من أيسر أسباب صلة الرحم، تبادل الزيارات بين الأقارب في المناسبات الشخصية والدينية والاجتماعية، والتعرف إلى أحوال ذوي الأرحام والمشاركة الوجدانية في السراء والضراء وإدخال السرور على الزائر والمزور .
وهذه الفضيلة رغم بساطتها إلا أن البعض أهملها مع الأسف، وأصبح بعض الأبناء لا يسأل عن الأمهات ربما لعدة أشهر، كما أن البعض حولها إلى وسيلة للتكلف والتفاخر، وربما لكشف العورات والتباهي وكثرة القيل والقال أو تجديد الخصومات القديمة في جلسات الغيبة والنميمة!
فكيف نجعل - نحن المسلمين - الزيارات مناسبة لصلة الرحم والإحسان لذوي القربى؟ وكيف نبتعد عن كل رذائل الزيارة التي قد تغرس بذور التنابذ والتقاطع؟
الدكتور محمد المختار المهدي، الأستاذ بجامعة الأزهر، الرئيس العام للجمعية الشرعية، يقرر أن زيارة الأقارب من الفضائل الشرعية التي قد تصل إلى درجة الفريضة .
فالشريعة الإسلامية قائمة على التواد والتحاب بين البشر وبين المسلمين عموماً وبين الأقارب على وجه الخصوص . ولقد خص الإسلام الأقارب بفضائل خاصة يأتي على رأسها تبادل الزيارة والتهادي والسؤال عن أحوال ذوي الأرحام . وإذا كان الخالق يقرر في إجمال: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ويقرر في حق المؤمنين إنما المؤمنون إخوة فما بالنا بالمسلم، وهو أخو الدم والنسب، وصاحب القرابة والرحم، من الآباء والإخوان والأعمام والخالات، وغيرهم من ذوي الأرحام وأقاربهم؟
ومن هنا حث الإسلام على مبدأ الزيارة والتراحم لأنه تجسيد لوحدة المسلمين وحذر من التنابذ والتقاطع على نحو ما قد يحدث مع بعض المسلمين، حيث لا يزور قريبه إلا عند حدوث مصيبة له، ولا يزور أخاه إلا عند زواج أولاده، وقد لا يسأل عن والده بالهاتف إلا في أضيق الحدود!
ثواب عظيم
ويقول الدكتور المهدي: تعددت صور الحث على تبادل الزيارة بين الأقارب وثوابها العظيم في الدنيا والآخرة، ففي الحديث عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما من عبد أتى أخاه يزوره في الله إلا ناداه من السماء أن طبت وطابت لك الجنة، وإلا قال الله في ملكوت عرشه عبدي زارني فيّ وعليّ قراه فلم يرض له بثوب دون الجنة .
وفي حديث مالك، يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وللمتجالسين فيّ، وللمتزاورين فيّ، (من حديث معاذ بن جبل) .
وفي رواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت .
ويلاحظ في هذا الحديث الشريف هذا الربط الواضح بين الإيمان بالله من ناحية وبين خلق إكرام الضيف، وخلق صلة الرحم، وخلق القول الحسن، وهي فضائل أخلاقية وسلوكية تصب في الأساس في تقوية صلات المجتمع وفي إزالة أسباب التقاطع .
ويلفت الدكتور محمد المختار المهدي الأنظار إلى أن معظم الأرحام، خاصة ذوي الرحم القريب مثل الأب والأم والابن والابنة، يعيشون بالغالب داخل البيت المسلم الواحد، ولهذا فالمطلوب هنا ليس التزاور بالمعنى الاجتماعي ولكنه البر والعطف وحسن المعاملة والقيام بواجب الطاعة والإنفاق وتحمل المسؤوليات، وعند وجود الأب أو الأم خارج البيت فإن التزاور هنا يكون فريضة يجب أن تتم بالطريقة التي ينال بها الإنسان رضا أهله .
آداب الزيارة
ويضيف الدكتور المهدي: بالنسبة إلى الرحم البعيدة فإن ما أنبه إليه هنا أن على المسلم أن يراعي كثيراً من آداب الزيارة الشرعية حتى تصبح الزيارة مناسبة للبر والتعاون وليست سبباً لوقوع بعض الخلافات أو الأحقاد النفسية التي تسبب التقاطع .
من أبرز هذه الآداب، أن على الزائر أن يستأذن عند الزيارة، إذ من غير المناسب أن يزور الإنسان قريبه من دون استئذان تحت داعي أنه قريبه، فالزيارة من دون استئذان تفتح باب الحرج وربما التأفف والضيق، فضلاً عن أن الاستئذان مبدأ شرعي لكل أمر .
والثابت أن مبدأ الاستئذان واجب من كل أحد، بل هو دعوة قرآنية حتى من أقرب الناس إليك كما في الأطفال، وفي أوقات محددة .
ففي القرآن: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها . وغير البيوت هنا معنى ينطبق على كل ذوي الأرحام والأقارب، حتى قيل إنه من الأفضل أن يستأذن الرجل بالدخول على زوجته، حفظاً له، وحتى تتهيأ له قدر المستطاع .
وفي آيات سورة النور تحديد لأوقات الاستئذان حتى للطفل وما ملكت اليمين، وهما من أقرب الناس لصاحب البيت . يقول الحق: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم . . (سورة النور الآيتان 58-59) .
والمعنى أن مبدأ الاستئذان مطلوب، ولا يتعلل البعض بالقرابة فيفاجئ من يزورهم بوضع قد لا يحبونه، وقد تيسرت الآن صور الاستئذان عبر الهواتف وغيرها من وسائل الاستئذان التي تجعل فضيلة زيارة ذوي الأرحام مناسبة لتوسيع صور المحبة والتعاطف والبر .
البعد عن التكلف
وامتداداً لهذا المعنى يقول الدكتور محمد متولي منصور - أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر - إن زيارة الأقارب وذوي الأرحام أصل من أصول الشريعة ومقاصدها، وخطوة أولية وبديهية لتأسيس مجتمع إنساني متحاب .
وحتى تكون الزيارة خطوة في هذا الصدد ينبغي أن يبتعد الزائر والمزار عن بعض صنوف التقاطع، من ذلك مثلاً بعض التكلف والتفاخر الذي قد يمارسه الزائر على أهل المزور من ذوي رحمه، وقد حدثني من أثق فيه أنه قاطع زيارة أخيه بسبب المبالغة في لبس الثياب من قبل زوجة أخيه وبنات أخيه، ما يسبب الحرج له أمام زوجته وأمام بناته! وهو تصرف قد يبدو ساذجاً إلا أنه أمر يقع فيه الكثيرون!
ولهذا نحذر من المفاخرة والتباهي في المأكل والملبس والمشرب، بين ذوي الأرحام بشكل خاص وبين الناس جميعاً بشكل عام .
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذا فقال: من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة رواه ابن ماجة .
ولهذا نهى الرسول عن بعض صور التباهي في السلوكيات الاجتماعية، مثل الشرب في آنية الذهب والفضة، ومثل لبس الحرير والديباج والذهب للرجال، ومثل الإسراف في الثياب أو التشدق في الكلام . ومراعاة حالة الأخ المسلم فضيلة واجبة، وهي أكثر وجوباً عند زيارة الأهل ذوي الأرحام .
وقد قال أحد الصحابة: لا تتكلفوا فتتقاطعوا وهذا صحيح لأن التكلف في الهدايا أو في الملابس قد يدفع الإنسان إلى مقاطعة ذوي رحمه ومعارفه، إما خوفاً من الغيرة والحسد والقيل والقال، وإما عجزاً عن رد الزيارة، بمعنى أن من زارني وأهداني ألف جنيه قد لا أستطيع رد هذا المبلغ عند رد الزيارة فأقرر مقاطعته واجتنابه!
إكرام الضيف
من آداب زيارة القرابة أيضاً - كما يضيف الدكتور محمد منصور - إكرام الضيف والبشاشة في وجهه، أو الجود بالموجود كما يقال في المثل العامي .
إذ من غير المقبول أن يبخل الإنسان على ذوي رحمه بما يستطيع، بل عليه أن يكون سخياً مع ضيوفه، وفي الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة .
والواجب عندئذ أن يشكر الضيف مزوره على أي شيء يقدمه إليه، ومن العيوب الاجتماعية القاتلة أنك تجد بعض الناس يستقل ما يقدم له، وربما يعيب عليه هذا المأكل أو هذا المشرب، وهي عادة سيئة يقع فيها بعض النساء على وجه التحديد، ومن تعاليم الإسلام في هذا ما رواه أحمد وأبو يعلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء شراً أن يحقر ما قرب إليه .
وتأكيداً لهذا المعنى حذر الرسول من الشح واعتبره من مسببات قطع الأرحام، ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: . . . وإياكم والشح، فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم، ودعا من كان قبلكم فقطعوا أرحامهم، ودعا من كان قبلكم فاستحلوا حرماتهم (رواه ابن حبان وغيره)
إذن فالزيارة والتهادي من الفضائل الشرعية والاجتماعية التي يجب أن يقوم بها المسلم لأقاربه، ولكن ما نشدد عليه كذلك أن تتم هذه الزيارة في جو أسري حميم بدلاً من الترصد والتزيد والتكلف .
وفي تصوري - يقول الدكتور محمد منصور- أن الالتزام بأخلاقيات الإسلام في الزيارة أولى من الزيارة نفسها.
تطفل مرفوض
ومن الآداب التي أشدد عليها هنا، ألا يضع الزائر نفسه في موضع لا يحب أن يراه فيه صاحب الدار، خاصة والدة الزوج أو والدة الزوجة، حيث تتطفل على بيت ابنها أو ابنتها بحجة الخوف عليه أو عليها، وتقع عندئذ في مخالفات شرعية عديدة، خاصة مخالفة التجسس والتحسس وكشف الأسرار وربما تتبع العورات . . وهي من أرذل السلوكيات التي تؤدي بالفعل إلى تقاطع الأرحام .
وفي إجمال يقول صلى الله عليه وسلم: لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة . رواه مسلم، وفي حديث ابن عباس من كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته . (رواه ابن ماجة وغيره)
وفي الحديث أن رسول الله قال: إذا حدث رجل رجلاً بحديث ثم التفت فهو أمانة .
البشاشة ومداومة الزيارة
ومن خلال التجارب الاجتماعية فإن بعض الزيارات تنقلب إلى سبب للتقاطع بسبب سوء توقيت الزيارة أو بسبب حركة الأطفال الزائدة أو الدخول في حجرات النوم بعشم زائد أو بسبب خروج كلمة من أحد الأرحام قد تجرح مشاعر الآخرين .
والواجب أن يلتزم المسلم بأخلاق الزيارة الشرعية، بأن يستأذن ويلقي السلام ولا يطرق الباب بعنف ولا يدخل إذا أرجعه رب المنزل، ويجلس هو وأولاده حيث يريد صاحب الدار، وأن يصافح ببشاشة من يقابله، وأيضاً أن يجلس بجوار الناس وليس في وسطهم، وحيث انتهى به المجلس، وأن يستأذن قبل انصرافه من الزيارة، وهي آداب وردت في أكثر من موضع في السنة النبوية، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله قال: الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا فارجع . وكان الصحابة يقرعون أبواب الرسول صلى الله عليه وسلم بالأصابع أو بالأظافر، تعبيراً عن الرغبة في عدم الإزعاج، وفي الحديث: من دخل دار قوم فليجلس حيث أمروه، فإن القوم أعلم بعورة دارهم .
فواجب المسلم أن يداوم على زيارة أهله وألا يقطع الاتصال المعنوي والمادي بهم، وأن يكون حريصاً على عدم إثارة أي مظهر من مظاهر الحساسية والخلاف .