تمضي الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية في اليمن قدماً لتنفيذ المرحلة الأولى من مشروع إعادة تأهيل سماسر صنعاء القديمة بعد استكمال الدراسات الهندسية الخاصة بتأهيل وترميم زهاء 150 سمسرة يتوقع أن تضاف إلى عدة سماسر عادت إلى العمل خلال السنوات الماضية بعدما تمت إعادة تأهيلها بمبادرات دولية.
ويحظى هذا المشروع باهتمام واسع النطاق خصوصاً وهو يستهدف إعادة الحياة إلى مجموعة كبيرة من السماسر (الأسواق) المتناثرة في أرجاء المدينة القديمة بعمارتها التقليدية الفريدة والتي اشتهرت تاريخيا كأسواق بورصة لتسيير الصفقات التجارية وتبادل السلع وعمليات البيع والشراء.
وتعد هذه السماسر من أهم الشواهد الحضارية في صنعاء القديمة بحوانيتها التي اشتهرت قديما بصناعة وتسويق المنتوجات التقليدية والحرفية ويجري العمل حاليا لإعادة إحياء دورها التاريخي كمراكز تجارية وصناعية تراثية.
يأتي ذلك استنادا إلى التجارب الدولية التي نفذت في السنوات الأخيرة لإعادة الحياة إلى هذا النوع النادر من الأسواق خصوصا بعدما فقد الكثير منها دوره لأسباب مختلفة.
ويقول مدير عام مركز الدراسات والتدريب المعماري بشير الكينعي إن المشروع الذي تتبناه الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية يسعى في مرحلته الأولى إلى حصر وتوثيق البيانات التحليلية والهندسية والخرائط التي توضح مواقع السماسر التي سيعاد تأهيلها وستدرج ضمن كتاب توثيقي شامل يتناول ماضي وحاضر سماسر صنعاء القديمة بتمويل من الصندوق الاجتماعي للتنمية.
ويشمل المشروع بحسب الكينعي 150 سمسرة بما فيها المندثرة والتي لا تزال قيد الترميم والمنتشرة في الأسواق والأحياء ومنازل المواطنين بالمدينة فيما سيبدأ العمل ميدانيا في ترميم وإعادة تأهيل وبناء 40 سمسرة من ضمن 70 سمسرة دخلت في خطة المشروع بصورة نهائية.
يقول الخبراء العاملون في المشروع إن من شأن إعادة تأهيل السماسر القديمة إنعاش الحركة السياحية والاقتصادية خصوصا وأنها ستتحول إلى مراكز للصناعات التراثية ومزارات سياحية.
ويشير هؤلاء إلى أن السماسر في صنعاء القديمة شكلت منذ ما قبل الإسلام النواة الأولى للنشاطات الاقتصادية إذ عرفت كمراكز لتسوق وتصنيع العديد من السلع ومراكز للحرف والصناعات التقليدية وظلت لقرون تنشط في أغراض مالية وتجارية وصناعية فيما نشطت أخرى في استقبال التجار الواصلين إلى المدينة أو لتخزين البضائع والمواشي.
وحتى العام 1979 كانت صنعاء تحتضن حوالي 49 سوقا وزهاء 92 سمسرة تستخدم كأسواق ومخازن للتجارة ومصارف للتبادل التجاري والمالي، غير أن السنوات الأخيرة شهدت اندثار الكثير منها، ما دعا بعض المنظمات الدولية إلى تنبي مشاريع لإحياء دورها التاريخي على غرار تجربة سمسرة النحاس التي أصبحت اليوم من أهم مراكز تطوير الحرف اليدوية في مدينة صنعاء القديمة.
جولة من الداخل
يقول عزيز الصلوي، المتخصص في العمارة التقليدية اليمنية إن صنعاء رغم كل التحولات التي عاشتها في العقود الماضية احتفظت بحوالي 26 سمسرة وأهمها سمسرة محمد بن الحسن التي تعتبر الأكبر، وتتوسط أسواق صنعاء القديمة إلى سمسرة النحاس، المنصورة، الزبيب، وردة، المجة، مريد، الشماة، الذماري عسلان، الظفري، الميزان، السواري وغيرها من السماسر، بعضها لا يزال قائما وأخرى فقدت دورها كأسواق وورش للصناعات الحرفية وأصبحت اليوم أشبه بمخازن.
وثمة سماسر استخدمت كمخازن مخصصة لتجارة الجملة كسماسر العنب والنحاس والحبوب والبهارات؛ فضلا عن سمسرة الميزان التي اشتهرت قديما وحديثا بكونها المركز الحكومي للجمرك وميزان الدولة حيث كانت تتولى وزن كل البضائع التي تدخل صنعاء.
وهناك سماسر أخرى مثل سمسرة التوابل وسمسرة يحيى بن قاسم الفوداني وسمسرة يحيى بن ثابت التي تذكر بعض المصادر التاريخية أنها شيدت في عهد سيف بن ذي يزن، يضاف إلى ذلك سماسر المسافرين التي خصصت للنزلاء مثل سمسرة البوعاني وهي من أقدم السماسر وكذا سماسر وردة، الصيرفي، العمراني ومعظمها صغيرة قياسا بالسماسر التي استخدمت لأغراض التجارة والصناعة التقليدية.
مشاريع دولية
يؤكد المسؤولون في الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية أن لدى الهيئة خططا لإحياء كل المكونات التراثية التي ميزت مدينة صنعاء القديمة ومنها السماسر القديمة على غرار سمسرتي النحاس والمنصور.
ففي العام 1988 افتتحت منظمة اليونسكو سمسرة النحاس كمركز وطني لتطوير الحرف اليدوية في محاولة لإعادة إحياء الدور التاريخي الثقافي والصناعي لهذا الصرح التراثي الفريد، وبدأ الاهتمام بهذه السمسرة العام 1974 حيث تولت مملكة النرويج تمويل مشروع ترميم هذه السمسرة في إطار التعاون مع الحكومة اليمنية ثم تبنى البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مشروعا لتوظيفها بما يخدم خصوصية مدينة صنعاء القديمة في إطار البرامج المعتمدة للحفاظ على مدينة صنعاء القديمة بوصفها تراثا إنسانياً عالمياً.
وتقول مدير عام مراكز الحرف التقليدية أمة الرزاق يحيى جحاف إن سمسرة النحاس كانت من أهم أسواق تجميع النحاس وتنظيفه وصقله وصناعته قبل أن ينحسر هذا الدور في العقود الماضية لكنها اليوم تعد مركزا لتجميع وصناعة النحاسيات التقليدية فضلا عن نشاطها في صناعة وبيع المنتجات الحرفية والمشغولات اليدوية كالفضة والعقيق والملابس اليمنية القديمة، إلى بيع العقيق الأحجار الكريمة وصياغة الفضة.
ويؤكد العاملون في السمسرة أنها تحولت منذ افتتاحها عبر المنظمة الدولية إلى معهد متخصص بالتراثيات زاد من ذلك أن المنظمات الدولية حرصت على استقدام خبراء محليين وأجانب لتدريب الكوادر في المجالات الحرفية مثل صناعة العقيق والفضة وفنون صناعة النسيج والزخرفة على الخشب.
ولا تختلف هذه التجربة عن أخرى نفذتها الحكومة الألمانية في مشروع إعادة تأهيل سمسرة المنصور التي تحولت تاليا إلى مركز وطني للفنون وهي اليوم من أهم المعارض التراثية الفنية حيث تعرض إبداعات الفنانين التشكيليين كما تستضيف معارض دولية بصورة دورية.