لم تكن الساعات واللحظات الأخيرة في حياة التابعي الجليل سعيد بن جبير سهلة يسيرة طبيعية، بل شهدت أحداثاً ووقائع عظيمة انتهت بمقتله، ودار خلالها حوار طويل بينه وبين الحجاج قاتله، وجاءت جميع ردوده مستوحاة من آيات الذكر الحكيم وكيف لا وهو أحد علماء وفقهاء عصره؟
درس سعيد بن جبير العلم عن عبد الله بن عباس حبر الأمة وعن عبد الله بن عمر وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعاً في المدينة المنورة، ونشر العلم فيها وكان من علماء التابعين، فأصبح إماما ومعلما لأهلها وقد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بسبب خروجه مع عبد الرحمن بن الأشعث في ثورته على بني أمية.
يروي الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، عن عمرو بن میمون عن أبیه، قال: لقد «مات سعید بن جبیر، وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه». وقال سالم بن أبي حفصة: لما أتي إلى الحجاج بسعيد بن جبير قال: أنا سعيد بن جبير. قال: أنت شقي بن كسير، لأقتلنك. قال: فإذن أنا كما سمتني أمي. ثم قال: دعوني حتى أصلي ركعتين. قال: وجهوه إلى قبلة النصارى.
قال: «فأينما تولّوا فثم وجه الله»، (سورة البقرة الآية: 115)، وقال: إني أستعیذ منك بما عاذت به مریم. قال: وما عاذت به؟ قال: «قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا»، (سورة مريم الآية: 18).
لا يرى التقية
وقال سلمان التیمي: «كان الشعبي یری التقیة، وكان ابن جبیر لا یری التقية، وكان الحجاج إذا أتي بالرجل - يعني ممن قام عليه - قال له: أكفرت؟ قال: لا. قال: اختر أي قتلة أقتلك. قال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك». وعن داود بن أبي هند قال: «لما أخذ الحجاج سعید بن جبیر قال: ما أراني إلا مقتولاً، وسأخبركم: إني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء» ثم سألنا الله الشهادة، فكلا صاحبي رزقها، وأنا أنتظرها. قال: «فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء». وقال الذهبي: «ولما علم من فضل الشهادة، ثبت للقتل ولم يكترث، ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له، رحمه الله».
وقال ابن كثير: «عن سالم بن أبي حفصة قال: لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له: أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا، إنما أنا سعيد بن جبير. قال: لأقتلنك. قال: أنا إذن كما سمتني أمي سعید. قال: شقیت وشقیت أمك. قال: الأمر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه. فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين».
وفي رواية: أن الحجاج قال له: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. وفي رواية: أنه لما أراد قتله قال: وجهوه إلى قبلة النصارى. فقال: (فأينما تولوا فثم وجه الله). فقال: اجلدوا به الأرض. فقال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)، (سورة طه الآية: 55). ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي.
«ما لي ولسعيد بن جبير»
وقال ابن كثير عن سعيد بن جبير: «قال له الحجاج: ويلك. فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. فقال: اضربوا عنقه. فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة، فأنا خصمك عند الله. فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن، فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج. فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود، فأنتن منه فمات».
وقال ابن كثير: «لم يلبث الحجاج بعده (أي بعد سعيد) إلا أربعين يوماً، وكان إذا نام رآه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله، فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج: ما لي ولسعید بن جبیر، ما لي ولسعید بن جبیر، ما لي ولسعید بن جبیر». وهكذا طبق سعيد بن جبير مقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله».
«ما كفرت منذ آمنت»
ويقول إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي في كتاب «البداية والنهاية»، «لما أوقف سعيد بن جبير قدام الحجاج، قال: يا شقي بن كسير، أما قدمت الكوفة فجعلتك إماما؟ قال: بلى. قال: أما وليتك القضاء. فجعلت أبا بردة، وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟ قال: بلى. قال: أما أعطيتك مئة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث. فغضب الحجاج، وقال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ ثم قال: أكفرت إذ خرجت علي؟ قال: ما كفرت منذ آمنت. فقال: اختر أي قتلة أقتلك. فقال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك. فقال الحجاج: يا حرسي، اضرب عنقه. وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين».
وقيل: إن الحجاج رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل رجل قتلته قتلة، وقتلني بسعيد بن جبير اثنتين وسبعين قتلة. والله أعلم.
درس سعيد بن جبير العلم عن عبد الله بن عباس حبر الأمة وعن عبد الله بن عمر وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعاً في المدينة المنورة، ونشر العلم فيها وكان من علماء التابعين، فأصبح إماما ومعلما لأهلها وقد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بسبب خروجه مع عبد الرحمن بن الأشعث في ثورته على بني أمية.
يروي الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، عن عمرو بن میمون عن أبیه، قال: لقد «مات سعید بن جبیر، وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه». وقال سالم بن أبي حفصة: لما أتي إلى الحجاج بسعيد بن جبير قال: أنا سعيد بن جبير. قال: أنت شقي بن كسير، لأقتلنك. قال: فإذن أنا كما سمتني أمي. ثم قال: دعوني حتى أصلي ركعتين. قال: وجهوه إلى قبلة النصارى.
قال: «فأينما تولّوا فثم وجه الله»، (سورة البقرة الآية: 115)، وقال: إني أستعیذ منك بما عاذت به مریم. قال: وما عاذت به؟ قال: «قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا»، (سورة مريم الآية: 18).
لا يرى التقية
وقال سلمان التیمي: «كان الشعبي یری التقیة، وكان ابن جبیر لا یری التقية، وكان الحجاج إذا أتي بالرجل - يعني ممن قام عليه - قال له: أكفرت؟ قال: لا. قال: اختر أي قتلة أقتلك. قال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك». وعن داود بن أبي هند قال: «لما أخذ الحجاج سعید بن جبیر قال: ما أراني إلا مقتولاً، وسأخبركم: إني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء» ثم سألنا الله الشهادة، فكلا صاحبي رزقها، وأنا أنتظرها. قال: «فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء». وقال الذهبي: «ولما علم من فضل الشهادة، ثبت للقتل ولم يكترث، ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له، رحمه الله».
وقال ابن كثير: «عن سالم بن أبي حفصة قال: لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له: أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا، إنما أنا سعيد بن جبير. قال: لأقتلنك. قال: أنا إذن كما سمتني أمي سعید. قال: شقیت وشقیت أمك. قال: الأمر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه. فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين».
وفي رواية: أن الحجاج قال له: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. وفي رواية: أنه لما أراد قتله قال: وجهوه إلى قبلة النصارى. فقال: (فأينما تولوا فثم وجه الله). فقال: اجلدوا به الأرض. فقال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)، (سورة طه الآية: 55). ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي.
«ما لي ولسعيد بن جبير»
وقال ابن كثير عن سعيد بن جبير: «قال له الحجاج: ويلك. فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. فقال: اضربوا عنقه. فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة، فأنا خصمك عند الله. فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن، فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج. فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود، فأنتن منه فمات».
وقال ابن كثير: «لم يلبث الحجاج بعده (أي بعد سعيد) إلا أربعين يوماً، وكان إذا نام رآه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله، فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج: ما لي ولسعید بن جبیر، ما لي ولسعید بن جبیر، ما لي ولسعید بن جبیر». وهكذا طبق سعيد بن جبير مقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله».
«ما كفرت منذ آمنت»
ويقول إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي في كتاب «البداية والنهاية»، «لما أوقف سعيد بن جبير قدام الحجاج، قال: يا شقي بن كسير، أما قدمت الكوفة فجعلتك إماما؟ قال: بلى. قال: أما وليتك القضاء. فجعلت أبا بردة، وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟ قال: بلى. قال: أما أعطيتك مئة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث. فغضب الحجاج، وقال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ ثم قال: أكفرت إذ خرجت علي؟ قال: ما كفرت منذ آمنت. فقال: اختر أي قتلة أقتلك. فقال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك. فقال الحجاج: يا حرسي، اضرب عنقه. وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين».
وقيل: إن الحجاج رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل رجل قتلته قتلة، وقتلني بسعيد بن جبير اثنتين وسبعين قتلة. والله أعلم.