتها إلا ليزيدا من بشاعة طبعها، كانت أمنية حياته أن يعلم ماذا تريد، وما الذي يرضيها ليفعله لها، لكن هي نفسها لم تكن تعلم، كانت تحب النكد والمشاجرة على اقل الأشياء فقط، زاد اهتمام الجميع بها عندما علموا بأنها حامل، فكانت تستغل هذا الأمر لتتحكم بهم، وتفعل ما تريد، حتى الخدم ملوا منها ومن جبروتها، وطباعها البشعة، كان علي يجلس كل ليلة مع والدته وجديه وهم يحاولون إيجاد حل لمعاناتهم معها، فقال الجد لكنته، يجب أن تجلسي معها وتكلميها بهدوء ومحبة، حاولي أن تعلمي لماذا تتصرف هكذا، إذا كان شيء يضايقها، ما هي طلباتها، يعني شيء من هذا القبيل، فقالت أم علي إن شاء الله يا عمي، معك حق، سأكلمها الآن، صعدت إلى غرفتها وجلست معها قرابة الساعة، ثم عادت إليهم لتقول إنها غريبة الأطوار، فقد قالت لي لماذا تشعرون بأنني متضايقة من شيء أو أريد شيئاً، أبداً فأنا مرتاحة يعني، إذاً لماذا تتصرفين هكذا بعدائية، فأنت يا ابنتي تبعدين الجميع عنك بتصرفاتك كان ردها: أي تصرفات؟ أنا هكذا إن أعجبكم الأمر كان به وإن لم يعجبكم، دعي ابنك يطلقني وكل واحد منا يذهب في حال سبيله أجابتها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من يتكلم عن الطلاق يا ابنتي، فنحن نحبك، وزوجك يفعل المستحيل من أجل إرضائك، قالت دعوني وشأني فقط وأنا سأكون مرتاحة، لا تخنقوني باهتمامكم الزائد، أنا أشعر أنني بسجن معكم، كل قليل يأتي أحد منكم ليسألني إن كنت أريد شيئاً لقد زدتموها معي كفى، صمتت أم علي وقالت، نحن آسفون على اهتمامنا بك وأعدك بأننا لن نضايقك بعد اليوم، صمت الجميع ومن بينهم علي، ثم قال لهم، ألم اقل لكم إنها ليست سوية هذه المرأة، قالت له والدته لا بأس يا ولدي احتملها، فإنها الآن حامل، والهورمونات هي السبب إن شاء الله عندما تلد ستتبدل، لكن لا شيء من هذا حصل، بل بالعكس، فقد ادعت أنها مصابة باكتئاب ما بعد الولادة . . رفضت أن ترضع الصغيرة أو أن تحملها، أخذتها جدتها إلى غرفتها وبقيت عندها حتى بلوغها أربعين يوماً، وكان علي بالطبع معهما ثم تفاقمت الأمور ولم يعد هناك مجال للصلح، عندها طلبت منه هي الطلاق واستجاب فوراً، فكانت صدمة لها لأنها اعتقدت أنه لن يفعل من أجل الصغيرة، لكن الذي حرق قلبه هو بعده عن ابنته التي أخذتها معها حسب حكم المحكمة، مع أنها لا تهتم بها كأنها ليست ابنتها، وهو يموت كل يوم مئة مرة لأنها بعيدة عنه، لكن نوف كانت تنتظر أن يعيدها إلى عصمته عندما لا يعود يستطيع أن يصبر على فراقه ل مهرة، وفي أحلك أيامه لم يجد إلا حصة، الفتاة التي كان يحب، والتي لم تتزوج بعد، واقفة إلى جانبه تحنو عليه وتسمع همومه، ومشاكله، شوقه إلى ابنته وحرمانه منها، احتملت وصبرت عامين، إلى أن أتت والدته تكلمه وتقول له كالعادة وللمرة الألف، سامحني يا ولدي، كان يجب أن تخبرني عمن ارتاح لها قلبك، وانا لم أعطك الخيار بل علقت رضاي عليك بمن اعتقدت أنها الأنسب، خياري لم يكن صائباً، أجابها لا تعتذري يا أمي أرجوك، فأنت هكذا تزيدين من عذابي، ثم من أين لك أن تعلمي ما بداخلها، فقد لعبت دورها بإتقان أمامك، ثم انه حظي ونصيبي، لا تلومي نفسك أبداً، يكفي أنني رزقت بابنة رائعة تنسيني كل معاناتي معها، لكنك ما زلت تعاني بسبب الصغيرة، تتوسل إليها من أجل أن تراها لساعات، قال لا بأس أنا راض ما دمت أراها وتحبني لكن اطلبي من الله أن يأتي نصيبها، عندها استطيع أن أطالب بابنتي وأعيش بسلام، قالت وتكون حصة معك لتساعدنا بتربيتها، ضحك علي وحضن والدته قائلاً، إن شاء الله يا أمي، وعندما علمت نوف بزواجه جن جنونها، ومنعته من رؤية ابنته إلا في الوقت المسموح به، لكن ولفرط غيظه تزوجت من رجل مطلق كان قد طلب يدها، واتصلت تخبره، هنا كانت فرحة علي لا توصف، فقد تركها تتزوج وذهب إلى المحكمة ليطالب بضم ابنته إليه خوفاً عليها من رجل غريب، صحيح أن الأمور تأجلت وتأخرت إلا أنه استردها أخيراً، لتجتمع مع عائلتها مجدداً وتتعرف بشقيقها المولود حديثاً، عادت الفرحة تغمره وتغمر عائلته، شعر بأنه لم يعد يريد شيئاً من هذه الدنيا، وفكر في أنه في المستقبل لن يزوج ابنته أو ابنه إلا لمن يختاران لن يفرض عليهما أحداً، فأحياناً مثلما حصل معه، لا يكون قرار الأهل هو الأفضل.