مع مرور الأيام يزداد قرآننا الكريم تألقا وبهاء، فإعجازاته العلمية نورها يستهوي الأفئدة قبل الأبصار، وكلما قطع الإنسان في مضمار التقدم العلمي شوطا وتكشف أمامه المزيد من الحقائق العلمية وجد أن القرآن قد سبقه بالإشارة إليها قبل أربعة عشر قرنا أو تزيد.
ولنا في هذا المقال وقفة مع آيات كريمات تناولت أهم ظاهرة حياتية في هذا الكون حيث تحدثت عن سلسلة الطاقة.. وفصلت وبشكل واضح مكونات هذه السلسلة وطبيعة العلاقة بين أفرادها.. (فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونا ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، متاعا لكم ولأنعامكم). والأمر بالنظر إلى الطعام وقفة تأمل ودراسة وما سيتبعه بالضرورة من استقطاب الأنظار إلى ظواهر حيوية مهمة تحدثت عنها الآيات اللاحقة إنما يمثل دعوة موجهة للبشرية جمعاء للدراسة والبحث العلمي عن الحقيقة وفق منهج رصين.
والملفت أن طعام الإنسان يتضمن مفردات كثيرة: أغذية مصدرها حيواني وأخرى ذات مصدر نباتي وغيرها، لكن الآيات الكريمة هذه لم تتكلم إلا عن النبات والأغذية النباتية الرئيسية للإنسان وأما (لأنعامكم) فقد ذكرت على أنها مستهلكة لبعض الأغذية النباتية مما ذكرتها الآيات التي سبقتها كما سنفصل لاحقا ولم يكن القصد من ذكرها هنا على أنها غذاء للإنسان ومن هنا كانت نقطة انطلاق علمية نحو هدف محدد.
صب الماء
لقد بدأت الآية الأولى بعد الأمر بالنظر للطعام بصب الماء وهو من مكونات الأرض، تلك حقيقة علمية جاءت بها الآية الكريمة والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها. سنترك المعجزات المتعلقة بخلق الأرض وإخراج الماء منها رغم كثرتها وإذهالها للمختصين بعلم الجيولوجيا لنقف قليلا عند صفات الماء، فلكي يسهل رفعه الى السماء مطلوب أن تسلط طاقة حرارية تزيد من الطاقة الحركية لجزيئاته ليتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، وهنا يأتي الدور الأول للشمس كمصدر للطاقة الحرارية وهذه الطاقة الهائلة المستمرة لملايين السنين، معجزات ظلت علوم الفلك والفيزياء والكيمياء حائرة في طريقة تكونها واستمراريتها. مواصفات الماء الفريدة من بساطة التركيب (ذرتا هيدروجين وذرة أوكسجين)، سهولة تبخيره (يتبخر في جميع درجات الحرارة فوق الصفر المئوي) بجانب خفة بخاره وسهولة إعادته للحالة السائلة والصفات الفيزياوية الأخرى، كل ذلك جعل منه مادة يسهل تبخيرها ونقلها. وبعدئذ لا بد من تبريد البخار ولولا برودة الأجواء التي يرتفع إليها لما تكاثف مرة أخرى!! كميات هائلة وأعداد لا حصر لها من البذور المنتشرة على مساحات شاسعة من الأراضي الجافة تكون بانتظار صب الماء.. ولقد خص القرآن هذه العملية بآية كاملة واستخدم صيغة العظمة في الفعل (صببنا) ومعلوم أن وراء ذلك غالبا تقف حقائق ومعجزات علمية، أضف إلى ذلك استخدام (صبا) وهو مفعول مطلق جاء ليؤكد الفعل (صببنا) ويقول علماء الفسلجة النباتية لا بد أن يكون الماء متوفرا بكميات مناسبة لنمو الأجنة وإلا فإن البذور سوف لن تنبت حتى تتوفر الكميات المناسبة منه. إن النباتات تبرمج بذورها على عدم الإنبات إلا بتوفر الكميات المناسبة من الماء، وفي هذه البرمجة تستخدم الهرمونات والإنزيمات التي تعمل بتراكيز دقيقة جدا، ولنا وقفة أخرى إذ لا يتسع المجال هنا للتوسع في شرحها وتفصيلها. (ثم شققنا الأرض شقا) ونقف قليلا عند (ثم) التي تقول كتب اللغة العربية إنها تفيد التعاقب مع التراخي النسبي في الزمن.. صب الماء من السماء وتشرب الأرض به وحاجة البذور إلى فترة مناسبة لبدء التفاعلات الحيوية التي تنتهي بمباشرة الأجنة الإنبات جعل من استخدام هذه الأداة إعجازا علميا للقرآن الكريم وبرهانا يضاف إلى دقته العلمية.
معجزات كبرى
إن شق الأرض الصلبة بأجزاء نباتية رهيفة يمثل معجزة بل معجزات كبرى، ولكن هل يا ترى يمكن تفسير الشق بآلات الحراثة كما يذهب إليه بعض المفسرين الأجلاء؟ آلات الحراثة أجسام صلبة جدا وصلابتها تفوق صلابة التربة بآلاف المرات وهي مصممة لشقها فما عساه يتضمن شق التربة بها من إعجاز؟
ولماذا إذن استخدم المتحدث جل في علاه صيغة العظمة فقال: شققنا وهو لا يستخدمها إلا لأمر مهم وينبئ بالمعجزة لا سيما في الآيات المتعلقة بالظواهر الكونية والحياتية؟ وقد ختم الآية بتأكيد الفعل فقال (شقا) لقد فاتهم أن الحراثة سواء كانت الزراعة ديمية (معتمدة على المطر) أو كانت مروية (بالواسطة) فالحراثة لا تأتي بعد المطر أو الري بل تسبقهما. إن عظمة الآيات الكريمة ودقتها المتناهية لا تسمح بتأويل يذهب بعيدا عن معانيها الحقيقية وينتقص من أبعادها العلمية فضلا عن اللغوية ولذا لا بد من الورع الشديد وتحري الدقة عند تفسير آية أو حتى حرف من حروف القرآن.
إن الجنين النباتي.. هذه الخلايا التي لتوها باشرت الحياة تشق الأرض والماء يشكل النسبة العظمى منها ولو قارنت بين صلابتها وصلابة التربة فستجد أنها تكاد تتلاشى أمام صلابة التربة ومن هنا كانت المعجزة ناهيك عن مقدرتها على النمو والاستطالة.
(فأنبتنا فيها حبا) الفاء هنا للتعقيب مع عدم التراخي وهنا تتجلى حكمة المتحدث جل في علاه في استخدام الأدوات اللغوية فإذا باشرت الأجنة النمو فسرعان ما تظهر فوق سطح الأرض ولذلك أدخل الفاء على الفعل فقال (فأنبتنا) بينما استخدم (ثم) ليسبق بها الفعل (شققنا).
(فأنبتنا فيها حبا) في عملية الإنبات يتم شق الأرض باتجاهين فالسويق الذي سيشكل الساق والمجموع الخضري يخترقها إلى الأعلى والجذير إلى الأسفل ولو خطر ببال أحدنا أن يقوم بقلب البذرة أي بذرة رأسا على عقب فسوف لن يغير أي منهما اتجاهه ولو كرر ذلك ألف مرة، إنه تقدير محكم، إنها (برمجة). ولكي ينتج (الحب) يأبى الساق إلا أن يخرج إلى الضوء فهو يحمل البراعم التي ستتفتح إلى الأوراق الخضراء التي ستبني مختبرات ومصانع الطاقة العملاقة.
* باحث علمي