كتب الوحي وجمع القرآن، وتولى مسؤولية بيت المال ورئاسة الديوان، عالم ذاك الزمان وكل زمان، وصاحب القلب الرحيم بالطير والحيوان، رده النبي في بدر وأحد، وفي الخندق كان من أبطال الميدان.

أحسن الكتابة باللغة العربية، وساعد على نشر الدعوة الإسلامية.

تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون كريما مع أهل بيته يحسن رعايتهم، ويبتسم في وجوههم، قال ثابت بن عبيد: ما رأيت رجلا أفكه في بيته ولا أوفر في مجلسه من زيد.

يقول عليه الصلاة والسلام: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي، ولا يتعارض سلوك زيد في بيته مع وقاره مع الناس في مجالسه ومحافظته على كرامته وهيبته.

تعلم زيد في مدرسة النبوة أن الرحمة لا تقتصر على بني الإنسان فحسب بل تمتد إلى الطير والحيوان وسائر مخلوقات الله. رأى زيد مجموعة من الأولاد يلهون بطائر صغير أخذه منهم وأرسله ليعيش حرا طليقا كما خلقه الله سبحانه وتعالى.

كان الفتى الأنصاري حريصا على الجهاد في سبيل الله، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر لكنه رده لصغر سنه، وفي أُحد توجه مع مجموعة من الفتيان إليه، ليأذن لهم بالمشاركة وتوسلوا إليه حتى لا يردهم عن الشرف العظيم وكان أكثرهم إلحاحا زيد بن ثابت.

أكد رافع بن خديج 15 سنة وهو يلوح بحربته أنه من أمهر الرماة فأقره النبي.

وقال سمرة بن جندب 15 سنة إنه يصرع رافعا، ولوح بذراعه القوية في الهواء فأذن له، وتبقى ستة من الغلمان الصغار وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمشاركة في الغزوة القادمة وكان من بينهم زيد بن ثابت.

بدأ رحلته مع الجهاد في سبيل الله بغزوة الخندق في سنة (5 ه). ولم تتوقف ملكاته ومهارته عند فنون القتال، لكنه كان شغوفا بتحصيل العلم والمعرفة ومنها كتابة الوحي وجمع القرآن، وتعلم اللغات الأجنبية ورواية الحديث النبوي الشريف، والفتوى والفرائض وغيرها.

حكيم السقيفة

ظهر الخلاف بين المهاجرين والأنصار بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأنصار: رجل منا ورجل منكم، أي أن الخلافة تكون بالتناوب بين الفريقين، لكن زيد بن ثابت وقف في سقيفة بني ساعدة، وأوقف الفتنة وحسم الأمر بعلمه وحكمته.

عن أبي سعيد قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قام خطباء الأنصار فتكلموا وقالوا: رجل منا ورجل منكم، فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره وإنما يكون الإمام من المهاجرين، ونحن أنصاره، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرا معشر الأنصار وثبت قائلكم.

تأثر زيد بن ثابت بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصحبة الطيبة الكريمة، قال خارجة بن زيد: إن نفرا دخلوا على أبي (زيد بن ثابت رضي الله عنه) فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كنت جاره فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ويقول: كل هذا أحدثكم عنه.

جمع القرآن

أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق أن يسارع بجمع القرآن الكريم بعد استشهاد عدد كبير من الحفاظ والكتاب في معركة اليمامة.. فكلف أول الخلفاء زيدا بالمهمة الشاقة، فجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف (العظام) والرقاع (الجلود). واحتفظ بهذه الصحف عند أبي بكر ثم تسلمها الفاروق عمر ثم ذهبت إلى أم المؤمنين حفصة.

وفي خلافة عثمان بن عفان تقدم نفر من الصحابة على رأسهم حذيفة بن اليمان، مطالبين بتوحيد المصحف بعد أن تعددت الفتوحات خشية أن تختلف القراءات، وهنا كلفه الخليفة الثالث بكتابة المصحف الموجود في أيدي سائر المسلمين وتم نسخ مجموعة من المصاحف لتوزيعها على الأقطار ليجتمع المسلمون على مصحف واحد في جميع مناطق العالم الإسلامي.

روى الإمام البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استعر (انتشر) يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى إن استمر القتل بالقراء فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.. قال أبو بكر لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني بنقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من جريد النخل واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري ولم أجدها مع أحد غيره: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم (التوبة: 128). حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

روى البخاري عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله أربعة كلهم من الأنصار: أُبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.

كان زيد ضمن من ينقلون التراب في غزوة الخندق، فغلبه النوم فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا رقاد وهو يمازحه لصغر سنه، وفي هذا اليوم نهى أصحابه عن أن يروع بعضهم بعضا، ولا يأخذ أحدهم شيئا من أخيه دون علمه سواء كان ذلك جداً أو مزاحاً، وتعلم زيد الدرس كما تعلم غيره.

فقيه الفرائض

روى الأئمة أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والحاكم عن خارجة بن زيد أن أباه زيدا أخبره بأنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب بي إلى النبي فأعجب بي فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة.. فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله لا آمنهم على كتابي.

قال زيد: فتعلمت كتابهم فما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته (أتقنته) وكنت أقرأ له كتبهم (رسائلهم) إذا كتبوا إليه وأجيب عنه إذا كتب. وروى أحمد والحاكم عن ثابت بن عبيد، قال زيد: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحسن السريانية؟ فقلت: لا، قال: فتعلمها.. فتعلمتها في سبعة عشر يوما.

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرضكم زيد.

وقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب مع الناس.

وقال الزهري: لو هلك عثمان وزيد لهلك علم الفرائض لقد أتى على الناس زمان ما يعلمها غيرهما.

قال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد وعلى فرض زيد.

وقال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت وكان إمام الناس بعد زيد ابن عمر.

وقال علي بن المديني: لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه وقاموا بقوله في الفقه إلا ثلاثة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس.

روى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت من أصحاب العلم والفقه والفتوى وهم ستة: عمر وعلي وابن مسعود وأبي وأبو موسى الأشعري وزيد بن ثابت.

وروى قبيصة قال: كان زيد رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض.

وقال عنه الذهبي: الإمام الكبير وشيخ المقرئين والفرضيين مفتي المدينة أبو سعيد وأبو خارجة الخزرجي البخاري الأنصاري كاتب الوحي رضي الله عنه.

رسوخ في العلم

زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمر بن عبد عوف بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي (11 ق ه 45 ه) (611 665م) يكنى بأبي خارجة وأبي سعيد وأبي ثابت، ولد بالمدينة، أمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي.

عادت به أمه إلى مكة وهو في السادسة من عمره بعد مقتل أبيه بعام يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات. وبعاث مكان على بعد ليلتين من المدينة دارت فيه الحرب بين الأوس والخزرج.

تربى يتيما وأسلم وهو غلام صغير وهاجر وعمره 11 سنة.

رده النبي صلى الله عليه سلم في بدر وأُحد لصغر سنة وأذن له في الخندق وشارك في فتح خيبر، كتب الوحي في عهد النبي وجمع القرآن في عهد أبي بكر وكتب المصحف في عهد عثمان.

شهد فتح مكة وكان في ركب النبي صلى الله عليه وسلم وسلمه يومها راية بني النجار.

كان حجة في الفرائض وتقسيم المواريث وتولى قسمة الغنائم في معركة اليرموك كما تولى مسؤولية منظم بيت المال ورئاسة الديوان لعلمه وأمانته، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم 92 حديثا.

حفظ 13 سورة من القرآن الكريم في طفولته وكان موضع فخر قومه وقبيلته، وشارك في معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وهي إحدى معارك الردة في عهد أبي بكر الصديق. عاش 56 سنة.. قال فيه شاعر الرسول حسان بن ثابت شعرا:

فمن للقوافي بعد حسان وابنه

ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت

والمثاني هي آيات القرآن الكريم.

كان عمر بن الخطاب يستخلفه في المدينة إذا حج أو سافر.

توفي في خلافة معاوية.

نزل القرآن الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا على مدار 21 عاما وقبل وفاته قرأه مرتبا بسوره وآياته.

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم.

وكان ابن عباس يأتي بيته فيأخذ عنه ويتعلم منه ويقول: العلم يؤتى ولا يأتي. بعد وفاته قال أبو هريرة رضي الله عنه: اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل لنا ابن عباس عنه خلفا.