لما كانت غزوة الخندق خرج الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه حاملا سيفه ورمحه وهو ينشد ويقول: ليث قليل يشهد الهيجا الجمل.. ما اجمل الموت إذا حان الأجل. وفي احدى الجولات تلقت ذراع سعد سهما وبيلا، قذفه به أحد المشركين.. وتفجر الدم من وريده وأسعف سريعا اسعافاً مؤقتاً يرقأ به دمه، وأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، ان يحمل الى المسجد، وأن تنصب له به خيمة حتى يكون على قرب منه دائما أثناء تمريضه.

وحمل المسلمون فتاهم العظيم إلى مكانه في مسجد الرسول.. ورفع سعد بصره إلى السماء وقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها.. فإنه لا قوم أحب إلىّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه.. وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فاجعل ما أصابنى اليوم طريقا للشهادة.. ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة..! ذلك أنه بعد أن يئست قريش من اقتحام المدينة، ودب في صفوف جيشها الهلع، حمل الجميع متاعهم وسلاحهم، وعادوا مخذولين إلى مكة.. ورأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ترك بني قريظة ، يفرضون على المدينة غدرهم كما شاءوا، أمر لم يعد من حقه أن يتسامح تجاهه.. هنالك أمر أصحابه بالسير إلى بني قريظة. وحاصرهم خمسة وعشرين يوما.. ولما رأى هؤلاء ألا نجاة لهم من المسلمين، استسلموا، وتقدموا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، برجاء أجابهم إليه، وهو أن يحكم فيهم سعد بن معاذ.. وكان سعد حليفهم في الجاهلية.

ابتهال نبوي

أرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، من أصحابه من جاؤوا بسعد بن معاذ من مخيمه الذي كان يمرض فيه بالمسجد.. جاء محمولا على دابة، وقد نال منه الإعياء والمرض.. وقال له الرسول: يا سعد احكم في بني قريظة. وراح سعد يستعيد محاولات الغدر التي كان آخرها غزوة الخندق، والتي كادت المدينة تهلك فيها بأهلها.. وقال سعد: إني أرى أن يقتل مقاتلوهم.. وتسبى ذراريهم.. وتقسم أموالهم. وهكذا لم يمت سعد حتى شفى صدره من بني قريظة.

كان جرح سعد يزداد خطرا كل يوم، بل كل ساعة.. وذات يوم ذهب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعيادته، فألفاه يعيش في لحظات الوداع فأخذ عليه الصلاة والسلام رأسه ووضعه في حجره ، وابتهل إلى الله قائلا: اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحا..! وهطلت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم على الروح المودعة بردا وسلاما.. فحاول في جهد ، وفتح عينيه راجيا أن يكون وجه رسول الله آخر ما تبصرانه في الحياة وقال: السلام عليك يا رسول الله.. أما إني لأشهد أنك رسول الله.. وتملى وجه النبي وجه سعد آن ذاك وقال هنيئا لك يا أبا عمرو.

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنت ممن حفروا لسعد قبره.. وكنا كلما حفرنا طبقة من تراب، شممنا ريح المسك.. حتى انتهينا إلى اللحد.. وكان مصاب المسلمين في سعد عظيما.. ولكن عزاءهم كان جليلا، حين سمعوا رسولهم الكريم يقول: لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.

أبوسفيان بن الحارث

أما اللحظات الأخيرة في حياة الصحابي الجليل أبو سفيان بن الحارث فقد شهدت إقبالا كبيرا على العبادة، خصوصا بعد رحيل المصطفى، صلى الله عليه وسلم، فتعلقت روحه بالموت. وذات يوم شاهده الناس في البقيع يحفر لحدا، ويسويه ويهيئه.. فلما أبدوا دهشتهم مما يصنع قال لهم: إني أعد قبري.. وبعد ثلاثة أيام لا غير، كان راقدا في بيته، وأهله من حوله يبكون.. وفتح عينيه عليهم في طمأنينة سابغة وقال لهم: لا تبكوا علىّ، فإني لم أرتكب خطيئة منذ أسلمت..!! وقبل أن يحني رأسه على صدره، لوح به إلى أعلى، ملقيا على الدنيا تحية الوداع.

عمير بن الحمام

العبرة دائما ليست بكثرة الأعمال وإنما بإخلاص العمل لله عز وجل. فقد يعمل الرجل أعمالا عظيمة بغير إخلاص فيجعلها الله هباءً منثوراً، وقد يعمل عملا واحداً صغيراً في عين البشر ولكنه كبيراً عند رب البشر جل وعلا، فيكون الثمن هو الجنة ، كما حدث في قصة بطلنا عمير بن الحمام، رضى الله عنه وأرضاه، فقد فضل الجنة على أي شيء سواها، واختار في اللحظات الأخيرة من حياته أن يكون شهيدا في سبيل نصرة دين الله ونشر الدعوة الإسلامية.

فعن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: انطلق رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه حتى سبقوا المشركين في بدر، فدنا المشركون فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض قال: نعم: قال: بخ بخ . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على قولك بخ بخ؟. قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها.

قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء. ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل رضي الله عنه. وإذا كان عمير بن الحمام اعتبر أن بقاءه في تلك الحياة حتى يأكل بعض التمرات حياه طويلة، فكيف بمن يريد أن يجمع الدنيا بأسرها، من الحلال أو الحرام ، ظنا منه أنه سيخلد فيها؟