في عالم غريب حيث سيشاهد عند الأفق سحباً هائلة برتقالية اللون وبنيّة تقترب تدريجياً منه وبعد قليل تمر هذه السحب أمام تلك الشمس الهائلة التي تكاد تلتهم السماء لعظمها ثم تأتي عاصفة الأمطار التي ربما لا تشبه أمطارنا الأرضية السائلة، لأن المحيط الذي نراه أمامنا على هذا الكوكب يكاد يتفتق من الغليان فهو محيط من الحمم تصل فيه درجة الحرارة الى ما يزيد على 2400 درجة مئوية كما أن سطحه مليء بصخور ذائبة ممتدة على مد البصر .
أما الأمطار فتنهمر بأصوات غريبة ربما لسنا معتادين عليها فهي تتهاوى على أرض مائعة بفعل الحرارة وكأنها حبات برد كبيرة، لكنها تختلف كثيراً عن البرد في أنها حجارة حقيقية تتهاوى من سماء هذا الكوكب.
الغريب وهو ليس من اختراع الخيال بل موجود بالفعل ويسمى كوروت - ط7 وهو واحد من الكواكب ال 330 التي تدور حول شموس غير شمسنا وتقع خارج مجموعتنا الشمسية والتي بدأت تظهر للعلماء منذ العام 1995 بالجملة .
ويقول الفلكيون إنه يتوجب علينا انتظار المزيد منها خلال السنوات المقبلة نظراً للتطورات المهمة التي حدثت في مجال الرصد الفلكي البعيد .
وحتى فترة قريبة، كان الفلكيون يتحدثون عن كواكب غازية بحجم المشتري، وزحل، لكن الأمر يختلف كثيراً عن الكوكب الذي نحن بصدده كوروت 7 ففي فبراير/شباط الماضي تمكن الفلكي السويسري ديديه كيلوز وفريقه العلمي من اكتشاف هذا الكوكب وتحديد مكانه في السماء واعتباره كأول كوكب من نوعه مكون من الصخور بشكل رئيسي مثل الأرض .
ويبعد هذا الكوكب الذي يصفه العلماء بالأرض الضخمة أو الفائقة حوالي 390 سنة ضوئية عن الأرض ومعنى ذلك أننا لا نستطيع مشاهدته بالتلسكوب مباشرة بل تتطلب اللجوء الى التلسكوب الفضائي الاوروبي كوروت واستخدام تقنية خاصة للكشف عنه، وذلك حين يمر بين شمسه كوروت 7 وبين الأرض وبالتالي فإنه يحدث على شمسه كسوفاً صغيراً يؤدي الى خمود بسيط في الضوء المنبعث منها بمعدل يبلغ 0،03% . وعلى الرغم من صغر هذه النسبة إلا أنها تكفي ليكشف العلماء عن وجود الكوكب ومعرفة قطره ايضاً الذي يبلغ 1،7 مرة مثل قطر الأرض .
ولكن هذا الأمر لا يعني شيئاً بالنسبة الى تركيب هذا الكوكب ولمعرفة المزيد عن ذلك، يقوم الباحثون بتجديد كتلته من خلال حركة شمسه وتأثير قوى جذب الكوكب الى النجم الأم التي تؤدي الى تأرجح حركة الشمس الأم حول نقطة محددة . وكلما كان الكوكب ضخماً، كانت تأرجحات النجم الأم كبيرة .
وكان للتلسكوب هاربس الموجود في مرصد سيلا الاوروبي في تشيلي الدور البارز في تحديد كتلة كوروت - (7) التي بلغت 5 اضعاف كتلة الأرض، كما أن بعده عن شمسه الأم يبلغ 2،5 مليون كيلومتر مقابل 150 مليون مرة بالنسبة الى الأرض، ويعني ذلك أن هذا الكوكب يوجد ملتصقاً بنجمه تقريباً وهذا ما يفسر لنا ارتفاع درجة الحرارة على سطحه أو على جزء من سطحه، لأن الكوكب بالنسبة الى شمسه كالقمر بالنسبة الى الأرض، يظهر وجهاً واحداً دائماً، وكأن شمسه التي يزيد حجمها على شمسنا 60 مرة تبقى ثابتة في سمائه . أي لا يشاهد هناك لا فجر ولا غروب ويبدو الزمن وكأنه متوقف .
وطالما أن العلماء يملكون معلومات عن قطر الكوكب، فإنهم يستطيعون معرفة حجمه وكتلته الحجمية أي معرفة وزن 1 سنتيمتر مكعب على هذا الكوكب مقارنة مع وزنها على الأرض، وبالطبع وجد العلماء أن وزن 1 سنتيمتر مكعب يساوي 5،6 جرام لكل سنتيمتر مكعب وهي قيمة مشابهة للقيمة التي نعرفها على الأرض وهي 5،52 جرام لكل سنتيمتر مكعب .
ولو أردنا أن نعرف الحدود الفاصلة بين الليل والنهار لا بد لنا من السير نحو الوجه الفارق في الظلام بالنسبة الى شمس هذا الكوكب بمعنى أنه كلما اقتربنا من هذه الحدود بدت لنا شمسه منخفضة وحرارتها تقل لتتراوح ما بين 2000-10،000 درجة مئوية، وهذا يعني أن الحرارة على سطح الكوكب تصل الى 15 درجة مئوية .
ولو قدر لنا أن نصل الى الوجه الآخر للكوكب لوجدنا أن الحرارة تنخفض الى ما دون المئتين تحت الصفر . والآن لنعد الى تلك الشمس والى تلك السحب القريبة التي توجد كثيفة في سماء الكوكب لمعرفة مصدرها ولتلك الأمطار الحجرية التي تنصهر من السماء .
وهل يمكن لهذا الجو الجهنمي أن يمتلك غلافاً جوياً؟ بالطبع يوجد للكوكب المعني غلاف جوي يختلف عن غلافنا الذي يتكون من الآزوت وبخار الماء ويأتي اكسيد الكربون والذي يشكل الطبقة الغازية الواقية المحيطة بكوكبنا . أما هناك فالأمر يختلف لأن الحرارة عالية جداً وكل هذه المكونات تبخرت منذ زمن بعيد اللهم إلا القليل من بقايا الأوكسجين .
ويشير الباحثون الى أن الهواء الذي يمكن أن نستنشقه هناك فيه رائحة من الصوديوم والبوتاسيوم وأكسيد السيلسيوم والحديد، وهي عناصر موجودة على الأرض أي في ضخورها، أما الصخور التي نجدها هناك فهي ساخنة جداً الى درجة أنها تتبخر في جزء مهم منها وبالتالي يشكل تبخرها هذا النوع من السحب الكثيفة البرتقالية والبنية في جو الكوكب .
ويضيف العلماء ان المكونات الخفيفة كالصوديوم ترتفع في جو الكوكب وتتكثف مع انخفاض درجة الحرارة بالارتفاع، لتكون هذه النوع من السحب البرتقالية أما في ما يتعلق بالعناصر الأثقل فإنها لا تتمكن من الصعود في جو الكوكب فسرعان ما تتكثف على هيئة سحب أقل تلوناً من تلك السابقة وتعود على هيئة أمطار حجرية على سطح الكوكب كوروت - 7 .
ويقول العلماء بأنه مهما كان شكل المناخ المخيم على سطح كوروت - 7، فإن أيامه معدودة لأن شمسه كفيلة بحرق كل شيء الى درجة أنه ربما يكون في هذه اللحظات فقد جزءاً كبيراً من غلافه الجوي .
ويعتقد هؤلاء أن كوروت - 7 تشكل في الأصل بعيداً عن نجمه الأم ثم اقترب منها بفعل حركته الحلزونية وهذا ما أدى الى وقوع تلك الأحداث عليه . ولقد اظهرت الدراسة المعمقة للكواكب الواقعة خارج النظام الشمسي أن هذا النوع في الهجرات الحركة الحلزونية كثيرة الحدوث في الكون اللهم إلا نظامنا الشمسي الذي يمثل استثناء في هذا المجال .