المكي، القرشي، الزهري، الأمير أبوإسحاق، الفارس، الرامي، الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يوم أحد حين انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يدافع عن الرسول، ويحارب المشركين، وكان صلى الله عليه وسلم يناوله السهام وهو يدعو له: اللهم سدد رميته، وأجب دعوته، فكان أول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكان مجاب الدعوة، مشهورا بذلك، ويروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد، فإني سمعته يقول يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي، وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته، وكان يقول: ما جمع رسول الله أبويه لأحد قبلي، وكانت ابنته عائشة بنت سعد تباهي بذلك وتفخر، وتقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله يوم أحد بالأبوين.

ولا عجب فقد كان هذا الصحابي القصير الدحداح، غليظ الأصابع، الشديد، ذو الهامة، هو فارس الإسلام كما كان يصفه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان فارسا يوم بدر، وكان الفارس يوم أحد والرامي عن رسول الله، وكان الفارس الرامي في كل المشاهد، وهو الأسد في براثنه، كما وصفه عبد الرحمن بن عوف، وهو الساهر على حراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الشيخان والترمذي والنسائي من حديث عائشة قالت: لما قدم النبي المدينة أرق، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟، قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟، قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام، وفي رواية قالت عائشة: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه.

هو سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة، وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكان يكنى أبا إسحاق باسم ولده الأكبر، وروى الترمذي من حديث جابر بن عبد الله قال: أقبل سعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقال: هذا خالي فليرني امرؤ خاله ذلك أن أم النبي صلى الله عليه وسلم زهرية وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابنة عم أبي وقاص.

ثلث الإسلام

كان له رضي الله عنه مع الأرقام القياسية نصيب كبير: فهو أول من أراق دما في الإسلام ويقول ابن إسحاق في المغازي: كان أصحاب رسول الله بمكة يستخفون بصلاتهم فبينما سعد في شعب من شعاب مكة في نفر من الصحابة إذ ظهر عليهم المشركون فنافروهم وعابوا عليهم دينهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أريق في الإسلام.

وهو أول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله، فقد بعث رسول الله سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى مكان في أرض الحجاز اسمه رابغ، وهو من جانب الجحفة، فانكفأ المشركون على المسلمين، فحماهم سعد يومئذ بسهامه، فكان أول قتال في الإسلام.

وهو أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، فعندما طعن أبولؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اختار عمر ستة من المسلمين ليتم اختيار خليفة منهم، وأخبر عمر أن الرسول مات وهو عنهم راض، وكان من هؤلاء الستة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقال عمر: لو كنت مختارا للخلافة واحدا، لاخترت سعدا، وقال لمن حوله: إن وليها سعد فذاك، وإن وليها غيره فليستعن بسعد، فكان عثمان بن عفان يستعين به في كل أموره.

وكان رضي الله عنه سابع سبعة في الإسلام، ووقع في صحيح البخاري عنه أنه قال: لقد مكثت سبعة أيام وإني لثالث الإسلام، وروي عنه أنه قال: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت ولقد مكثت سبع ليال ثلث الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو آخر العشرة وفاة، وآخر من مات من المهاجرين رضي الله عنهم.

أسلم رضي الله عنه صغيرا، ويقول: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة، وكان هو وطلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم عذار عام واحد (أي كان سنهم واحدا)، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروي أصحاب التراجم والسير ما كان بينه وبين أمه التي كان بارا بها، فأرادت أن تستغل بره لتثنيه عن دينه، وهي الحادثة التي يرويها سعد بنفسه فيقول: نزلت هذه الآية: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون، قال: كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قلت: يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، فيقال يا قاتل أمه قلت: يا أمه لا تفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما آخر وليلة وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت هذه الآية.

دعوة مستجابة

كان سعد رضي الله عنه مشهورا بين الصحابة، وبين من جاء بعدهم من التابعين والعلماء أنه كان مجاب الدعوة، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، ويروي ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد اللهم استجب لسعد ثلاث مرات، فكان الناس لا يتعرضون له خشية أن تصيبهم دعوته، وكان منهم من أصابته دعوته، فقد ورد في الصحيحين عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فقالوا إنه لا يحسن أن يصلي فقال سعد أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلاتي العشي لا أخرم منها أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرا، حتى أتوا مسجدا لبني عبس فقال رجل يقال له أبو سعدة: أما إذ نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك فإذا سئل كيف أنت؟ يقول: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.

ويروي ابنه إسحاق قال: حدثني أبي أن عبدالله بن جحش قال يوم أحد ألا تأتي ندعو الله تعالى فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال يا رب إذا لقينا العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبدالله ثم قال اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده فأقاتله ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت لي يا عبدالله فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول فيك وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد كانت دعوته خيرا من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط.

وفي سير أعلام النبلاء عن سعيد ابن المسيب أن رجلا كان يقع في علي وطلحة والزبير فجعل سعد ينهاه ويقول لا تقع في إخواني فأبى فقام سعد وصلى ركعتين ودعا فجاء بختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا يقولون هنيئا لك يا أبا إسحاق استجيبت دعوتك، يقول صاحب سير النبلاء: قلت في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم.

باني الكوفة

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص أميره على الجيوش في العراق يسأله عن السبب الذي غير ألوان العرب وغير لحومهم، فكتب إليه سعد رضي الله عنه أن السبب هو تغير الهواء والأرض، فأرسل عمر إليه قائلا: إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان وحذيفة رائدين، فليرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر فخرج سلمان غربي الفرات، وحذيفة شرقيه، حتى التقيا عند الكوفة فأعجبتهما، فكتبا إلى سعد بن أبي وقاص وكان آنذاك قد انتهى من فتح مدائن كسرى ومعظم بلاد فارس فارتحل بجنده من المدائن حتى عسكر بالكوفة، وكان ذلك في المحرم من سنة سبع عشرة للهجرة، فأمر راميا فرمى بسهم ناحية الشرق، وآخر ناحية الغرب، وأمر الناس أن يبنوا بيوتهم من وراء السهمين، وقسم النواحي بين العرب فكان لكل قوم ناحيتهم، وبنى في وسط المدينة المسجد ودار الإمارة.

اعتزل الفتنة

ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة ولزم بيته، وكان يقول حين يسألونه عما يمنعه من القتال: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان فيقول هذا مؤمن وهذا كافر، وفي رواية: حتى تجيئوني بسيف يعرف المؤمن من الكافر، وظل على موقفه ورفض سب أي من الصحابة، ودعا على من لم ينته عن سب صحابة رسول الله وكان يقول لا تسبوا إخواني، وفي صحيح مسلم أن معاوية بن أبي سفيان سأل سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليا، فأتى به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

مروياته ووفاته

روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن خولة بنت حكيم، ووقع له في مسند بقي بن مخلد مائتان وسبعون حديثا فمن ذاك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثا، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثمانية عشر حديثا.

وروى عنه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وممن رووا عنه من الصحابة عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عباس، وجابر بن سمرة، كما روى عنه بنوه: إبراهيم، ومحمد، وعمر، وعامر، ومصعب، وبنته عائشة، ومن كبار التابعين إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبوعثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، وعلقمة بن قيس، والأحنف بن قيس.. وآخرون.

توفي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بالعقيق على عشرة أميال من المدينة المنورة سنة خمس وخمسين للهجرة، وكان لما احتضر دعا بجبة صوف بالية، فقال: كفنوني فيها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر، وإنما خبأتها لهذا اليوم، وحمل رضي الله عنه إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة، وأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن تمر جنازته في المسجد، فأوقف على حُجَرهن فصلين عليه، ويروى أنه لما مات سعد وجيء بسريره فأدخل على أم المؤمنين أم سلمة جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابنه مصعب: كان رأس أبي في حجري وهو يقضي، فدمعت عيناي فنظر إلي فقال: ما يبكيك أي بني؟ فقلت: لمكانك وما أرى بك، قال: فلا تبك علي، فإن الله لا يعذبني أبدا، وإني لمن أهل الجنة، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وذلك لمن خشي ربه.