هو أحد أعلام هذه الدولة وأحد مؤسسي شرطة أبوظبي، ومن قدامى موظفي وزارة الداخلية في الدولة، رافق عدداً من حكام أبوظبي ورافق الكثير من الشيوخ والمسؤولين في الدولة، أعطى الدولة الكثير من وقته وجهده وتقلد العديد من المناصب الرسمية، وتدرج في العسكرية حتى نال أعلى الرتب كرمته الدولة في العديد من المناسبات، وحصل على تكريم خاص من سمو وزير الداخلية في احتفالات الدولة بمرور خمسين عاماً على تأسيس شرطة أبوظبي، إنه الوالد سهيل بن محمد بالقاز المهري، الذي عاد بنا عبر ذاكرته إلى ماضي كفاح الآباء والأجداد .
بدأ حديثه بقوله: أنا سهيل بن محمد بن عبدالله المهيري، ومعروف بسهيل بالقاز، حتى مذكور بهذا الاسم في بعض الأوراق الرسمية والمخاطبات، وبالقاز لقب والدي رحمة الله عليه، وقد ولدت في منطقة جميرا في دبي سنة ،1934 وكان أهلنا يسكنون في جميرا التي كانت عبارة عن فرجان يسكنها قوم من بني ياس والمناصير، ويخالطهم أناس من قبائل أخرى، وبعد ولادتي انتقلنا إلى مدينة العين وها أنا موجود فيها حتى الآن .
بعد قدومنا من جميرا استقررنا في منطقة بدع المغني، حيث توفيت الوالدة، رحمها الله، ولي من العمر ثلاث سنوات، فعشت في كنف والدي وجدتي لوالدي رحمهما الله، وكان فريجنا في بدع المغني يتكون من ستة أو سبعة بيوت فقط أذكر منها بيت محمد بن عتيق التويهي وسعيد بن حبوة وإخوانه غانم وراشد وعبدالله، ثم انتقلنا إلى السكن في منطقة الكويتات وهي منطقة السوق حالياً، واستقررنا في هذه المنطقة بعدما اشترى الوالد مزرعة نخيل، فكنا في الصيف نسكن في منزلنا في الكويتات بالقرب من مزارع النخيل، وفي الشتاء ننتقل إلى البر، من منطقة إلى أخرى حسب العشب والموارد، وذلك لأننا كنا نملك بعض الإبل التي تحتاج إلى المرعى الخصب، ومن المناطق التي ارتدناها في البر الفليي أي ناهل حالياً، والعضيبا والخنيصر (بالقرب من مطار العين حالياً)، والليفير (الخبيصي حالياً)، والركيسة وأم القرط وماضي (الطوية) وبْرَك حصة (الروية حالياً)، وهكذا كنا في الصيف نستقر في العين وفي الشتاء ننتقل إلى البر .
الحياة قديماً
كانت الحياة صعبة وقاسية مع شح الموارد والجري وراء لقمة العيش، ولكنها مع ذلك خلقت منا أجيالاً صلبة لا تنحني أو تنكسر بسهولة، خلقت منا رجالاً أقوياء وأشداء نعرف كيف نتعايش مع الظروف والأزمات ونطوعها لمصلحتنا . . نعرف كيف نتخذ قرارتنا بأنفسنا دون أن يفرضها علينا أحد، ونعرف كيف نفرض أراءنا بالحجة على الآخرين، كما علمتنا صعوبة الحياة وقساوتها الصبر والتواضع، وهذه الحياة هي الحياة التي عشتها وعاشها جميع المواطنين على أرض هذا الوطن .
الوالدة كما ذكرت سابقاً توفيت وأنا طفل لذا لا أتذكرها، لكنني أتذكر جدتي لأني كما ذكرت هي التي قامت على تربيتنا أنا واختاي اللتان كانتا تكبرانني، وكنت متعلقا بجدتي وبأختيّ، أما الوالد رحمه الله فقد كان دائم الانشغال من أجل لقمة العيش، إما في الغوص الذي يستغرق أشهر الصيف، أو يبيع الصخام والثمام والحطب في سوق دبي أي طارش، كان هذا في فترة طفولتي المبكرة، أما بعد ذلك فقد تعلقت بالوالد أكثر فصرت أرافقه في حله وترحاله وتعلمت منه الصبر والجرأة في الحق والقناعة وحب العمل مهما كان صغيراً لأنه كان يقول لي دائماً العمل عبادة .
عندما بلغت سن السابعة عشرة وكان ذلك في سنة ،1951 التقيت بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، فقال لي: سهيل الحين انت شاب، ليش ما تنضم إلى قوة ساحل عمان؟ فقلت له: حاضر طال عمرك، وكانت القوة لها مركز في قلعة المربعة لكن مقرها الرئيسي كان في إمارة الشارقة، فذهبت أنا وابن عمي خليفة بن ضاعن وصالح بن عتيق بوقراعة الحميري إلى المربعة بغية الانضمام للجيش فوجدنا هناك بعض الشباب الذين سبقونا أذكر منهم محمد الشرحبي وأخاه مطر وسعيد بن فهد الكتبي وسعيد بن عمير الشرياني، وخليفة بن حميد وهادف بن مغير الخييلي، وغيرهم من الشباب، حملتنا السيارة من المربعة إلى المقر الرئيسي في الشارقة وعندما وصلنا إلى هناك غير كل من خليفة بن ضاعن، وصالح بن عتيق بوقراعة رأيهما فرجعا إلى العين وبقينا نحن هناك للتدريب .
كان التدريب في البداية على الطابور والمشية والمهارات العسكرية والانضباط، وبعدها كان التدريب على حمل السلاح والرمي، فتدربنا في البداية على الرمي بالسكتون، لأنه أخف ثقلاً ثم تدربنا على الرمي ببنادق كند، لأنها قوية وقد تكسر كتف الجندي عند ارتدادها إذا لم يتم التدرب عليها جيداً، وقد استغرقت مدة تدريبنا هذه ثلاثة أشهر تقريباً .
بعدما اتممنا تدريبنا في الشارقة، حدثت مشكلة في البريمي، حيث أثار البعض قلاقل هناك فأرسلتنا القوة إلى البريمي، وبقينا هناك أكثر من ثلاثة أشهر تقريباً ثم انتقلنا إلى منطقة محضة وهناك قمنا بتأسيس مركز للقوة، حيث استجدت بعض الأمور التي تستوجب وجودنا هناك، وبعدما هدأت الأمور في محضة، انتقلت إلى مركز آخر هو مركز المرفأ، وفي هذا المركز حصل موقف لا أزال أتذكره إلى الآن .
حادثة لا تنسى
كنا في المركز وكان الضابط الإنجليزي المسؤول قد ذهب إلى زيارة أصدقاء له في مركز آخر وكلفني بقيادة المركز في غيابه، فشاهدنا سيارات مقبلة من بعيد، ولم نكن نميز هذه السيارات ومن فيها، فقلت للجنود الذين كانوا معي خذوا أماكنكم واستعدوا وعندما أعطيكم الإشارة ابدأوا بالرمي، وكان هناك تل بالقرب منا فتمركز الجنود في ظهر التل واستعدوا في انتظار الإشارة مني ولكن أحد الموجودين وكان اسمه هادف بن مغير الخييلي، صرخ وقال لي: سهيل هذا زايد . وعندما قال ذلك على الفور أعطيت إشارة وصرخت بأن لا أحد يرمي، وكان فعلاً المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله ومعه أخوه المرحوم الشيخ هزاع وبرفقتهما شيخ البحرين، وكانوا في رحلة قنص، فذهبت لاستقبالهم ومعي هادف الخييلي وعلي بن خضير وخلفان بن راكان، وعندما نزلوا من السيارة سألني الشيخ زايد رحمه الله من المسؤول عن المركز؟ فقلت له ضابط إنجليزي لكنه ليس موجوداً الآن وأنا المسؤول مكانه عن المركز، فقال رحمه الله: عيالنا وبتذبحونا! فقلت له: طال عمرك ما كنا نعرف أنكم انتم، ولم يعلمنا أحد بقدومكم، فقال لي إنهم أرسلوا سيارة أمامهم لإعلامنا بوصولهم، فقلت له: إن السيارة لم تصل . وعلمنا لاحقاً أن السائق ذهب إلى مركز المغيرة، ويقع شرقي المركز الذي نحن فيه، ظناً منه أن هذا هو المركز المقصود، وبعد أن هدأ الشيخ زايد قال لي: ما سلمت على هزاع؟ فقلت له: طال عمرك ما تركت لي ذهناً أسلم عليه، بعدها سلمت على الشيخ هزاع رحمه الله، وشيخ البحرين، سألتهم عن طلباتهم حتى نلبيها لهم، فطلب الشيخ زايد تنكر ماء . وقال نحن سنكون إلى جانبكم، ملأنا تنكر الماء وذهبت مع السائق إلى مخيمهم وزودناهم بالماء، وهناك قال الشيخ هزاع للشيخ زايد رحمهما الله: بالقاز ما غلط نحن الغلطانون، ولو يينا ولقيناهم نايمين، بنحط في خواطرنا عليهم .
وقد تأسست شرطة أبوظبي في عام 1957 بأمر من الشيخ شخبوط والشيخ زايد رحمهما الله، وقام المرحوم الشيخ سلطان بن شخبوط بتشكيل نواة للشرطة لأن الوضع في ذلك الوقت كان يستدعي وجود قوة أمنية لحفظ الأمن في البلد بعد أن جاءت شركات البترول للتنقيب وازدادت أعداد الوافدين في البلاد وخوفاً من وقوع جرائم أو حدوث ما يعكر أو يخل بالأمن مع وجود هؤلاء الوافدين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة، لذا أمر رحمه الله بتأسيس شرطة وطنية تتلقى أوامرها من الحاكم وتقوم بضبط الأمن وتنفيذ الاحكام القضائية، وهذا الأمر لم تكن قوة ساحل عمان مخولة له فالقوة مهامها سياسية أكثر من أنها أمنية . لقد ذكر في كتاب اليوبيل الذهبي للشرطة بعض الأهداف لتأسيس الشرطة مما خلق لدي بعض التساؤل، فالأهداف كانت أعمق وأهم من مجرد حراسة قصور الشيوخ، فقصور الشيوخ في ذلك الوقت لم تكن بحاجة لمن يحرسها حتى يتم تأسيس قوة شرطة خصيصاً لهذا الغرض، والشيوخ كانوا يتنقلون من دون حراسة، ومعروف عن الشيخ زايد رحمه الله، أنه كان يتجول في المدينة ليلاً ونهاراً أحياناً بمفرده من دون أن يرافقه أحد من المقربين منه أو مطارزيته .
اختار الشيخ سلطان بن شخبوط رحمهما الله بعض أفراد الشرطة من الأشخاص الذين خدموا في قوة ساحل عمان، والذين كان يتوسم فيهم الكفاءة العسكرية فطلب مني الانضمام إلى السلك الشرطي وكنت أعلى رتبة من بقية زملائي وانضم أيضاً في ذلك الحين محمد حمد الشرحبي وأخوه مطر وخليفة سعيد المغربي وسالمين سالم وجمعة بن علي بن رحمة وخليفة الدويبة وحمد بو قطعة ثم لاحقاً انضم إليها خلفان خميس العميمي وحمد سعيد الحساني وعبدالله خلفان الحساني وخلفان بن راكان وخميس حارب الظاهري، وكانت القيادة منوطة بأحد الضباط الإنجليز، أما الرئيس فكان الشيخ سلطان بن شخبوط، وظل الوضع هكذا حتى سنة ،1963 حيث تسلم القيادة الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان أطال الله في عمره وشهدت الشرطة في عهده تطورا ملحوظاً .
كان العسكريون القادمون من قوة ساحل عمان مدربين سابقاً على يد القوة فلم يكونوا بحاجة للتدريب، أما المنضمون الجدد ففي البدايات كنا نحن من نقوم بتدريبهم، بالإضافة إلى بعض المدربين من المواطنين الذين زودتنا بهم قوة ساحل عمان، مثل حمودة بن علي رحمه الله لأنني شجعته على الانضمام للشرطة لأن حمودة متعلم وتوسمت فيه الكفاءة والانضباط ورأيت أنه سيكون الرجل المناسب في المكان المناسب فحرصت أن أقوم بتدريبه عسكرياً بنفسي لأنه لم يكن ملما بالأمور العسكرية إذ إنه كان يعمل كاتباً لدى الشيخ سعيد بن شخبوط رحمه الله الذي كان رئيسا لمحكمة أبوظبي .
بدأت في قوة ساحل عمان برتبة جندي وترقيت من رتبة إلى رتبة، كما تنقلت من مركز إلى مركز آخر أثناء وجودي مع القوة، وبعد انضمامي إلى شرطة أبوظبي، نقلت إلى مدينة العين مديراً لمركز شرطة العين الذي كان مقره في قلعة المربعة بعد خروج القوة منها، وأثناء عملي في هذا المركز حصلت على شهادة ثناء وتقدير كأفضل عسكري من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله .
ممثل الحاكم
ثم تعييني مديراً لمركز شرطة داس، وكان المرحوم الشيخ حمدان بن محمد ممثلاً للحاكم فيها في ذلك الوقت ومطر بن حاضر المهيري نائباً له، بعد ذلك عينت ممثلاً للحاكم في منطقتي طريف والظنة بأمر من المرحوم الشيخ سلطان بن شخبوط، حيث طلب من والده المرحوم الشيخ شخبوط بن سلطان، رحمهما الله، أن أحل محله ممثلاً للحاكم في هاتين المنطقتين أثناء سفره، فأرسل إلى الشيخ شخبوط وعندما مثلت أمامه أبلغني بالأمر، وخولني باتخاذ أي إجراء أراه مناسباً في حال وقوع أي طارئ .
كانت هذه المنطقة حساسة في ذلك الوقت، وكانت تحتاج إلى رجل عسكري يقظ وحاسم وحازم في الوقت نفسه، وهذا كان سبب اختيار المرحوم الشيخ سلطان بن شخبوط لي، لأنه في ذلك الوقت كان هناك الكثير من الشركات الأجنبية التي جاءت للتنقيب، وكانت هذه الشركات تقوم بإدخال عمال من الخارج بطرق غير مشروعة وكان الخوف من دخول هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين من تشكيل خطورة أمنية على البلاد، كذلك كانت رغبة شيوخ إمارة أبوظبي أن يتم تشغيل العمال عن طريق الحكومة المحلية لضبط دخول الأجانب وكذلك لإعطاء الأولوية والفرصة لأبناء الإمارة للعمل في وطنهم، وكنت أقوم بتزويد المرحوم الشيخ شخبوط بأخبار وأوضاع المنطقة، ثم حل محلي المرحوم الشيخ سلطان بن سرور الظاهري، وبعده جاء المرحوم الشيخ محمد بن خالد بن سلطان آل نهيان، ثم بعد ذلك انتقلت إلى أبوظبي وأصبحت مديراً لشرطة العاصمة وبعد الاتحاد وتشكيل وزارة الداخلية، أصبحت مديراً عاماً للوزارة، ثم مفتشاً عاماً، وكنت أول من يشغل هذا المنصب إلى أن تقاعدت في عام 1992 برتبة لواء، وقد تلقيت أول دورة عسكرية سنة ،1959 وكان ذلك في دولة الكويت وكنا أربعة عسكريين منتسبين لهذه الدورة من شرطة أبوظبي أنا وحمودة بن علي وجمعة بن رحمة وخلفان بن حافش، وكانت هذه الدورة مدتها سنة، كذلك نسبنا إلى دورة في المملكة الأدرنية الهاشمية، وذلك كان في آواخر سنة 1967 وكنا تسعة عسكريين .