استصغره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فرده مع جمع من أقرانه، واستصغره قومه يوم رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عبد الله بن أُبَيّ قدحًا في مقام النبي صلى الله عليه وسلم، كذب رأس النفاق وصدقه الناس، وصدق الغلام وكذبه الناس، فنزل القرآن يصدقه من فوق سبع سموات، وأنزلت سورة المنافقين، وكشف الله كذبهم، ثم وهو شيخ كبير أنكر على عبيد الله بن زياد نَكْتَهُ بالقضيب ثنايا الحسين وهو قتيل بين يديه، وقال له: هنا كان النبي يقبل سبطه.
هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، واختلف في كنيته، فقيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، نشأ في حجر الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة.
نفاق ابن سلول
أشهر وأشرف مواقف زيد بن أرقم ما كان وهو ما يزال غلامًا صغيرًا، فقد شاء قدره أن يسمع ما قاله رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبادر إلى رفع الأمر إلى النبي، غيرة على رسول الله وعلى الإسلام، ولكن المنافق حلف أنه ما قال، وكذب الناس زيدًا، فحزن لذلك واغتم، حتى أنزل الله قرآنا يصدقه.
كان عبد الله بن أبي بن سلول يَحْنَقُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم حنقاً شديدًا، لأن في قلبه مرضاً، ولأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن ابن أبي، فكان يحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلبه ملكه، وحملت نفسه أثقال الحنق على الإسلام والنبي قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به، وبان حنقه وخبثه في حديث الإفك على الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
وما جرى في غزوة بني المصطلق، كان من بعض خبثه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الغزوة مقيمًا على المُرَيْسِيع، (ماء لبني المصطلق) ووردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير يقال له: جَهْجَاه الغفاري، فازدحم هو وسِنَان بن وَبَر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها مُنْتِنَة، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم، وكان غلامًا حدثًا، وقال رأس النفاق: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سَمنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.
فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر، فقال عمر: مُرْ عَباد بن بشر فليقتله، فقال: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أَذنْ بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال: لقد رحت في ساعة منكرة، فقال له: أو ما بلغك ما قال صاحبكم، (يريد ابن أبي)، فقال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يرى أنك استلبته ملكًا.
ثم مشى صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مَس الأرض فوقعوا نيامًا، وقد فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث.
بزوغ الحقيقة
أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر أسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف بالله وقال: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، يقول زيد بن أرقم: فصدقه رسول الله وكذبني.
قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبك والمسلمون، قال: فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد، قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قلت: ما قال شيئًا، إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر، ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر.
ولم يكد الصبح تبزغ شمسه حتى نزلت سورة المنافقين: إِذَا جَاءكَ المنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِن المنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، إلى قوله عز وجل: يَقُولُونَ لَئِن رجَعْنَا إلى المدِينَةِ لَيُخْرِجَن الْأَعَز مِنْهَا الأذل وَلِلهِ الْعِزةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِن المنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن أرقم فقرأها عليه، ثم قال: ان الله قد صدقك يا زيد.
ولنا أن نتصور فرحة غلام حدث كذبه قومه، وقد وقع عليه الهم كما لم يقع على أحد من قبل كما قال، ثم ينزل الله عز وجل من السماء قرآنًا يصدقه، ويتلى إلى يوم يبعثون.
تبرأ عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه من فعلة أبيه، ووقف على باب المدينة، واستل سيفه، فلما جاء أبوه قال له: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذن له فخلى سبيله.
من أصحاب العشرات
وضع ابن حزم الأندلسي زيد بن أرقم في كتاب: أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد في عداد أصحاب العشرات من الأحاديث، وذكر أن له سبعين حديثًا وعده رقم ستة وأربعين فيمن رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكما روى زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان من خواص أصحابه، أما الرواة عن زيد بن أرقم فهم كثير منهم: أنس بن مالك (البخاري)، وإياس بن أبي رملة الشامي (أبوداود والنسائي وابن ماجة)، وثمامة بن عقبة المحلمي (النسائي)، وحبيب بن أبي ثابت (الترمذي)، وحبيب بن يسار الكندي (الترمذي والنسائي)، وأبو عمرو سعد بن إياس الشيباني (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي)، وصبيح مولى أم سلمة (الترمذي وابن ماجة)، ويقال: مولى زيد بن أرقم طاووس بن كيسان (مسلم والنسائي)، وأبو حمزة طلحة بن يزيد مولى الأنصار (البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي)، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي (الترمذي والنسائي)، وعبد الله بن الحارث البصري، ونسيب بن سيرين (مسلم والنسائي)، وعبد الله بن الخليل الحضرمي الكوفي (أبو داود والنسائي)، وعبد خير الهمداني (أبو داود والنسائي وابن ماجة)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة)، وأبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم (البخاري ومسلم والنسائي)، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي (مسلم والترمذي)، وعطاء بن أبي رباح (أبو داود والنسائي)، وعطية العوفي أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي)، والقاسم بن عوف الشيباني (مسلم والنسائي وابن ماجة)، ومحمد بن كعب القرظي (البخاري والترمذي والنسائي)، وميمون أبو عبد الله (الترمذي والنسائي وابن ماجة)، والنضر بن أنس بن مالك (مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة)، ونفيع أبو داود الأعمى (ابن ماجة)، ويزيد بن حيان التيمي (مسلم وأبو داود والنسائي)، وأبو سعيد الأزدي (الترمذي)، وأبو مسلم البجلي (أبو داود والنسائي)، وأبو وقاص (أبو داود والترمذي).
17 غزوة مع الرسول
كان زيد بن أرقم رضي الله عنه من أكثر المجاهدين إقداما على المعارك والغزوات التي فتح بها المسلمون الأرض أمام كلمة الحق، تربى على أن الجهاد في سبيل الله هو إخراج للناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فلم يتخلف عن غزوة منذ قبله الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان قد استصغره يوم أحد، هو وآخرين ممن سعوا إلى الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: زيد بن أرقم وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأُسامة بن زيد والبراء بن عازب وعرابة بن أوس ورجل من بني حارثة، ورافع، فتطاول له رافع، فأذن له، وجابر بن عبد الله وليس بالذي يروى عنه الحديث وسعد بن حبتة، وزيد بن جارية.
وشهد زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل المشاهد والغزوات بعدها، ويروى عنه أنه قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، غزوت معه منها سبع عشرة، وقيل: أول مشاهده الخندق، وقيل المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق سنة ست، وكان أحد أبطال غزوة مؤتة التي دارت على مشارف الروم، خرج إليها مع عبد الله بن رواحة يحمله على حقيبة رحله، يقول: كنت رفيقًا لعبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة، فوالله إنا لنسير ليلة إذ سمعته يتمثل بأبيات يتمنى فيها الشهادة، فلما سمعت هذه الأبيات بكيت، فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل؟
وحقق الله لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه ما تمناه ونال الشهادة، وعاد زيد بن أرقم بدون صاحبه مع الجيش العائد إلى المدينة، وظل على عهده من الجهاد حتى موقعة صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وكان قد انحاز إلى علي رضي الله عنه.
في مواجهة الطاغية
بعد معركة صفين، نزل زيد بن أرقم الكوفة، وابتنى بها دارًا في كندة، واعتزل الأمر كله، وعاش بها يعبد ربه، ويستقبل أصحابه، ويهدي إلى الخير، حتى أتاه أجله سنة ثمانٍ وستين هجرية، وقيل: مات بعد مقتل الحسين رضي الله عنه بقليل، وقد روى ابن كثير في البداية والنهاية بسنده عن حميد بن مسلم أنه دخل على عبيد الله بن زياد والي الكوفة ليزيد بن معاوية، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الثنيتين يقبلهما، يقول الراوي: ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، قال: فنهض فخرج، فلما خرج قال الناس: والله لقد قال زيد بن أرقم كلامًا لو سمعه ابن زياد لقتله، قال: فقلت: ما قال، قالوا: مر بنا وهو يقول: ملك عبدٌ عبيدًا، فاتخذهم تليدًا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبعدًا لمن رضي بالذل.