وقد أخذ العلم بالقيروان من كبار مشايخها فأخذ من ابن وهب مغازيه وقال سحنون: «إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن» وقال ابن القاسم: «إن أسعد أحد - بهذه الكتب - لسحنون». وقال ابن وضاح: «ما رأيت في الفقه مثل سحنون بالمشرق».. وقال ابن حارث: «قدم سحنون بمذهب مالك واجتمع له مع ذلك فضل الدين والعقل والورع والعفاف فبارك الله فيه للمسلمين فمالت إليه الوجوه وأحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ قد انمحى ما قبله فكان أصحابه سرج أهل القيروان وأنبه علمائها وأكثرهم تأليفاً».
صفات نادرة
وقد نقل لنا الذهبي في «سير أعلام النبلاء» وابن فرحون في «الديباج» والقاضي عياض في «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» ثناء كبار علماء عصره عليه، ومما قيل فيه ما قاله أبو العرب: «كان سحنون ثقة حافظاً للعلم اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع والورع الصادق والصرامة في الحق والزهادة في الدنيا والتخشن في الملبس والمطعم والسماحة».
وكان لا يقبل من السلطان شيئاً، وكان مع هذا رقيق القلب غزير الدمعة ظاهر الخشوع متواضعا قليل التصنع كريم الأخلاق حسن الأدب سالم الصدر شديدا على أهل البدع لا يخاف في الله لومة لائم وسلم له الإمامة أهل عصره واجتمعوا على فضله وتقديمه.. قال أبو زيد بن أبي الغمر: «لم يقدم علينا أفقه من سحنون». وقال يونس بن عبدالأعلى: «هو سيد أهل المغرب».
وقال سليمان بن سالم: «دخلت مصر فرأيت بها العلماء متوافرين: عبد الحكم والحارث بن مسكين وأبو الطاهر وأبو إسحاق والبرقي وغيرهم ودخلت المدينة وبها أبو المصعب والفروي ودخلت مكة وبها ثلاثة عشر محدثاً ودخلت غيرها من البلدان ولقيت علماءها ومحدثيها فما رأيت مثل سحنون وابنه بعده».. وقال عيسى بن مسكين: «سحنون زاهد هذه الأمة» وقال أحدهم: «ما رأيت أحدا أهيب من سحنون» وقال الشيرازي: «إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب وعلى قوله المعول بالمغرب وصنف المدونة وعليها يعتمد أهل القيروان وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك وعنه انتشر علم مالك بالمغرب» وقال أبو علي بن البصير: «سحنون فقيه أهل زمانه وشيخ عصره وعالم وقته».
وعن توليه القضاء يقول الذهبي والقاضي عياض وابن فرحون: «ولي سحنون قضاء إفريقية سنة أربع وثمانين ومئتين - وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة فلم يزل قاضيا إلى أن مات ولما ولي القضاء دخل على ابنته خديجة وكانت من خيار النساء فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين فعلم الناس قبوله القضاء».
«لا يحل لك ذلك»
وكان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقاً ولا صلة من السلطان في قضائه كله ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب وقال للأمير: حبست أرزاق أعواني وهم أجراؤك وقد وفوك عملك ولا يحل لك ذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه».
وكان في مجلس القضاء يضرب الخصوم إذا آذى بعضهم بعضا بكلام أو تعرضوا للشهود ويقول: «إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟» ويؤدب الخصم إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح.
وكان إذا دخل عليه الشاهد - وخاف منه - أعرض عنه حتى يستأنس وتذهب روعته فإن طال ذلك به هون عليه وقال له: «ليس معي سوط ولا عصا ولا عليك بأس أدِّ ما علمت ودع ما لم تعلم».
وكان يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز من الطلاق والعتق حتى لا يحلفوا بغير الله عز وجل.. وسئل سحنون: أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري؟ قال: «أما ما فيه كتاب أو سنة ثابتة فلا، وأما ما كان من هذا الرأي، فإنه يسعه ذلك، لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ».
وكان يؤدب على الغش وينفي من الأسواق من يستحق ذلك..وكان الناس يكتبون أسماءهم في رقاع تجعل بين يديه ويدعوهم واحدا واحدا إلا أن يأتي مضطر أو ملهوف..
من أقواله
ولقد كانت لسحنون أقوال وحكم تنم عن زهده وورعه منها ما قاله سحنون لابنه محمد: «يا بني سلم على الناس فإن ذلك يزرع المودة وسلم على عدوك وداره فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس».
وكان يقول: «من لم يعمل بعلمه لم ينفعه العلم بل يضره وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب فإذا عمل به نور قلبه وإن لم يعمل به وأحب الدنيا أعمى حب الدنيا قلبه ولم ينوره العلم»..
وقال: «إذا تردد الرجل على القاضي ثلاث مرات بلا حاجة فلا تجوز شهادته».. والسبب في ذلك كما يذكر ابن فرحون: أن التردد على القاضي من غير حاجة يكسب الرجل مكانة عند الناس ومنزلة يكرمونه ويهادونه لأجلها لما يتوهمون من منزلته عند القاضي بسبب تردده عليه فيصير تردده سبباً لأكل المال بالباطل.
وكان يقول: «والله ما دخلت على السلطان إلا إذا خرجت حاسبت نفسي، فوجدت عليها، وأنتم ترون مخالفتي لهواه، وما ألقاه به من الغلظة، والله ما أخذت ولا لبست لهم ثوبا». وكان يقول: «أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما».. وعن يحيى بن عون، قال: دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض، فقال: ما هذا القلق؟ قال له: الموت والقدوم على الله.. قال له سحنون: ألست مصدقا بالرسل والبعث والحساب، والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا تخرج على الأئمة بالسيف، وإن جاروا؟ قال: إي والله. فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت.
ولما مات سحنون رجت القيروان لموته وحزن الناس وقال سليمان بن سالم: لقد رأيت يوم مات سحنون مشايخ من الأندلس يبكون ويضربون خدودهم كالنساء ويقولون: يا أبا سعيد ليتنا تزودنا منك بنظرة نرجع بها إلى بلدنا.