ثمة اعتقاد عند هنود سيري الذين يعيشون في كاليفورنيا أن السلاحف البحرية جلدية الظهر أو (سلاحف العود) أثرت في الفن الشعبي لبعض الحضارات . حيث يعتقد هؤلاء أن العالم بدأ يكبر على ظهر سلحفاة عملاقة جلدية الظهر أو كما يسمونها (سلحفاة العود) .
ثمة عرف عند هؤلاء الهنود يتمثل في تزيينهم للهياكل العظمية للسلاحف الجلدية الظهر النافقة، وفي الأساطير الرومانية، يقال إن الإله عطارد إله التجارة والسفر استخدم جلد سلاحف العود في البحر الأبيض المتوسط كي تكون أداة رنين لقيثارته الأسطورية، وبذلك وجدت الآلة الموسيقية العود . وكانت عند الرومان أيضا قيثارة خاصة تسمى درع (السلحفاة) . وثمة قصة شبيهة في الثقافة الهندية ومنها يوجد العود الهندي .
والسلاحف البحرية نحو سبعة أنواع، لدى ستة منها أصداف عظمية مغطاة بدروع . ويُصنف أغلبية علماء الأنواع الستة ضمن فصيلة واحدة، بينما يشكل النوع السابع من السلاحف البحرية، المعروف بالسلحفاة البحرية جلدية الظهر فصيلة أخرى . وتوجد هذه السلحفاة في جميع محيطات العالم، كما شوهدت في المناطق الواقعة عند خطوط عرض أعلى من 60 درجة شمالاً أي في الدائرة القطبية الشمالية . والسلاحف جلدية الظهر يمكن أن تعيش أكثر من 50 عاماً . وتعتبر أكبر السلاحف المائية حجماً حيث يصل طولها إلى نحو مترين ونصف المتر، وتزن زهاء 680 كجم . وهي سلحفاة فريدة من نوعها في نواح كثيرة: فصدفتها ذات عظام أقل بكثير من أصداف الأنواع الستة الأخرى وهي مغطاة بجلد وليس بدرع، ولها زعانف أو مجاذيف أي لا توجد لديها مخالب، والزعانف الأمامية طويلة جداً ومرتفعة مقارنة مع السلاحف البحرية الأخرى، كما أن العنق واسع ويربط الرأس بالكتفين . أما الذيل فمخروطي الشكل، وهو يعزز القاعدة السميكة . وتتميز بلونها الأزرق الغامق جداً المزركش ببقع بيضاء .
تحمل البرد والضغط
تسبح هذه السلحفاة بالضرب بزعانفها، تماماً كما يضرب الطائر بجناحيه الهواء للطيران، بينما تسبح السلاحف المائية الأخرى بواسطة حركة مجدافية أمامية خلفية . ولا تستطيع هذه السلحفاة الاختباء داخل صدفتها، ولذلك تعتمد على كبر حجمها وسرعتها في السباحة، للدفاع عن نفسها . . وغالباً تغامر بالدخول في البحار الباردة، ونظراً لأن معدل الأيض عندها أعلى بثلاث مرات من الزواحف الأخرى التي لها الحجم نفسه فإن جسدها يعزل الدهون، وبذلك يمكنها تحمل المياه الباردة، حيث تصل درجة حرارة جسمها إلى 18 درجة مئوية في هذه المياه، أما الزعانف فتساعدها في الحفاظ على الحرارة، كما أنها تعمل كمبادلات حرارية مع التيارات الدافئة لتمكنها من مقاومة الضغط، وهذا يسمح لها بالغوص إلى الأعماق . وقد وجد العلماء أنها غطاسة ممتازة، وتستطيع الوصول إلى عمق 1300 متر بغطسة واحدة! ويرجع ذلك جزئياً إلى استخراج الأوكسجين من المياه باستخدام الحليمات الطويلة التي تقع في حلقها والانتعاش من خلال الأوكسجين المذاب في بعض أنسجتها . وأنماط الحياة لدى هذه السلاحف لا يفهمها العلماء، وذلك بسبب صعوبات في مراقبتها وهي في عرض البحر في الأعماق . فعلى سبيل المثال، لم تزل حياة هذه السلحفاة والوقت الذي تستغرقه للوصول إلى مرحلة النضج الجنسي غير معروفين في الوقت الحاضر، ولكن يعتقد أن سن البلوغ تكون في السنة العشرين من عمرها . وهي تعيش بين اليابسة والبحر، ولكنها لا تستطيع البقاء تحت الماء لأكثر من خمس ساعات حيث تعود بعدها إلى السطح لتستنشق الهواء الذي يزودها بالأكسجين .
خطط وضع البيض
ومثل معظم السلاحف تضع هذه السلحفاة خططاً للتعشيش ووضع البيض مرة واحدة فبعد التزاوج تبدأ الإناث في الرحيل فلا تغادر الماء عادة إلا لوضع البيض، كما لا يعود معظم الذكور إلى اليابسة إطلاقاً بعد دخولها البحر وهي صغيرة . وغالباً ما تهاجر الإناث آلاف الكيلو مترات حتى تصل إلى شواطئ تناسلها حيث تسحب نفسها على الشواطئ الرملية في ظلام الليل ثم تحفر العش الذي ستضع فيه بيضها بأطرافها الخلفية، فتدفنه ومن ثم تعود إلى البحر . وخلال وجودها على اليابسة تكون عاجزة تماماً عن الدفاع عن نفسها . وتضع الأنثى عادة نحو خمس أو ست حفنات من البيض، وتحتوي الحفنة الواحدة على أكثر من مئة بيضة، وتهتم الأم بتغطية البيض بالرمال، ولا تحاول الاهتمام بها بعد ذلك، وغالباً ما يفقس البيض في ظلام الليل بعد نحو ستين يوماً من وضعه، حيث يتعاون الصغار في حفر الرمال والخروج إلى سطح الأرض، ثم التوجه مباشرة إلى الماء . وتقول الدراسات إن جنس الجنين في البيضة يتوقف على درجة الحرارة في عش البيض، فكلما ازداد الدفء في العش كلما قل عدد الذكور من الأجنة وزاد عدد الإناث .ومن هذه الأعداد الهائلة من البيض لا يكتب البقاء إلا لأفراد قليلة من الصغار التي تستطيع الإفلات من النسور والطيور التي تتربص بها قبل نزولها إلى الشاطئ، وكذلك من براثن الوحوش المائية، ويعدُّ سرطان البحر أكبر عدو لصغار السلاحف البحرية فهو يتربص بها ويلتهمها واحدةً بعد الآخرى .
حاسة شم قوية
وخلال رحلاتها البحرية في المحيطات تتغذى هذه السلحفاة على قناديل البحر وتتحرك مع الحقل المغناطيسي للأرض . وتترك كل عام مياه المنطقة الاستوائية لتنتقل إلى المياه القطبية . وهي تعيش خلال الشتاء فترة خمول طويلة (البيات الشتوي)، حيث تدفن نفسها تحت الطين أو الرمال . وتستعين في الوصول إلى هدفها بحاسة الشم القوية التي تتفوق بها حتى على الكلاب وهي تعوضها عن قصر مدى الرؤية خارج الماء . ولهذه السلحفاة غدة خاصة تفرز الدموع في كل من العينين بمجرد خروجها من الماء لحماية العين من الجفاف كما أن إفراز الدموع يخلصها من الأملاح الزائدة في الجسم، نتيجة لابتلاع الماء أثناء السباحة . والسلحفاة جلدية الظهر من آكلات اللحوم وغذاؤها المفضل هو الأسماك الهلامية وقناديل البحر والقشريات الصغيرة . ويمكن أن تستهلك كمية كبيرة يومياً من قنديل البحر تساوي وزنها، أي ما يصل إلى 50 فرداً من القناديل . ويقول العلماء إن السلحفاة الجلدية لها دور حاسم في التوازن الايكولوجي بسبب قوتها وأكلها لقناديل البحر، الأمر الذي يقلل من عدد هذه القناديل وزيادة كميات الأسماك، وهذا له تأثير إيجابي في البيئة . ومن ناحية أخرى وجد العلماء أن هذه السلاحف ليس لها أسنان، وتساءلوا كيف يمكنها أن تأكل قناديل البحر؟ لكنهم وجدوا أن فكها يتميز بطبقة قرنية سميكة بالغة الحدة تساعدها على تمزيق الفريسة، كما أن فكها مدعم بأشواك تتجة إلى الخلف تمكنها من القبض على الفريسة ومنعها من الفرار .