زيد بن الخطاب . . هو شقيق الخليفة العادل عمر بن الخطاب، وهو وإن كان لا يحمل صفاته وخصائصه وما حباه الله به من سمات قيادية، إلا أنه يشترك معه في العقيدة الراسخة والرغبة الصادقة في الجهاد لنصرة دين الله والتصدي بشجاعة وصبر لكل من تسوّل له نفسه النيل من الإسلام وإهدار حقوق المسلمين .
كان زيد أسبق من شقيقه عمر في الدخول إلى دين الله الحق، وكان أيضاً أسبق منه في الشهادة دفاعاً عن هذا الدين، وقد احتضنه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ البداية، وكان حريصاً على ضمه إلى قافلة الموحدين، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلمس كل سبيل ويتبع كل وسيلة ويمضي في كل طريق يرى أنه يساعد على نشر دعوة الحق وهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور . وكان يتبع أمر الله عز وجل له بأن ينذر عشيرته الأقربين، وأن ينطلق بدعوته إلى أوسع ما تمكنه قدراته وظروفه مدعوماً بنصر الله وتوفيقه .
لم يحظ زيد بالبريق الذي استحقه شقيقه عمر نظراً لمكانة عمر في قومه، حيث كان يخشاه الجميع لقوته وصلابته، وهو ما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يدعو ربه قائلا: اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام، وقد حقق الله لرسول الله دعوته وأسلم عمر وقل أذى المشركين في مكة للمسلمين خوفاً من عمر بن الخطاب .
فتنة الردة
واتت زيد الفرصة التي تمناها طويلاً وتاقت نفسه إليها في معركة اليمامة، التي كانت فيها النهاية الحاسمة والضربة القاصمة لفتنة الردة التي قادها مسيلمة الكذاب مدعي النبوة والمحرض على الردة . مسيلمة هذا الذي جاهر بادعائه الكاذب بالنبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . ولكنه ظل مكبوتاً مقهوراً في أيام النبي الكريم، حتى إذا لحق النبي بالرفيق الأعلى تشجع مسيلمة ومن اتبعه من سفهاء العرب، وتوهموا أن في مقدورهم إطفاء شمعة الإيمان وكسر شوكة الإسلام .
وكان من أشد الناس تأييداً أو مؤازرة بل وتحريضاً لمسيلمة الكذاب رجل يدعى (الرجال بن عنفوة) وآخر يدعى (المحكم بن الطفيل) فكان الثلاثة بمثابة عصابة الكفر والردة والشر . وكان (الرجال) هذا هو الأكثر شراً وخطراً على الإسلام منذ ما قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فهو رجل أسلم بين يدي النبي وتعرف إلى الإسلام ثم ارتد ولحق بمسيلمة الكذاب، وشهد له بالنبوة وقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بما سوف يحدث من (الرجال) . فبينما كان يجلس وسط جمع من أصحابه أطرق لحظات ثم قال للحاضرين: إن فيكم رجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد، وقد ظل كل واحد من هؤلاء الصحابة الكرام يتحسب ويحاذر ويخشى أن يكون هو هذا الرجل الذي تنبأ له رسول الله بسوء العاقبة، غير أن جميع من حضروا هذا المجلس انتهوا بخير ما تنتهي به حياة إنسان وهي الشهادة . فلم يبق منهم سوى رجلين هما أبو هريرة و(الرجال بن عنفوة) . وظل الرعب من سوء العاقبة يناوش قلب أبي هريرة حتى كشفت الأيام عن شخص الرجل التعيس . ولم يكن هذا الرجل سوى (الرجال بن عنفوة) .
ولم يكتف (الرجال) هذا بارتداده عن الإسلام ومغادرته المدينة على الكفر، بل إنه أضاف إلى جريمته هذه جرائم أخرى أفظع فقد انقطع عن المدينة حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أمور المسلمين . فعاد (الرجال) إلى المدينة ونقل إلى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة واقترح على الصديق أن يكون رسوله إليهم يثبتهم على الإسلام . فصدقه أبو بكر وأذن له .
ولكن طبيعة هذا اللئيم ونفسه الخبيثة جعلته يعدل عن ذلك فبعد أن التقى أهل اليمامة ورأى كثرتهم الهائلة ظن أنهم الغالبون فحدثته نفسه الغادرة بأن يحتجز له مكاناً في دولة الكذاب التي ظنها مقبلة وآتية . فترك الإسلام وانضم إلى صفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود . وكان خطر هذا الرجل على الإسلام أشد من خطر مسيلمة ذاته . ذلك أنه استغل إسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وحفظة لآيات كثيرة من القرآن وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين استغلالاً خبيثاً في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوته الكاذبة .
وقد استخدم في ذلك الادعاءات الكاذبة، التي أثرت في ضعاف النفوس وصغار العقول ومهتزي الإيمان فتضاعفت أعداد أتباع مسيلمة أضعافاً كثيرة وازداد خطرهم على الإسلام، ولذلك كان من الحتمي القضاء على هذه الفتنة في مهدها . ولم يكن من سبيل لهذا إلا الحرب والقتال والقضاء على رؤوس مثلث الفتنة: (مسيلمة والمحكم والرجال) .
حامل اللواء
وجمع الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيش المسلمين وجعل قيادته لخالد بن الوليد .
وبدأت المعركة الفاصلة وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالاً ضارياً وقاتل المسلمون قتالاً بطولياً، وكما كان الأمر في أغلب المعارك التي خاضتها جيوش المسلمين كان جيش المسلمين أقل عددا وعدة . ولكنه كان مزودا بسلاح الإيمان وفي بداية المعركة رجحت كفة جيش المرتدين وسقط كثير من شهداء المسلمين، وكان طبيعياً أن ينال هذا من عزيمة بعض المسلمين وأن يفت في عضدهم، وفي هذا الموقف الحرج اعتلى زيد بن الخطاب ربوة وهتف في إخوانه قائلاً: أيها الناس عضوا على أضراسكم . واضربوا في عدوكم . وامضوا قدماً . والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي . فاشتدت عزائم المسلمين وواصلوا القتال ببأس شديد وإصرار على النصر وراح زيد يبحث عن بغيته: (الرجال)، وأبصر به وتوجه إليه، لكن (الرجال) اختفى وسط خضم الرجال المتلاحمين . ورغم اشتعال أوار المعركة فإن زيدا لم يتخل عن هدفه وظل يبحث عن (الرجال) ويتعقبه، حيث ذهب حتى واجهه في نهاية الأمر فأطاح برأسه ثم كبّر .
النصر والشهادة
كان سقوط (الرجال) ومن في مثل حجمه من أنصار مسيلمة الكذاب إيذاناً ببداية انهيار جيش الباطل . فقد سرى خبر مقتل هذا العميل في جيش مسيلمة فأصابه الإحباط وخيبة الأمل والشعور بالهزيمة، وسرى الخبر نفسه في جيش المسلمين فبعث في نفوسهم الأمل وشد من عزيمتهم وازداد إيمانهم باقتراب نصر الله فشدوا على جيش المرتدين، واعتدلت كفة الحرب لمصلحة جيش المسلمين، وحينئذ رفع زيد بن الخطاب يديه إلى السماء شاكراً ومبتهلاً لله عز وجل . وعاد إلى سيفه يواصل ردع جيش الكفر حتى تحقق النصر في النهاية للمسلمين فتحققت لزيد أمنية النصر، وبقيت الأمنية الأعز وهي الشهادة . وبينما كانت المعركة توشك أن تضع أوزارها نال زيد أمنيته بضربة غادرة، وهكذا نال زيد الحسنيين: النصر والشهادة ومن قبل نال أمنية التخلص من عدو من أعداء الله هو (الرجال)، وما أجمل الأمنيات العزيزة حين تتحقق معاً، وما أجمل أن يكون ختامها لقاء وجه الله في ساحة الدفاع عن دينه وإعلاء كلمته .
وهكذا انتهت معركة اليمامة نهاية مظفرة لجيش المسلمين، وعاد الجيش إلى المدينة رافعاً رايات التوحيد خفاقة مشرقة وخرج الخليفة أبو بكر الصديق ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وجمع من الصحابة لاستقبال جيش الإسلام، وظل عمر يترقب لقاء أخيه حتى لقيه أحد المسلمين العائدين فعزاه في أخيه . وتقبل عمر النبأ في صبر عظيم وقال:
رحم الله زيداً سبقني إلى الحسنيين: أسلم قبلي واستشهد قبلي .