البحار والمحيطات تحمل من الأسرار والإتقان ما يدعو إلى الانبهار بعظمة الخالق المبدع المنظم لهذا الكون الواسع، من أرض وفضاء وبحار ومحيطات، ولا نملك إلا أن نردد (سبحان الله) .

وقد كشف لنا القرآن الكريم جوانب من أسرار البحار والمحيطات قبل أن يتوصل إليها العلم الحديث بقرون طويلة، ما يؤكد إعجاز هذا القرآن العظيم الذي أبهرت الإشارات العلمية والحقائق الكونية التي تناولها كل علماء الأرض والفضاء والبحار والنبات والحيوان والبيئة الذين تعاملوا مع حقائق القرآن بموضوعية وإنصاف .

من بين الحقائق العلمية التي كشفها لنا القرآن الكريم قيعان البحار والمحيطات الظلمات المتتالية، وقد جاء ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى في سورة النور: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور .

يقول الدكتور زغلول النجار رائد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: الآية الكريمة جاءت في مقام التشبيه لأحوال الكافرين، ولكنها على الرغم من ذلك جاءت في صياغة علمية دقيقة غاية الدقة، ومحكمة غاية الأحكام، شأن كل الآيات القرآنية التي تناولت حقائق علمية أو كونية، ونزلت هذه الآية الكريمة في زمن لم يكن لأحد من الناس إلمام بتلك الحقائق العلمية ولا بطرف منها، وظلت أجيال الناس جاهلة بها لقرون طويلة بعد زمن الوحي حتى تم الإلمام بشيء منها في مطلع القرن العشرين .

ويضيف: ومع افتراض أن أحداً من الناس قد أدرك في القديم دور السحب في إحداث شيء من الظلمة على الأرض ودور الأمواج السطحية في إحداث شيء من ذلك على قيعان البحار والمحيطات وهو افتراض مستبعد جداً فإن من أوضح جوانب السبق العلمي في هذه الآية الكريمة هو تلك الإشارة المبهرة إلى الأمواج الداخلية، وهى أمواج لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة ولكن يمكن إدراكها بعدد من القياسات غير المباشرة .

الإنارة الحيوية

ومن جوانب السبق العلمي في هذه الآية أيضا الإشارة إلى الحقيقة المعنوية الكبرى التي تصفها الآية بقول الحق تبارك وتعالى: ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ثم تفاجئنا البحوث العلمية أخيراً بواقع مادي ملموس لتلك الحقيقة، إضافة إلى مضمونها المعنوي الجميل، فقد كان العلماء حتى وقت قريب لا يتصورون إمكانية وجود حياة في أغوار المحيطات العميقة . أولاً بسبب الظلمة التامة فيها، وثانياً بسبب البرودة الشديدة لمائها، وثالثاً بحكم الضغوط الهائلة الواقعة عليها (وزن عمود الماء بسمك يصل إلى أربعة كيلو مترات في المتوسط)، ورابعا: للملوحة المرتفعة أحيانا لذلك الماء، لكن بعد تطوير غواصات خاصة لدراسة تلك الأعماق فوجئ دارسو الأحياء البحرية بوجود بلايين الكائنات الحية التي تنتشر في تلك الظلمة الحالكة، وقد زودها خالقها بوسائل إنارة ذاتية في صميم بنائها الجسدي تعرف باسم (الإنارة الحيوية)، وتنتج هذه الإنارة العجيبة عن طريق تفاعل فريد من نوعه بين جزيء لمركب كيميائي عضوي اسمه ليوسيفيرين وجزيء الأوكسجين، في وجود أنزيم خاص اسمه ليوسيفيريز، ويمثل هذا التفاعل الفريد عملية الأكسدة الوحيدة المعروفة لنا في أجساد الكائنات الحية التي لا يصاحبها إنتاج غير مدرك من الحرارة . . ومن العجيب أن كل نوع من أنواع هذه الأحياء الخاصة التي تحيا في بيئات من الظلمة التامة له أنواع خاصة من المرطبات الكيميائية المنتجة للضوء وله أنزيماته الخاصة أيضاً .

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا كما يقول الدكتور زغلول النجار هو: من غير الله الخالق يمكنه أن يعطي كل نوع من أنواع تلك الأحياء البحرية العميقة هذا النور الذاتي؟

درجات ثلاث

ماذا قال العلم الحديث عن ظلمات البحار التي أشار إليها القرآن الكريم والتي تؤكد عظمة الخالق وقدرته وإبداعه في كونه الفسيح؟ العلم الحديث يؤكد أن ظلمات قيعان البحار والمحيطات ثلاث درجات أو ثلاث ظلمات:

الظلمة الأولى تسببها السحب، حيث تتكون الأشعة الصادرة من الشمس من كل من الموجات الكهرومغناطيسية ابتداء من الأشعة الراديوية إلى الأشعة السينية، إلا أن الغالب عليها هو الضوء المرئي، وكل من الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية، بالإضافة إلى بعض الجسيمات الأولية المتسارعة مثل الإلكترونيات، وأغلب الأشعة فوق البنفسجية يردها إلى الخارج نطاق الأوزون، وعند وصول بقية أشعة الشمس إلى الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض فإن السحب تعكس وتشتت نحو 30% منها وتمتص السحب وما بها بخار الماء وجزيئات الهواء وهباءات الغبار وغيرها من نوى التكثيف الأخرى نحو 19% من تلك الأشعة الشمسية المارة من خلالها، حيث تحجب السحب بالانعكاس والتشتيت والامتصاص نحو 49% من أشعة الشمس، فتحدث قدرا من الظلمة النسبية .

الضوء الأبيض

الأمواج السطحية في البحار والمحيطات تسبب الظلمة الثانية، فعند وصول ما تبقى من أشعة الشمس إلى أسطح البحار والمحيطات فإن نحو 35% من الأشعة تحت الحمراء فيها تستهلك في تبخير الماء وتكوين السحب، وفي عمليات التمثيل الضوئي التي تقوم بها النباتات البحرية .

أما ما يصل إلى سطح البحار والمحيطات مما تبقى من الأشعة المرئية أو الضوء الأبيض فإن الأمواج السطحية للبحار تعكس 5% أخرى منها، فتعكس قدرا آخر من الظلمة النسبية في البحار والمحيطات توهن ضوء الشمس المرئي بمروره في المياه، ذلك أن الجزء المرئي من أشعة الشمس الذي ينفذ إلى كتل الماء في البحار والمحيطات يتعرض لعمليات كثيرة من الانكسار والتحلل إلى الأطياف المختلفة والامتصاص بواسطة كل من جزيئات الماء، وجزيئات الأملاح المذابة فيه وبواسطة المواد الصلبة العالقة به، وبما يحيا فيه من مختلف صور الأحياء، وبما تفرزه تلك الأحياء من مواد عضوية ولذلك يضعف الضوء المار في الماء بالتدريج من العمق .

وقد أثبت العلم الحديث أن معظم موجات الضوء المرئي تمتص على عمق مائة متر تقريبا من مستوى سطح الماء في البحار والمحيطات ويستمر 1% منها إلى عمق 150 مترا وواحد من عشرة في المائة على عمق 200 متر في الماء الصافي الخالص من العوالق .

والظلام الثالث، أو الدرجة الثالثة من ظلام قاع البحار والمحيطات تسببه الأمواج الداخلية، خاصة في البحار العميقة وغير المتجانسة، وتتكون هذه الأمواج الداخلية بين كتل الماء ذات الكثافات المختلفة، وتختلف كثافة الماء في البحار العميقة والمحيطات باختلاف كل من درجة حرارته ونسبة الأملاح المذابة فيه، وتتمايز كتل الماء في تلك المسطحات المائية الكبيرة أفقيا بتمايز مناطقها المناخية ورأسيا بتمايز كثافتها، وتتحرك التيارات المائية أفقيا بين مساحات شاسعة من خطوط العرض فتكسب صفات طبيعية جديدة من درجات الحرارة والملوحة بسبب تغير معدلات التسخين أو التبريد، ومعدلات البخر أو سقوط الأمطار .

وهكذا يسهب علماء البحار في وصف ما يحدث من حركات وتغيرات وتفاعلات فوق قيعان البحار والمحيطات؛ لتؤكد كلها عظمة الخالق وقدرته ولتصب في النهاية في الحقيقة التي حملتها لنا الآية القرآنية الكريمة . وما علنيا إلا أن نقول بكل اقتناع ورضا، سبحان الخالق الحكم المبدع في كل أرجاء كونه .