كان أسيد بن حضير وهو من سادات المدينة قد أسلم للتو ورغب في أن يأخذ بيدي سعد بن معاذ للإسلام فذهب إليه وزعم أن بني حارثة قد خرجوا على أسعد بن زرارة ليقتلوه لأنهم عرفوا أنه ابن خالته . فنهض سعد واستل حربته وذهب مغضبا ثائراً وتوجه صوب مجلس أسعد ومصعب وكانت مفاجأة أن رآهما يجلسان في هدوء واطمئنان يدعوان الناس فهدأت ثورته وقال لأسعد: يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني . أتغشانا في دارنا بما نكره؟

دعاه أسعد ومصعب للجلوس والاستماع فجلس واستمع ودخلت كلمات مصعب عقله وقلبه معا . ولم يترك المجلس إلا وقد صار جندياً من جنود الإسلام . وداعياً من دعاته، فقد مضى سعد بن معاذ إلى قومه معلناً الإسلام رافعاً راية التوحيد . وفي الوقت ذاته أسلم سعد بن عبادة زعيم الخزرج الذي مضى هو الآخر يبشر بالإسلام، ومضت أيام قليلة فما بقي في المدينة بيت إلا ودخله الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً .

وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد سنوات قليلة وتبعه أصحابه كانت دور بني عبد الأشهل قبيلة سعد مفتحة الأبواب للمهاجرين . وكانت أموالهم كلها تحت تصرفهم في غير من ولا أذى ولا حساب .

مشورة سعد

حينما أسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس في المدينة المنورة على يد سفير رسول الله إلى المدينة مصعب بن عمير، وأسلم بعده سعد بن عباده سيد الخزرج أصبحت قيادة الأنصار في يد سيد الأوس . وبإسلام زعيمي الأوس والخزرج أعز الله دينه وأخرج نبيه الكريم من ضيق شعاب مكة إلى سعة المدينة المنورة، وبينما كان الإسلام مضطهداً في مكة أصبح منتصراً في المدينة بأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخوض أول حرب ضد كفار قريش من دون استشارة الأنصار . فحينما خرج رسول الله من المدينة يريد قافلة أبي سفيان بن حرب المقبلة من الشام في طريقها إلى كفار قريش، وعلم أن كفار قريش خرجوا لكي يحموا القافلة نزل في وادي الذفران واستشار الناس . . فقام أبو بكر فتكلم وأحسن ثم قام عمر فأحسن ثم المقداد بن عمرو . غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعدهم: أشيروا عليّ أيها الناس . وهنا قام سعد بن معاذ سيد الأوس وسيد شباب المدينة . فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ . قال: أجل . فقال سعد: قد آمنا بك وصدقناك . . وشهدنا أن ما جئت به هو الحق . . وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة . فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد . وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبر في الحرب، صُدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عيناك، فسر بنا على بركة الله .

ذلك هو سعد بن معاذ الذي دفعه إيمانه بالله ورسوله لأن يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، وحينما وصل جيش الإسلام إلى بدر رأى سعد بن معاذ ألا يكون رسول الله مع الجيش خلال الحرب حتى لا يصاب بسوء . فقال لرسول الله: ألا نبني لك عريشاً؟ (أي خيمة يستظل بها) ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا . فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا . وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا . فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم . ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير، ثم بنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشه، ودارت المعركة وهزم المشركون وقتل كثيرون من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم .

موقف تاريخي

ويقف سعد بن معاذ موقفا سجله له التاريخ في غزوة الخندق . فقد ألب بعض يهود بني قريظة كفار قريش على المسلمين . ووعدوهم بأنهم إذا جاؤوهم في المدينة فإنهم سيناصرونهم . ثم لكي يحكموا الحصار ضد المسلمين ويجيشوا المشركين لحربهم حرضوا قبيلة غطفان على المسلمين، وهي من أقوى قبائل العرب، واتفقوا معهم على أن ينضموا إلى جيش قريش حينما يأتي لحرب المسلمين في المدينة، أما دور يهود المدينة فهو مناصرة قريش وغطفان إذا هاجموا المسلمين .

وحينما علم النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤامرة أمر بحفر خندق حول المدينة ليمنع اقتحام الكفار لها . وأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة إلى كعب بن أسد زعيم يهود بني قريظة لمعرفة موقف اليهود من الحرب المرتقبة، وكان بين الرسول واليهود عهود ومواثيق ولما التقيا بزعيم اليهود فوجئا بنقضهم للعهود والمواثيق، حيث قالوا لسعد: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد . فعادا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه خبر اليهود . واشتد البلاء بالمسلمين وأرسل رسول الله إلى زعماء غطفان يعرض عليهم على أن ينفضوا أيديهم من الحرب مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة . ورضي الزعماء بذلك وبقي توقيع الاتفاق . فرأى رسول الله أن يستشير سعد بن معاذ وسعد بن عبادة . فقالا له: يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟، قال رسول الله: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم (اشتدوا عليكم) من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم . فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى (أي ضيافة) أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله مالنا بهذا حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم . وعدل رسول الله عن رأيه وأرسل لزعماء قبيلة غطفان أن أصحابه رفضوا مشروع المفاوضة .

وفي إحدى جولات سعد بالخندق أصابه سهم ألقى به أحد المشركين وتفجر الدم من وريد في ذراعه، وأسعفه المسلمون، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل إلى المسجد وأن تنصب له خيمة يداوى فيها، ويكون على مقربة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حكم عادل

وبعد أن انتهت غزوة الخندق بخذلان الكفار ورحيلهم رجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتوجه بجيش المسلمين إلى يهود بني قريظة، وحاصر حصونهم خمسا وعشرين ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب، وقرروا أن يقبلوا حكم رسول الله فيهم . . ورأى رسول الله أن يحكم فيهم سعد بن معاذ . فراح قوم سعد إليه وحملوه على حمار بعد أن هيأوا له وسادة حتى لا يرهقوه في مرضه . وأقبلوا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ اليهود يقولون له: يا أبا عمرو أحسن في مواليك . فلما أكثروا عليه مقولاتهم قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . وقال سعد: إني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الزراري والنساء، فقال رسول الله لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله . وقال اليهود: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ، وما إن تم تطبيق حكم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة حتى استراح سعد، لأن الله سبحانه استجاب لدعوته . وأشرف سعد على الموت بعد أن انفجر جرحه، وزاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه في حجره ودعا الله قائلاً: اللهم إن سعداً قد جاهد في سبيلك، وصدق رسولك، وقضى الذي عليه، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحاً .

وكان مصاب المسلمين في سعد بن معاذ عظيما، ولكن عزاءهم جاء فيما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ .

وكانت وفاة سعد وهو في السابعة والثلاثين من عمره . فهنيئا له جهاده ونصرته للإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم وهنيئاً له الجنة .