في طريقك إلى منطقة وادي مي التي تبعد 25 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة الفجيرة، تشعر بأنك في رحلة مثيرة لأن المنطقة تتربع بين الجبال الشاهقة الارتفاع وسفوح الهضاب الخضر التي تفوح بعبق الطبيعة وعبير النباتات التي تحاكي طيبة أهلها . وتمتاز المنطقة بعراقة أرضها وأصالة أهلها . وتشتهر القرية التي تسكنها قبيلة الكنود بسد وادي مي الذي تحتضنه أرض الوادي بين جبالها وبوجود بقايا البيوت القديمة التي عاش فيها أهل الوادي قديماً . وعمل سكان وادي مي بالزراعة بأنواعها وتربية الحيوانات وجمع الحطب والعسل من الجبال وبيعها في أسواق كلباء والشارقة والفجيرة . وعرفت منطقة وادي مي منذ زمن بعيد بأرض الزرع والماء حيث كانت تشتهر بوجود واد غزيز المياه جعل أرضها خضراء وخلابة حتى الوقت الحاضر، ويتميز الوادي بزراعة أشجار النخيل والمانغو بأنواعها المختلفة إضافة إلى أشجار الليمون والسدر والبرتقال وحبوب البر والشعير والغليون .
ويتحدث خميس عبدالله خميس الكندي أبو عبدالله (80 عاماً) عن الوادي قائلاً: سكان المنطقة عددهم محدود وقد لا يتعدون 300 نسمة وجمعيهم ينتسبون إلى قبيلة الكندي وإلى جدهم الأكبر الذي كان يدعى المقداد بن الأسود الكندي .
وأضاف الكندي: معيشتنا في الماضي كانت بسيطة والسكان اعتمدوا على جمع الحطب والعسل والتمور وبيعها في أسواق كلباء والفجيرة والشارقة، كما اعتمدنا على زراعة أشجار النخيل والمانغو الهامبا وزراعة الدخن والحبوب مثل الشعير والبر وكانت المنازل لا تتجاوز 10 بيوت مبنية من الطين والحجارة السود . وكان عدد الأهالي في تلك الفترة لا يتعدى الثلاثين فرداً متعاونين ومترابطين بعضهم مع بعض في كل جوانب الحياة .
وعن سبب تسمية وادي مي بهذا الاسم قال أطلق على الوادي هذا الاسم نسبة إلى امرأة سكنت الوادي وكان اسمها مي وكانت تساعد كل من يحتاج إلى العون من داخل القرية وخارجها، كما كانت تهتم بالرحالة الذين يعبرون الوادي، وتضيفهم وحين توفيت سمى الناس الوادي باسمها تكريماً لها .
ويشير إلى أن المنطقة تميزت منذ القدم ومازالت حتى وقتنا الحاضر عن غيرها من المناطق المجاورة بكثرة المياه فيها سواء الآبار العذبة أو مياه الوادي والسد، ما جعلها من أكثر المناطق المعروفة بزراعة النخيل والحبوب المختلفة خاصة الذرة لذا أصبحت منطقة خضراء بمزارعها وطبيعتها الجبلية الخلابة .
أما سالم خميس الكندي 70 عاماً فيقول: هناك سبب آخر جعل أجدانا يطلقون على هذا الوادي اسم مي وهو كثرة المياه المتوافرة فيه بسب هطول الأمطار على المنطقة في الزمن السابق ومي هي لهجة السكان وتعبر عن كلمة مياه .
ويشير إلى أن بيوت السكان قديماً كانت قليلة ومنها البيوت الشتوية المبنية من الحجارة السود والطين المطعم بالحصى الصغير وأشجار النخيل، ومنها الصيفية وكانت نوعين الأول يسمى بالعرش من سعف وجريد النخيل والثاني عبارة عن خيام من سعف النخيل والحجارة، وكان السكان يمارسون أعمال الزراعة ورعي الأغنام وتربية الأبقار، إضافة إلى جمع العسل البري من الكهوف الجبلية والحطب وبيعه .
ويقول: عاش الأهالي في الماضي ظروفاً صعبة وقاسية إلى أن انتقلنا في عام 1976 إلى حياة رحبة بعد الانتقال إلى العيش في بيوت شعبية بناها لنا المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، ومنذ تلك الفترة انتقل جميع الأهالي من العيش في منازل بدائية إلى العيش في منازل مريحة وحديثة مجهزة بكافة الخدمات، وغلب عليها الطابع المعماري الحديث كما تطورت المنطقة من الجوانب كافة ليس فقط البيوت الحديثة بل تعبدت الطرق، ووصلت الكهرباء والمياه والاتصالات إلى كل بيت .
وأضاف: للأهالي عادات وتقاليد مازالت متوارثة بين الأجيال ومن أهم ما توارثه أبناء الوادي صلة الرحم والتعاون مع بعضهم بعضاً والتزاور الدائم .
محمد راشد خلفان 65 عاماً يقول: إن أبناء وادي مي يعرفون أهمية السعي والعمل لتحصيل قوتهم، سواء بالقيام بأعمال الزراعة أو رعي الأغنام والأبقار، وبجمع الحطب من الجبال أو بجمع عسل النحل البري من الكهوف .
وعن التجارة قديماً يقول: كانت وسيلة يوفر بها السكان قوت يومهم من خلال بيع الحطب والعسل والمحاصيل الزراعية وبخاصة أشجار النخيل وحبوب الذرة والشعير، إضافة إلى بيع الأغنام والماشية ومنتوجاتها مثل السمن البلدي والصوف والحليب وكان يتم بيعها داخل أسواق كلباء القديمة أو الفجيرة والبعض من الأهالي كان يذهب إلى أسواق الشارقة ودبي ورأس الخيمة للحصول على ثمر أكثر أو مقايضته بمنتوجات لسد احتياجات الأسرة بشكل أكبر . وكان يتم عبر رحلات تجارية جماعية طويلة وشاقة إما على الجمال والخيول والحمير أو مشياً على الأقدام وكانت الرحلة التجارية الواحدة تستغرق أياماً وليالي .
عبدالله خميس الكندي تحدث عن الزراعة في منطقة وادي مي قائلاً: انصب اهتمام سكان الوادي قديماً وحاضراً على زراعة أشجار النخيل والمانغو وبعض أصناف الفواكه والحمضيات والخضراوات وحبوب البر والذرة والغليون الذي كان يعتبر من أكثر المحاصيل زراعة، حيث إن التجار البحرينيين كانوا يأتون في كل صيف لشرائه، واعتمدوا في الزراعة بشكل أساسي على الآبار ومياه الوادي ومياه السد .
ويشير الكندي إلى أن الأفلاج المائية كانت أبرز الوسائل القديمة وأكثرها استخداما لري المزارع أما الآن وبمكرمة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وتوجيهات من صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم الفجيرة، تم بناء سدين في المنطقة لما لهذه السدود من أهمية في تخزين مياه الأودية للاستفادة منها مستقبلاً . وأضاف الكندي: نشأنا في وادي مي على حب العمل وتقديسه وضرورة السعي لكسب لقمة العيش، واحترام الغير والصبر على الشدائد، وهي مبادئ حرص الآباء على غرسها في نفوسنا لنشبّ رجالاً قادرين على تحمل المسؤولية ومواجهة ما يعترضنا من صعاب في حياتنا بعزيمة وإصرار .
ويخبرنا علي راشد علي الكندي 78 عاماً: عن وسائل العلاج قديماً التي كانت متبعة بين سكان وادي مي العديد من المناطق المجاورة فيقول: تميزت المنطقة بوفرة النباتات والأعشاب الطبية التي تكثر على سفوح الجبال في موسم هطول الأمطار، ومن أبرز هذه الأعشاب عشبة الجعدة والحرمل والكرمل والشريشي ولحلول والزعتر البري حيث استخدمه الأهالي للتدواي من العديد من الأمراض مثل الصرع والصداع والأمراض الخبيثة، وهناك أيضاً نباتات الصبر والخجل والخيل الذي كان يستخدمه الأهالي لفرك أجزاء جسم الطفل في أول شهور عمره، وكنا أيضاً نستخدم الوسم لعلاج أمراض الورم والأمراض الخبيثة وغيرها .
وعن التعليم في الماضي في منطقة وادي مي يقول: كان التعليم في الماضي يتم في مدينة الفجيرة وكلباء وكان يقوم على المطوع فلم تكن هناك مدارس وقتها وكان أبناء القرية والقرى المجاورة يتجمعون في مكان معين أو في أحد المساجد وكان المطوع يحفظهم القرآن الكريم والأحاديث النبوية ويعلمهم بعض الأمور الفقهية في موضوعات متعددة والأخلاق وتعاليم الإسلام .
عادات وتقاليد
ويؤكد خميس سالم خميس: أن التطور الذي حدث بالمنطقة لم يمنع تمسك سكانه بعاداتهم الأصيلة، إذ لايزالون يحافظون على ما بينهم من صلات . ويقول من العادات التي يمارسها السكان في الأعياد إقامة الولائم والتجمعات على مدار ثلاثة أيام متتالية، وفي اليوم الأول يجتمع الناس في منزل الحاج راشد خلفان الكندي بعد صلاة العيد لتناول الإفطار الجماعي ومن ثم الغداء بعد صلاة الظهر، وفي اليوم الثاني يكون التجمع في بيوت المغفور له عبدالله خلفان الكندي ومن ثم منزل الحاج خميس عبدالله الكندي، والكل في هذه الأيام يتبادل التهاني بالعيد ويطمئن عن الآخر، كما يتميز العيد في الوادي بالعديد من المأكولات الشعبية الإماراتية مثل الثريد والهريس والبلاليط واللقيمات .
وأضاف: من أهم الاحتفالات التي لا تنسى بمنطقة وادي مي الاحتفالات الوطنية .
سعيد علي راشد الكندي يقول: بيوت سكان وادي مي بنيت في منطقة جبلية تمتاز بمناخ معتدل صيفاً وبارد شتاءً، ويعود ذلك إلى طبيعة المنطقة الجبلية العالية التي تتميز بسحر طبيعتها .
وأضاف: يعتمد سكان القرية في تدبير معيشتهم اعتماداً كبيراً على الزراعة والحرف اليدوية والمنتوجات التقليدية التي تعتمد على حليب الأغنام والأبقار كالجبن والسمن، ولاتزال النساء تصنعن المشغولات اليدوية مثل المهقة والحصير والمغطى والخصف وغيرها من مستخدمات سعف النخيل .
ويقول: كوني أحد سكان المنطقة أحس برفاهية العيش فيها مع الأهل والأصدقاء رغم بساطتها، وتشتهر المنطقة بالطبيعة الخلابة وبكثرة انتشار المزارع الخضر، إضافة إلى وجود الوادي وسد وادي مي الذي تتجمع فيه المياه في مواسم هطول الأمطار بشكل كبير . ويؤكد أن المنطقة شهدت تحولات كبيرة بعد قيام الاتحاد في كل مجالات الحياة، كما زاد اهتمام الحكومة بكل ما يخدم المواطن وزاد الاهتمام بالشباب .
المرأة في الماضي
عائشة راشد أم عبدالله من نساء منطقة وادي مي تقول: المرأة في الماضي كانت تقوم بالعديد من الأعمال التي اختفت مثل جلب الماء من الوادي والآبار البعيدة عن البيوت، كما كانت تقوم برعي المواشي وحلب الأبقار والماعز وخياطة الثياب وجمع الحطب من الوادي وإحضار الرطب من المزرعة . وأضافت أم عبدالله: الحياة في الماضي كانت جميلة لأنها اعتمدت على الترابط والتراحم بين الجميع، أما الحياة الآن فقد اختلفت في الكثير من مجالات الحياة، إذ كنا نعيش من دون كهرباء أو مكيفات، وكان الناس لا يتخلفون عن أعمالهم لأي سبب وكنا نسكن في بيوت العريش والخيام وبيوت الطين والحجارة وسعف النخيل، وكانت النساء في الأعياد والأعراس يحتفلن مثل الرجال ويتبادلن التهاني، وكانت هناك امرأة متخصصة بتزيين العروس التي تتزوج بأقل القليل من دون مغالاة في المهور .