العالم الاسترالي جيرالد آلن مولع منذ صغره بنوع من الأسماك يعيش بين الشعاب المرجانية، يُدعى عالمياً سمكة المهرج وتخصص بعلوم الأحياء البحرية فيما بعد للتعرف إلى هذه الأسماك أكثر ودراستها عن كثب، حتى انه استطاع اكتشاف خمسة أنواع جديدة منها، آخرها أمفبيون باربيري في الحيد المرجاني بالقرب من جزيرة فيجي شمال استراليا . وهذا الاكتشاف جعل عدد أنواع هذه الأسماك المكتشفة يصل الى ،29 وفي مقال نشرته مجلة ناشيونال جيوغرافيك يشرح جيرالد سر إعجابه بها والطرق للحفاظ عليها .
جيرالد آلن ليس الوحيد الذي أسرته هذه الأسماك، فعندما شاهد المخرج الأمريكي اندرو ستانتون سمكة المهرج البرتقالية تختبئ في الشعاب المرجانية في احد المتنزهات المائية في أمريكا شعر بأنها تلعب معه لعبة الاختباء وبسعادة غامرة . وأحس بأن هذه السمكة تستحق اسمها، فمشاهدتها تبعث على السعادة، وتاليا كتب سيناريو فيلم الرسوم المتحركة البحث عن نيمو الذي نال جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم رسوم متحركة في عام 2003 وحقق أرباحا بلغت 840 مليون دولار .
ويقول جيمس برويسيك صاحب كتاب سمكة تخفي الكثير والذي سينشر قريباً بالتعاون مع ناشيونال جيوغرافيك ان سمكة المهرج تعرف بين العلماء والقيمين على أحواض الأسماك والمهتمين ب سمكة شقائق البحر أو سمكة شقائق النعمان وهي حيوان رخوي سام شبيه بالزهرة من حيث الشكل، ويعيش فوق حيد المرجان لأنها لا تستطيع العيش بعيدا عنها، بل يعيشان جنبا الى جنب في عملية تكافلية يقدم كل منها الفائدة الى الآخر .
تعيش سمكة المهرج بين مجسات شقائق النعمان تحميها من الطفيليات والأسماك الصغيرة التي تتغذى عليها، وبالمقابل تحمي اللواسع السامة لشقائق النعمان سمكة المهرج من الأسماك التي قد تفترسها .
ويقول جيرالد: أشعر بسعادة غامرة عندما أكتشف نوعاً جديداً من الأسماك وبخاصة سمكة المهرج التي بدأت تشتهر ابتداء من عام 1970 مع رواج أحواض الأسماك الاصطناعية، فسمكة المهرج وكما جذبت المفترسين بلونها جذبت انتباه البشر الذين اصطادوها حية لتعيش في أحواض الزينة، لكن شهرتها ازدادت على مستوى العالم بعد عرض فيلم البحث عن نيمو .
ويضيف: يبلغ حجمها الاقصى12 سم، لونها على الغالب برتقالي وتتميز بثلاثة خطوط بيض عريضة عمودية، يقع الخط الأمامي خلف العين مباشرة، والثاني والأوسط يشطران السمكة من النصف أما الخط الثالث فيقع بالخلف وقبل الزعنفة الذيلية . ويحدد الخطوط البيض خطوطاً سود، وهذا ميزها بألوان زاهية جميلة ويجعلها أيضا فريسة مغريه للأسماك الأخرى الكبيرة . تبيض سمكة المهرج الأنثى ما بين 600 و 1600 بيضة، حسب حجم وعمر السمكة وعدد مرات وضع البيض، وتضع بيضها أسفل شقائق البحر حيث يعيش الزوج و يعتني الذكر بالبيض إلى أن يفقس، ويقوم بحراسته من المهاجمين بتنظيف المكان الموجود به، كما ينظف أيضا البيض نفسه ويأكل الفاسد منه .
يفقس البيض بعد مضي 9 الى 10 أيام من تخصيبه، وتعيش اسماك المهرج الصغيرة مع والديها في شقائق البحر الى ان تصبح فتية ثم تذهب كل سمكة إلى مأوى آخر، وتعيش سمكة المهرج ما بين 6 الى 10 سنوات ويخشى العلماء المهتمون بها من تناقص أعدادها مستقبلا بسبب ازدياد شعبيتها حول العالم .
ويقول جيرالد: صحيح أن الاهتمام بها ازداد، لكنه لا ينفع السمكة في كل الأوقات، ففي حين أصبح مزيد من الأطفال راغبين بدراسة علوم الأحياء والتخصص في هذا المجال لاكتشاف الأحياء البحرية وحمايتها، ازداد نهم الصيادين والأحواض الخاصة تجاه هذه السمكة، وخاصة في الفلبين واندونيسيا، إذ عمد الصيادون الى أسرها وإرسالها الى أحواض الزينة، مما أثر في أعدادها بشكل كبير جدا .
كما ان ارتفاع درجة حرارة البحر وازدياد نسبة تلوثه ساهما في زيادة الخطر على أعدادها . ويعمل فريق في مياه البحر الدافئة في فورت بيرس بالقرب من مدينة ميامي في ولاية فلوريدا الأمريكية على إكثار هذه الأسماك .
ويقول فرناندو بينير مدير الفريق: نعمل على تربية هذه الأسماك في بيئة مشابهة لتلك التي تعيش فيها، ومن ثم إعادة إرسالها الى مناطقها الأصلية .
ويوجد حاليا في مزرعة الأسماك التي تدعى أو آر أي 13 نوعا من سمكة المهرج، ويسعى المسؤولون الى إكثار أنواع جديدة مستقبلا .
ويقول بينارد يولن احد المسؤولين ممن كان لهم دور مهم في تأسيس المزرعة: لا نرسل تلك الأسماك الى بيئتها الأصلية فقط، بل نبيعها في أنحاء متفرقة من العالم، ففي السنة الماضية بعنا أكثر من 300 ألف سمكة، وهذا يعني إنقاذ هذا العدد من الاصطياد، فمزرعتنا تخفض الطلب على هذه الأسماك مما يجعل الصيادين يبحثون عن شيء آخر للقيام به .
ويقول جيرالد: هنالك حراك مبشر ونشاط بيئي مهم نتج عن شهرة سمكة المهرج وفيلم البحث عن نيمو، وهو ظهور مواقع بيئية تشجع الاهتمام بهذه الأسماك والحيد المرجاني الذي تعيش فيه .
صداقة مع شقائق النعمان
تعيش سمكة المهرج عادة على شكل أزواج داخل شقائق النعمان، وتضع هذه الأسماك بيضها في مجموعات ضخمة سنويا، ويفقس بيضها بعد مدة قصيرة تصل إلى 4 أو 5 أيام . ويبلغ متوسط عمرها مابين 3 - 5 سنوات في الأسر و6 و10 في بيئتها الطبيعية . وتتبع أسماك المهرج أحيانا مجموعة صغيرة من الأسماك تتميز بألوانها الزاهية وتسمى بأسماك الآنسة .
وتعيش سمكة المهرج باستمرار مع شقائق البحر، فتطرد عنه أسماك الفراشة التي تفترس الشقائق وتزيل مجساتها .
إن العلاقة بين الأسماك المهرجة وشقائق البحر ليست علاقة حماية فقط بل علاقة طعام أيضاً، إذ تقوم أسماك المهرج برحلات إلى خارج مجسات الشقائق على الصخور المجاورة، ولا تذهب بعيداً عن حاميتها، فألوانها الزاهية البراقة تلفت انتباه الأسماك الكبيرة إليها، التي تشتهيها كوجبة لذيذة وملونة . فتسرع سمكة المهرج إلى مخبئها في جوار شقيقة البحر . وتقوم السمكة الكبيرة بمطاردتها لأجل افتراسها إلى حيث شقيقة البحر فتصيبها الشقيقة بلسعات قاتلة . وبعد فراغ الشقيقة من أكل السمكة الكبيرة تتغذى سمكة المهرج على الفضلات والبقايا . ولاتصيب لسعات الشقيقة سمكة المهرج بسوء، وعلى عكس ما كان يعتقد في السابق بأن أسماك المهرج ذات مناعة طبيعية ضد لسعات الشقائق، أثبتت الدراسات أن هذه المناعة الخاصة إنما تحدث بطريقة خاصة، فعندما ظهرت سمكة المهرج لأول مرة واقتربت من الشقيقة كانت تمسح بخفة شديدة على المجسات كما يبدو، وكانت على ما يبدو تتلقى بعض اللسعات، فتنسحب بسرعة ثم تعيد الكرة مرة أخرى، وهكذا حتى يتغطى جسمها بمادة هلامية لزجة . تقوم هذه المادة بعزل جسم سمكة المهرج ضد شحنات مجسات الشقيقة . وبالتالي لا تتأثر بلسعاتها، لكنها إذا غامرت بالدخول في شقيقة من نوع مختلف، تتعرض للموت .
وتوجد هذه الأسماك في البحر الأحمر والمحيطين الهندي والهادي، أما أسماك إيه بيركيولا البرتقالية الشائعة فتنتشر بصورة خاصة في صخور حاجز أستراليا العظيم، أو الحيد العظيم .