الطموح والإصرار هما باختصار ما يمكن أن توصف بهما شخصية وحياة سالم محمد بالركاض العامري، عضو المجلس الوطني الاتحادي، وأحد الشخصيات التي لا يرضيها الوقوف عند حد معين بل دائماً يتطلع إلى التقدم نحو الأمام . لازم والده محمد بن ركاض العامري وهو شيخ قبيلة العوامر، فنهل منه قيم الأصالة وشيم الكرام، وبات يرسم لنفسه صورة جميلة حدد ملامحها بحب الناس وخدمة الوطن . ترعرع في منطقة اليحر بمدينة العين، ونشأ في أسرة كبيرة مترابطة تسودها المحبة والعادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة، وخاض تجربة الانتخابات لعضوية المجلس الوطني الاتحادي التي عكست واقع علاقته بأبناء الوطن الذين أيدوا ترشحه واختاروه ممثلاً لهم ينقل همومهم ويلبي احتياجاتهم، فأصبحنا أمام إنسان متفرد مزج بين عبق الماضي بهدوئه وإصراره وبين الحاضر الواعد المتطور الذي لا يعرف حداً للطموح ولا تحبطه أية عقبات تعترض الطريق، ومعه كان الحوار التالي:
هل تحدثنا عن نفسك، فتخبرنا من هو سالم بالركاض العامري؟
- ولدت في 12 مارس/آذار عام 1964 في مدينة العين وبالتحديد في مستشفى (الواحة) حيث لم يكن في ذلك الوقت مستشفى غيرها في المدينة، وعملت في القوات المسلحة وتقاعدت برتبة عميد ركن، وأنا الآن عضو في المجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، ورجل أعمال في مجالي الصحة والتعليم، ومتزوج ولي تسعة من الأبناء ثلاثة مهم ذكور هم حمد ومحمد ومبارك وست إناث .
كيف تتعامل مع أبنائك؟
- نحن أسرة مترابطة كما علمني ورباني والدي، وأحرص دائماً على ألا أكون بعيداً عن أبنائي، فعلى الرغم من انشغالاتي الكثيرة إلا أني لا أسمح بأن يكون هناك شيء يمنعني من التواصل معهم ومتابعتهم وخاصة في الدراسة، وذلك لأن وجود الأب بجانب أبنائه بشكل مستمر أمر مهم جداً، وشعور الأبناء بقرب والدهم منهم ينعكس إيجاباً على حياتهم وشخصياتهم، وهذا بلا شك من أول اهتماماتي .
علوم عسكرية . . وإدارية
كماذا عن رحلتك في التعليم؟
- درست في منطقة اليحر حتى الصف السادس حيث لم تكن هناك إلا مدرسة واحدة هي بوسمر وكانت حتى الصف السادس فقط، ولذا انتقلت إلى مدينة العين لتكملة دراستي الإعدادية والتحقت بمدرسة معاوية الإعدادية، واستمررت في الدراسة حتى الصف الثاني الإعدادي ثم التحقت بمدرسة زايد العسكرية، ففي ذلك الوقت كانت مدرسة زايد العسكرية تقبل الطلاب حتى وإن لم يكملوا دراستهم وذلك لتشجيع الشباب على الاقبال على الدراسة العسكرية، واستمررت في مدرسة زايد حتى تخرجت عام 1981 برتبة ملازم .
بعد تخرجي في مدرسة زايد العسكرية التحقت بالقوات المسلحة ودخلت المدفعية، ولكن رغبتي الكبيرة في إكمال دراستي، دفعتني لإكمال المرحلة الثانوية ثم الجامعية، حيث التحقت بجامعة الإمارات وحصلت على بكالوريوس في العلوم الإدارية تخصص (إدارة عامة) عام ،1992 وجعلني اصراري على تكملة الدراسة الجامعية اتحمل ضغط العمل والدراسة حيث كنت اقضي فترة الصباح في العمل والفترة المسائية في الجامعة .
وسبب اختياري لتخصص (إدارة عامة) أنه على صلة بعملي، كما أن اكتسابي لفنون الإدارة يساعدني على تحقيق طموحي إلى تقلد مناصب في الدولة وبجانب الدراسة أسهمت الدورات التابعة للقوات المسلحة في تنمية شخصيتي وقدراتي، فكنت أحرص عليها حتى بدأت أترقى تدريجياً إلى أن وصلت إلى رتبة عميد، وبعد 30 سنة من الخدمة في الجيش تقاعدت وبدأت أتابع أعمالي الخاصة .
كيف كان المشهد في مدينة اليحر؟
- طفولتي كانت بين أروقة منطقة اليحر التابعة لمدينة العين، حيث منح المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والدي وعمي مزرعة في اليحر فكانا يتابعانها ويراعيانها، ولذلك استقرينا وعشنا وكبرنا فيها، وكانت اليحر مدينة بسيطة جداً مثلها مثل بقية المناطق الإماراتية في ذلك الوقت، تسودها الحياة البسيطة الهادئة ولم يكن فيها إلا 40 بيتاً شعبياً تقريباً وكان من ضمنها 4 بيوت لم يسكنها أحد، ولم يكن بها سوى مدرسة واحدة للمرحلة الابتدائية كما سبق القول، وكنت أذهب إلى المدرسة وأعود منها مشياً على الأقدام وكانت تبعد عن منزلي 700 متر كنت أمشي يومياً 1400 متر، وبدأت المنطقة تتطور بشكل ملحوظ فزاد عدد البيوت وعدد سكان المنطقة وتبعت ذلك زيادة في المرافق الخدمية المتطورة مثل المدارس والمستشفيات .
بيوت وقلوب متقاربة
بماذا اختلف رمضان الأمس عن رمضان اليوم؟
- شهر رمضان من احب الشهور إلى قلبي وقلب كل مسلم، لما يفوح فيه من إيمانيات، ولما يشهده من تراحم الناس وتواصلهم، لكن أجواء الشهر الكريم اختلفت عما كانت عليه أيام السبعينات والثمانينات، فقديماً كانت البيوت شعبية صغيرة ومتقاربة وكان أهل المنطقة الواحدة يتجمعون للإفطار مع بعضهم البعض، فالرجال كانوا يجتمعون إما في أحد البيوت الكبيرة أو في أحد الممرات الموجودة بين البيوت، وأيضاً كانت النساء يتجمعن في أحد البيوت ويفطرن سوياً، ثم يصلون المغرب في جماعة، ويجتمعون حتى أذان العشاء فيتوجه الجميع لأداء صلاة التراويح، ويعودون للتجمع مرة أخرى في أحد البيوت، فكانت العلاقة في ذلك الوقت تسودها المحبة والترابط الشديد، وفي حالة تغيب أحد سكان المنطقة يذهب الجميع للسؤال عنه، ولكن الآن صارت البيوت أكبر فأصبحت متباعدة عن بعضها بعضا، كما أن ظروف الحياة وانشغالات الجميع، قللت تلك الروابط وافقدتنا تلك التجمعات الجميلة، واقتصر التجمع الآن على مائدة الإفطار في شهر رمضان على أفراد الأسرة الواحدة، وافتقدنا روح الترابط الجميل الذي تربينا عليه منذ الصغر .
ما الذي تعلمته من والدك؟
- نحن أسرة كبيرة ومترابطة، تربينا على مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف والعادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة، وبحكم أني أكبر الذكور فقد كنت قريباً من والدي وألازمه في أغلب الأوقات، لما يحتله والدي من مكانة في المجتمع فهو شيخ قبيلة العوامر، ولذلك كان مجلسه مفتوحاً للجميع، وملامسته لمشكلات القبيلة وهمومها جعلته ينبوعاً تعلمت منه منذ الصغر، حيث كان يفصل في النزاعات والمشكلات التي كانت تواجه أفراد القبيلة، كما أن وجهاء القبائل كانوا يأتون إلى مجلسه ويلاقي الاحترام والتقدير من الجميع، هذه الأمور كلها كانت سبباً في صقل شخصيتي وتعلم الكثير منه، حيث تربيت على كيفية استقبال الناس والترحيب بهم وكيفية حل المشكلات التي قد تواجههم وأهمية الدور الاجتماعي في توطيد العلاقات بين الناس، كما أن والدي كان يأخذني معه إلى أبوظبي لحضور مجلس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عندما كان حاكماً لإمارة أبوظبي، خاصة في المناسبات .
مجلس زايد
حدثنا عن مجلس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله .
- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، كان المعلم لنا سواء لمن يحضر مجلسه أو من يستمع إليه، وكان لمجلسه طابع خاص حيث كنا نجلس جميعاً ونحن ننظر إليه على أنه الوالد الحنون والقائد الحكيم، وتشعر بمدى قربه منك ومن همومك ومشكلاتك، فلا يمكن أن يحضر أحد مجالسه إلا ويتعلم منه، وأنا كنت أتأثر من بساطة الشيخ زايد رحمه الله وطريقته في السلام والترحيب بالأطفال، فقد كنت احضر مجلسه منذ أن كان عمري 12 عاماً، وكنا نشعر بحنانه وحرصه المستمر على سؤاله عن دراستنا وإن كنا متفوقين أم لا؟ وكان رحمه الله يحث الكبير والصغير على طلب العلم . وكان رحمه الله يجلس لساعات طويلة قد تصل إلى أربع ساعات وهو يستمع إلى هموم الناس والمشكلات التي يواجهونها ويناقشهم في أمور الدولة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية، واذكر أنه كان يسأل والدي عن مدينة العين وعن أحوال الناس وأوضاعهم، فلم يكن يدع صغيرة أو كبيرة إلا سأل عنها وتابعها .
حدث في الصين
خلال رحلات السفر الكثيرة التي قمت بها سواء للالتحاق بالدورات التابعة للقوات المسلحة أو للقيام بزيارات رسمية مع الوفود الممثلة للدولة، هل تذكر موقفاً تعرضت له ولايزال عالقاً في ذاكرتك؟
- قمت بسفرات إلى دول كثيرة في جميع أنحاء العالم وكان بعضها ضمن دورات القوات المسلحة والبعض الآخر في إطار تبادل الزيارات بين الدول وكنت ضمن الوفود التي تمثل الدولة، وأكثر الدول التي سافرت إليها كانت (الصين) ومعظم زياراتي لها كانت من أجل الدراسة، وقد ذهبت إليها عام 2003 للالتحاق بأعلى دورة تؤخذ في القوات المسلحة وهي دورة الدفاع الوطني، وفي ذلك الوقت ظهر مرض (السارس) وكانت هناك حالة ذعر في الصين فالمرض كان يقتل الناس بشكل يومي وفي بعض المناطق كان الناس يموتون بالعشرات، فعاد عدد كبير ممن كانوا في الصين إلى دولهم وكانت بالفعل أزمة لأن المرض كان ينتشر بشكل سريع، فكان قرار البعثة هو عدم خروجنا خارج الحرم الجامعي حيث كان السكن بداخل الجامعة، فبقينا 3 أشهر داخل مبنى الجامعة من دون الخروج منه وكنا نتبع شروط واحتياطات السلامة وخاصة في اللباس والأكل والشرب، فكانت فترة صعبة جداً على الجميع وكان لها أثر سلبي على نفسيات العديد من زملائنا .
ما الهوايات التي تحب أن تمارسها في وقت فراغك؟
- أحب القراءة وخاصة في مجالي الصحة والتعليم، ولكن تستهويني الزيارات الاجتماعية، فأنا أحب التواصل مع الناس وأن أكون قريباً منهم، وأن اشاركهم افراحهم واحزانهم لأني تربيت ونشأت على ذلك .
بعد التقاعد من القوات المسلحة، ما الذي كنت تقوم به؟
- بعد التقاعد كنت أتابع أعمالي الخاصة في مجالي الطب والتعليم، حيث حرصت على اختيار مجالين يعودان بالنفع على المجتمع، كما أن هذين القطاعين يشهدان تطوراً ملحوظاً في الدولة ومنافسة قوية بين الجهات الحكومية والخاصة مما يرفع من مستوى الخدمات المقدمة .
تجربة جديدة
ما الذي دفعك إلى الترشح لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي؟
- دعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، إلى المشاركة في المجلس الوطني الاتحادي عن طريق الترشح والانتخاب كانت دافعاً قوياً لي إلى المشاركة فهي كانت تجربة جديدة وقوية تعكس حرص القيادة على تطوير أداء جميع المؤسسات في جميع المجالات، وقد استشرت أهلي وأصدقائي وكان تشجيعهم ودفعهم لي نحو الترشح دفعة معنوية قوية خاصة وأنني كنت أملك بعض المقومات التي تساعدني على هذه التجربة بحكم عملي في القوات المسلحة ودراستي الجامعية ومشاركتي مع الوفود داخل وخارج الدولة، فقررت أن أخوض هذه التجربة .
حدثنا عن فترة الانتخابات والمنافسة الانتخابية والحملات الدعائية .
- كانت هذه المرحلة والتجربة جديدة علينا، فكيف نعد حملة دعائية منظمة وقوية؟ وكيف تعرف عن نفسك لأبناء المجتمع الإماراتي لتكسب ثقتهم فيك من أجل أن ينتخبوك؟ كانت كلها أموراً جديدة وتحتاج لدراسة وحسن تدبير حتى تستطيع أن تنجح، فكانت مرحلة من الجد والعمل ليلاً نهاراً والتواصل المستمر مع المواطنين والحديث معهم، وقد وضعت خطة لحملتي الانتخابية، ثم بدأت بالزيارات الاجتماعية والتواصل مع المواطنين والاستماع منهم والحديث معهم وطرح أفكاري وبرنامجي الانتخابي، والتواجد عبر وسائل الإعلام للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة، والحمد لله على أنني كنت أشعر بحرص الناس على متابعني ومناقشتي والتواصل معي .
في أي حال كان سالم بالركاض العامري خلال فترة إعلان النتائج؟
- معرفة النتائح من أصعب المراحل في فترة الانتخابات لأنك تنتظر نتيجة عملك خلال الفترة السابقة كما أنها ستعكس لك الصورة الحقيقية لثقة المجتمع بك، ولا يمكنني أن أنسى لحظة إعلان النتائج، فقد تم الإعلان عن نتائج كل إمارات الدولة ما عدا أبوظبي وكانوا يخبروننا بأنها ستظهر الساعة التاسعة مساء ثم تم تأخيرها إلى الساعة 11 مساء، وكان الانتظار بالفعل صعباً، وكنت في ذلك الوقت في المركز الانتخابي في مدينة العين، فقررت أن أعود إلى مركزي الانتخابي في أحد فنادق العين، وفور دخولي المركز أعلنت النتائج وكنت ضمن المرشحين الفائزين ونلت أعلى الأصوات على مستوى الدولة، ولا يمكن أن أصف ما أحسست به في تلك اللحظة حيث امتزج في نفسي الشعور بالفرح وبالمسؤولية التي القتها على عاتقي ثقة المواطنين الذين اعطوني أصواتهم من أجل أن امثلهم في المجلس الوطني الاتحادي وكانت تلك اللحظة بالفعل من أصعب لحظات حياتي حيث مثلت لي تحدياً كبيراً يتطلب أن أكون على قدر هذه المسؤولية .
من خلال عملك ومتابعتك، كيف ترى المكانة التي وصلت إليها الدولة في جميع الميادين؟
- دولة الإمارات تمتاز بميزة قلما نراها في دول العالم، وهي التطور المستمر والمتسارع، فكثير من الدول تكون جامدة لا تتطور ولا تتحرك نحو الأمام وبعض الدول تتطور ولكن بشكل بطيء جداً، بينما دولتنا ولله الحمد تسير بخطوات ثابتة وسريعة ومدروسة نحو الأمام، وهذا ما يميزنا عن الدول الأخرى ويحسب لقيادتنا الحكيمة، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا التطور في جميع الميادين، وستظل دولة الإمارات ترسم صورة جميلة يراها العالم بانبهار .
ويكفينا فخراً السمعة الطيبة للدولة والتي نشعر بها من خلال زياراتنا للدول العربية الشقيقة ودول العالم الأخرى، فالجميع يرحب بنا ويؤكد على الحكمة التي يتمتع بها حكامنا.