هي من المثاني، وترتيبها الخامسة عشرة في المصحف، وهي من السور التي افتتحت بالحروف المقطعة آلر، وسميت سورة الحجر، ولا يعرف لها اسم غيره، ووجه التسمية أن الله تعالى ذكر ما حدث لقوم صالح، وهم قبيلة ثمود وديارهم، بالحجر بين المدينة والشام، فقد كانوا أشداء ينحتون الجبال ليسكنوها وكأنهم مخلدون في هذه الحياة لا يعتريهم موت ولا فناء، فبينما هم آمنون مطمئنون جاءتهم صيحة العذاب في وقت الصباح، (وَلَقَدْ كَذبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) (سورة الحِجْر: 80)، وكان البعض يدعونها سورة ربما لأن كلمة ربما لم تقع في القرآن كله إلا في أول هذه السورة .

هذه السورة مكية بجملتها، نزلت في الفترة الحرجة، ما بين عام الحزن وعام الهجرة، وتلتقي هذه السورة في وجهتها وفي موضوعها وفي ملامحها مع بقية السور التي نزلت في تلك الفترة، فيدور محورها الأول حول إبراز طبيعة المكذبين بهذا الدين ودوافعهم للتكذيب، وتصوير المصير المخوف الذي ينتظر الكافرين المكذبين، وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات متنوعة الموضوع والمجال، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل، سواء في ذلك القصة أم مشاهد الكون، أم مشاهد القيامة، أم التوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخللها وتعقب عليها .

ويجيء الإنذار في مطلع السورة مليئاً بالتهويل والغموض ما يزيد جوها رهبة وتوقعاً للمصير ربَمَا يَوَد الذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ(2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ معْلُومٌ(4) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ(5)، ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون: السماء وما فيها من بروج، والأرض الممدودة والرواسي الراسخة، والنبت الموزون، والرياح اللواقح، والماء والسقيا والحياة والموت والحشر للجميع، يلي ذلك قصة آدم وإبليس، منتهية بمصير أتباعه ومصير المؤمنين، ومن ثم لمحات من قصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح منظوراً فيها إلى مصائر المكذبين، وملحوظاً فيها أن مشركي العرب يعرفون الآثار الدارسة لهذه الأقوام، وهم يمرون عليها في طريقهم إلى الشام .

رسالة تطمين إلهية

نزلت السورة في وقت اشتد الأذى على الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسلمين في مكة وتعرضوا للاستهزاء والاتهام، فجاءت هذه السورة وكأنها رسالة قرآنية من الله تعالى ليطمئن رسوله والمسلمين أن هذا الدين محفوظ من الله تعالى، وما على المسلمين إلا الاستمرار في الدعوة والتركيز عليها، وعدم الانبهار بقوة أعدائهم أو الاستشعار بالضعف والوهن والانهزامية أمام الأعداء .

وذكر لهم ثمود التي كانت قد ابتعدت عن منهج الله تعالى، وكانوا قد نحتوا الحجر في الجبال ليختبئوا من الزلازل والصواعق بظنهم أنه مكان آمن لهم يقيهم ويحفظهم (وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) (82)، لكن الله تعالى أهلكهم بالصيحة التي دخلت آذانهم فتركتهم صرعى ولم ينفعهم كل ما احتاطوا له ومكثهم في الحجر ما منع قضاء الله وعذابه من أن يحلّ بهم (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (سورة الحِجْر: 84) .

قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (سورة الحِجْر: 94) أي أعرض عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم، فقد برأك الله مما يقولون، وقال عبدالله بن عبيد: ما زال النبي مستخفياً حتى نزل قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر فخرج هو وأصحابه، وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة، وأعرض عن المشركين لا تبال بهم، قال ابن إسحاق: لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ(95) الذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(96)، والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله، فإن الله كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، قد أهلكهم الله جميعاً، قبل يوم بدر في يوم واحد، لاستهزائهم برسول الله وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق: أن جبريل أتى رسول الله وهم يطوفون بالبيت، فقام، وقام رسول الله، فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حَبَناً، (أي بعدما عظم بطنه بالماء الأصفر)، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، فانتقض به فقتله، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فمرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبرمة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحاً فقتله .

حافظ كل شيء

وتؤكد آيات سورة الحجر أن الله تعالى يحفظ كل شيء، ولذا جاءت فيها (إِنا نَحْنُ نَزلْنَا الذكْرَ وَإِنا لَهُ لَحَافِظُونَ) (سورة الحِجْر: 9)، خاصة دون غيرها من سور القرآن، فبداية السورة ونهايتها تتحدث عن حفظ الله تعالى للكون، وفي السورة أن الله هو الذي يحفظ السموات والأرض: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السمَاء بُرُوجًا وَزَيناهَا لِلناظِرِينَ، وَحَفِظْنَاهَا مِن كُل شَيْطَانٍ رجِيمٍ)، وأنه سبحانه يقدر الرزق ويحفظه لصاحبه: (وَإِن من شَيْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ معْلُومٍ)، وأن الله يحفظ المؤمنين وقد تحدثت الآيات كيف واجه الشيطان ربه بأنه سيغوي عباد الله إلا الذين حفظهم الله تعالى: (إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(سورة الحِجْر: 40)، وأن الله يحفظ عباده: (إِن عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (سورة الحِجْر: 42) .

فالسورة كلها تؤكد للمسلمين أن الله حافظهم، والمؤمنون حقاً هم المحفوظون من الله تعالى، وهم المحجوبون عن التأثر بنزغ الشيطان، وهم الداخلون تحت سلطان الله الخارجون من سلطان الطاغوت، وهذا اعتراف إبليس نفسه: (إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (سورة الحِجْر: 40)، وجاءت الآيات الأخيرة تقدم الحل والتوجيه حتى نحظى بحفظ الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبحْ بِحَمْدِ رَبكَ وَكُن منَ الساجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبكَ حَتى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الآيات 99،98،97)، أي حتى يأتيك الموت، وذكر القرطبي أن الدليل على أن اليقين هو الموت ما أخرجه البخاري من حديث أم العلاء الأنصارية، وكانت من المبايعات، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما عثمان (يعني عثمان بن مظعون) فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به، وروى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .

أسباب النزول

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء في آخر النساء، وكان بعضهم يتقدم إلى الصف الأول لئلا يراها وكان بعضهم يتأخر في الصف الأخير، فإذا ركع قال هكذا ونظر من تحت إبطه فنزلت: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأخِرِينَ) .

وقال الربيع بن أنس: حَرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد فقالوا نبيع دورنا ونشتري دوراً قريبة للمسجد فأنزل الله تعالى هذه الآية .

روى ابن المبارك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: طلع علينا رسول الله من الباب الذي دخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال: أراكم تضحكون ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: إني لما خرجت جاء جبريل، فقال: يا محمد يقول الله تعالى: لِمَ تُقَنط عبادي (نَبئ عِبَادي أني أَنَا الغَفُورُ الرحِيم) .

قال الحسين بن الفضل: إن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها أنواع من البر وأوعية الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها فأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (سورة الحِجْر: 87)، يعني لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع قوافل، ويدل على صحة هذا قوله على أثرها: (لا تَمُدن عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (سورة الحِجْر: 88) .