سجل التاريخ لديننا قدرته على الانتشار السريع، ودخول الأمم فيه أفواجا، بأدنى دعوة إليه، وإن لم يقم بهذه الدعوة أناس محترفون متخصصون في التبشير به، متفرغون له.

وسر ذلك: أن هذا الدين، بعقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته، تتوافر فيه: موافقة الفطرة، وملاءمة العقل، وتزكية النفس، وسمو الروح، وصحة الجسم، وتماسك الأسرة، وترابط المجتمع، وتحقيق العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإشاعة الخيرات، ومكافحة الشرور بقدر الإمكان.

وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده التي ليس فيها غموض، ولا التواء ولا تناقض.

لم يكن السيف هو الذي أدخل الناس في الإسلام، كما زعم بعض خصوم الإسلام، فإن السيف قد يفتح أرضا للاحتلال، ولكنه لا يفتح قلبا للهداية، والاسلام ذاته ينكر إكراه الناس على الإيمان، ففي القرآن المكي يخاطب الله رسوله فيقول: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس: 99)، وفي القرآن المدني يقول: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (البقرة: 256).

الحق أن سهولة تعاليم الإسلام، وسمو أخلاق المسلمين: هما اللذان مهدا السبيل لدخول الأمم في الإسلام، وليس السيف، كما تقول المتقولون، وأنه لمما يستوقف النظر أن قوة الإسلام الذاتية قد غلبت تنظيمات الدعاة وأثبتت أنها أفعل وأبعد أثرا من المال الذي أنفقه الآخرون على دعاواهم، فانتشر واتسع مداه، ودخلت فيه الأمم بعد الأمم، من تلقاء نفسها بمجرد وصول الدعوة إليها، ولقد كان العرب يفتحون البلد من البلاد، ويعرضون الإسلام على أهله، ثم يدعونهم وشأنهم، حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية في تمهل، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام، وما إلى ذلك مما نجده مسطورا في كتب أعداء الملة.

شهادات غير المسلمين

قال يولوج الراهب القرطبي المبغض للإسلام: فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام يتعرفون عليه، لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به، وضنهم به على غيرهم، فمازالوا يفعلون ذلك ويسألون عن الإسلام ويستفسرون، حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا.

ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئا من ذلك، وكان متأسفا، لأن العرب لم يلجأوا إلى القوة في فرض الإسلام، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس.

وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر، وكانوا من أشد الناس استمساكا بعقيدتهم، حتى لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات، على أيدي عتاة الرومان، فلا تجد لتساؤلك جوابا، لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين (مصر والأندلس) تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس، كما ينساب الماء في أرض الزرع، فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.

وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه.

دين طيار

والخلاصة: أن داعية الإسلام الأكبر هو الإسلام نفسه، فقد تضمنت عقيدته وشريعته من الفضائل ما يجعل الناس يحرصون أشد الحرص على أن يدخلوا فيه، ثم إن الإسلام يعطي الداخل فيه كل شيء ولا ينتقصه شيئا، فإن الإنسان يكسب الصلة المباشرة بالله سبحانه وتعالى، ويجد الطريق إليه فيقف بين يديه خمس مرات في اليوم، ويدعوه دون حجاب، ويكسب الأمل في حياة أسعد وأرغد في هذه الحياة الدنيا، ثم حياة الخلود في دار البقاء، ولا يكلفه ذلك إلا النطق بالشهادتين، واتباع شريعة الإسلام، وكلها خير ومساواة وعدل، في حين يتقاضاه رجال الدين في الأديان الأخرى الإتاوات في كل مناسبة فهو يؤدي مالا إذا تزوج، ويؤدي مالا كلما أنجب ولدا، ويؤدي مالا ليعمد الطفل الوليد، ثم مالا آخر ليثبته في الجماعة المسيحية إذا ضرب في مداخل الشباب، بل يؤدي مالا إذا مات له ميت لكي تصلى عليه صلاة الجنازة، وبالإضافة إلى ذلك يظل عمره كله تابعا لرجل الدين في كل ما يتصل بالله سبحانه، فإذا أراد الصلاة صلى عنه القس، ووقف هو يسمع ولا يملك إلا أن يقول: آمين، ولكن المسلمين وحدهم من دون أهل الأديان هم الذين يقوم كل واحد منهم بصلاته بنفسه، حتى لو كانت صلاة الجماعة، وفي غير الإسلام يصلي القس مع مساعديه نيابة عن الناس.

والحق: أن أصدق وصف يطلق على الإسلام في هذا المقام، أنه دين طيار ينتقل من إنسان إلى إنسان ومن أمة لأمة في سهولة ويسر، كأن له أجنحة قدسية تحمله وتجري به مجرى الريح، وإنك لتنظر إلى خريطة الأرض، وتتأمل مدى انتشار الإسلام، فتتعجب من سعته، ويزداد عجبك عندما تتبين أن ثلث هذه المساحة فحسب هي المساحة التي فتحتها الدول وأدخلت الجيوش فيها الإسلام، أما الباقية فقد دخلها الإسلام، وملأ قلوب أهلها دون جيش منظم، أو سياسة مرسومة لذلك، إنما هو الإسلام نفسه، جعله الله خفيفا على القلوب، قريبا إلى النفوس.