يقول عز من قائل: هلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ من نُّطْفةٍ أَمْشاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)، (سورة الإنسان)، وقد روى البخاري ومسلم بسنديهما: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي صلاةِ الْفَجرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ألم (1) تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ، وَ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وقد قيل في سبب قراءة مثل هذه السُّوَر في ليلة الجمعة، ومثلها قراءة سبِّح والغاشية، أو الجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة مَا فِيهِمَا من الإِشَارَة إِلَى ذِكْر خَلْق آدَم وَأَحوَال يَوْم الْقِيَامَة، ولأَنَّ خَلْق آدَم كَانَ يوم الجمعة، ولأن يَوْم الْقِيَامَة سَيَقَعُ يَوْم الجُمُعَة، بمعنى أن بداية يوم القيامة والنفخ في الصور يكون يوم جُمعة .
وقد نقل ابن القيم عن شيخ الإِسلام ابْنَ تَيْمِيّة قوله: إنّمَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ السّورَتَيْنِ فِي فَجْرِ الْجُمُعَةِ لأَنّهُمَا تَضَمّنَتَا مَا كَانَ وَيَكُونُ فِي يَوْمِهَا، فَإِنّهُمَا اشْتَمَلَتَا عَلَى خَلْقِ آدَمَ، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَحَشْرِ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الجُمُعَة، وَكَانَ فِي قِرَاءَتِهِمَا فِي هَذَا الْيَوْمِ تَذْكِيرٌ لِلأُمّةِ بِمَا كَانَ فِيهِ وَيَكُونُ، وَالسّجْدَةُ جَاءَتْ تَبَعاً لَيْسَتْ مَقْصُودَةً حَتّى يَقْصِدَ الْمُصَلّي قِرَاءَتَهَا حَيْثُ اتّفَقَتْ .
وفي الحديث المتفق عليه عن أَبِي بَرْزَةَ رضي الله عنه قال: كانَ النَّبِيُّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَة، وعَلى هذا تكون قراءته صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة من أقصر ما يقرأ، بينما إذا قرأ بها الأئمة في زماننا هذا رأى بعض الناس أنه قد أطال .
ومما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ما أخرجه أحمد والترمذي وحسَّنَهُ عن أبي ذرٍ قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة هل أتى على الإنسان، حتى ختمها ثم قال: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون . أطّت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ مَلَكٌ واضعٌ جبهته ساجدٌ لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعُدَات تجأرون إلى الله .
مكّية أم مدنية؟
واختلف فيها فقيل هي مكية، وقيل مدنية، وقيل بعضها مكي وبعضها مدني، فعن ابن عباس وابن أبي طلحة وقتادة ومقاتل: هي مكية، وعلى هذا اقتصر معظم التفاسير ونسبه الخفاجي إلى الجمهور .
ويُروى عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو من المسلمين الأوائل الذين عرفوا الوحي المكي أكثر من غيرهم أن السورة من القرآن المكي .
وروى مجاهد عن ابن عباس: أنها مدنية، وهو قول جابر بن زيد وحكى عن قتادة أيضا . وقال الحسن وعكرمة والكلبي: هي مدنية إلا قوله ولا تطع منهم آثما أو كفوراً إلى آخرها، أو قوله فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم . . إلخ .
والأصح أنها مكية وهذا الرأي أولى بالقبول، إذا اعتبرنا أسلوب السورة، والقضايا التي تركز عليها . فإن أسلوبها ومعانيها جارية على سنن السور المكية ولعل الباعث على عدها في المدني ما روي من أن آية يطعمون الطعام على حبه نزلت في إطعام علي بن أبي طالب بالمدينة مسكيناً ليلة، ويتيماً أخرى، وأسيراً أخرى، ولم يكن للمسلمين أسرى بمكة حملاً للفظ أسير على معنى أسير الحرب، أو ما روي أنه نزل في أبي الدحداح وهو أنصاري، وعدها جابر بن زيد الثامنة والتسعين في ترتيب نزول السور . وقال: نزلت بعد سورة الرحمن وقبل سورة الطلاق . وهذا جرى على ما رآه أنها مدنية .
والتقدير أن ترتيب نزولها يقع في منتصف العهد المكي، وأقرب شيء أن تكون نزلت بعد سورة القيامة (75)، فتكون السورة رقم (31)، في ترتيب النُزول . وقد يشهد لذلك ما رواه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر (السورتين) وعدّ سوراً فقال: وهل أتى . . ولا أقسم بيوم القيامة . . . (رواه أبو داوود)، وقال: هذا تأليف (مصحف) ابن مسعود . وهي جديرة بأن تعد قبل سورة القيامة أو نحو ذلك، حسبما ورد في ترتيب ابن مسعود . وروى أبو داوود في باب تحزيب القرآن من سننه عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ النظائر السورتين وعد سوراً فقال: وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة . قال أبو داوود: هذا تأليف ابن مسعود (أي تأليف مصحفه) . واتفق العادون على عد آيها إحدى وثلاثين .
ابتلاء الله للإنسان
والسورة تتناول العديد من القضايا، على رأسها: التذكير بأصل الإنسان، ومهمته في الحياة، ومصيره بعدها، والكشف عن أن الخالق جل وعلا شاءَ أن يخلق الإنسان في أحسن تقويم، ويهبه القدرة على التمييز، واختيار ما يفعل وما يترك، وما يعتقد، وما يرفض . بعبارة أخرى أراد الله تعالى أن يكون الإنسان مخلوقاً مسؤولاً عن كل ما يصدر منه عن وعي، وإرادة . وهذا هو لب قضية ابتلاء الله للإنسان التي تكرر ذكرها في القرآن، في هذه السورة الآيات (،2 ،3 29)، وفي الملك 67: آية (2) وغيرهما .
ومدخل السورة لعرض هذه القضية هو سؤال تقريري الغرض منه التذكير بأن كل إنسان كوّن بعد أن لم يكن، فكيف يقضي باستحالة إعادة تكوينه بعد عدمه؟ ما يدفع الإنسان لأن يتفكر في أصل خلقه ثم يهتدي إلى من أوجده، ويتدرج ليتعرف إلى الغرض من وجوده ومهمته في الحياة . وليتثبت من أنه محقوق بإفراد الله بالعبادة .
ثم تتحدث السورة عن أن الإنسان ضيف جديد، وحلقة متأخرة في سلسلة خلق الكائنات الحية على الأرض . وقد استطاع العلم الحديث أن يشيع هذه الحقيقة بين الجماهير العريضة والقرآن قد لفت الناس إليها قبل أربعة عشر قرناً وينتقل منها إلى حقيقة أخرى ملموسة وهي أطوار خلق الإنسان من النطفة إلى التكوين الكامل في الحواس والعقل، والغرض من هذا الانتقال أن يربط الإنسان السوي بين ظاهرة الخلق المحكم، وبين وجود الخالق الحكيم .
حرية الاختيار
ثم تنتقل السورة إلى تقرير أن الإنسان مهيأ لمعرفة سبيل الحق والخير، فإما أن يعرف ربه، ويشكره، وإمّا أن يختار سبيل الغواية والكفر . وأدمج في خلال ذلك الامتنان على الناس بنعمة الإيجاد ونعمة الإدراك والامتنان بما أعطيه الإنسان من التمييز بين الخير والشر وإرشاده إلى الخير بواسطة الرسل، فمن الناس من شكر نعمة الله ومنهم من كفرها فعبد غيره .
ولا شك في أن اختيار سبيل الحق والخير يقْتضي الاشتغال بأعمال البرّ . ومنها: إطعام المساكين، واليتامى، وفك الأسرى لوجه الله وحدهُ الآيتان (،8 9)، والسورة تشير إلى نوع فريد من البشر يتقرَّبون على شعاب الخير ويعرفون أثرها في الدنيا والآخرة، فيلزمون أنفسهم بها، من غير أن يلزمهم بها أحد (7)، وتؤكد السورة الصبر على فعل الخير، ومقاومة الشر، وتوجيه طاقة الإنسان إلى عبادة الله وعدم الاستغراق في الملذات العاجلة (24: 26) .
والسورة تفصل في جزاء الأبرار والفجار على نحو يرغب في العمل الصالح، ويُنفر من الانغماس في الشرور والآثام . وترسم لوحةٌ مشرفة لحال الأبرار (11: 22) .
أما الفجار الكفار فمصيرهم فاجع مروِّع (4) .
وكما بدأت السورة بتذكير الإنسان بأصله كي لا يفترّ، اختتمت ببيان أن الإنسان مسؤول عن خياراته، وأعماله ليس لأنه مخلوق مستقل عن خالقه، بل لأن الله تعالى شاء وهو الحكيم القدير أن يكون الإنسان كائناً مختاراً . وقد وعد الجزاء الأوفى للأخيار، والعقاب لغيرهم من الراغبين عن خيار الإيمان .