هي من طوال السور، وهي السورة الخامسة في ترتيب المصحف، وتبدأ السورة بأحد أساليب النداء: (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلي الصيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِن اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (سورة المائدة: 1)، وتقع في الجزأين السادس والسابع، وسُميت في كتب التفسير وكتب السنة، بسورة المائدة، لأن فيها قصة المائدة التي سألها الحواريون عيسى عليه السلام وقد اختصت بذكرها، وفي مسند أحمد بن حنبل وغيره وقعت تسميتها سورة المائدة في كلام عبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، وأسماء بنت يزيد، وغيرهم، فهذا أشهر أسمائها، وتسمى أيضاً سورة العقود، وقد وقع هذا اللفظ في أولها، وتسمى أيضاً المنقذة، ففي أحكام ابن الفرس: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سورة المائدة تدعى في ملكوت السماوات المنقذة، قال: أي أنها تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب .

سورة المائدة سورة مدنية باتفاق، روي أنها نزلت عند منصرف رسول الله من الحديبية، بعد سورة الممتحنة، فيكون نزولها بعد الحديبية بمدة، لأن سورة الممتحنة نزلت بعد رجوع رسول الله إلى المدينة من صلح الحديبية، وقد جاءته المؤمنات مهاجرات، وطلب منه المشركون إرجاعهن إليهم عملاً بشروط الصلح، فأذن الله للمؤمنين بعدم إرجاعهن بعد امتحانهن .

وفي الإتقان: أنها نزلت قبل سورة النساء، ولكن صح أن آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِن اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (سورة المائدة: 3) نزلت يوم عرفة في عام حجة الوداع .

وقد روي عن عبد الله بن عمرو وعائشة أنها آخر سورة نزلت، وقد قيل: إنها نزلت بعد النساء، وما نزل بعدها إلا سورة براءة، بناء على أن براءة آخر سورة نزلت، وهو قول البراء بن عازب في صحيح البخاري، وفي مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو، وأسماء بنت يزيد: أنها نزلت ورسول الله في سفر، وهو على ناقته، وأنها نزلت عليه كلها، قال الربيع بن أنس: نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله إلى حجة الوداع .

وفي شعب الإيمان، عن أسماء بنت يزيد أنها نزلت بمنى، وعن محمد بن كعب: أنها نزلت في حجة الوداع بين مكة والمدينة، وقد قيل: إن قوله تعالى: (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا لا تُحِلوا شَعَائِرَ اللهِ وَلا الشهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِر وَالتقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتقُوا اللهَ إِن اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (سورة المائدة: 2) أنزل يوم فتح مكة .

وعن محمد بن كعب القرظي: أن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَينُ لَكُمْ كَثِيراً مِما كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (سورة المائدة: 15) ثم نزلت بقية السورة في عرفة في حجة الوداع .

ويمكن القول إن بعض سورة المائدة نزل في عام حجة الوداع، والدليل اشتمالها على آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) التي اتفق أهل الأثر على أنها نزلت يوم عرفة، عام حجة الوداع، كما في خبر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

تناولت سورة المائدة كسائر السور المدنية جانب التشريع بإسهاب مثل سورة البقرة والنساء والأنفال إلى جانب موضوع العقيدة وقصص أهل الكتاب، قال أبو ميسرة: المائدة من آخر ما نزل من القرآن ليس فيها منسوخ وفيها ثماني عشرة فريضة .

وقد احتوت هذه السورة على تشريعات كثيرة تنبئ بأنها أنزلت لاستكمال شرائع الإسلام، ولذلك افتتحت بالتوصية بالوفاء بالعقود، أي بما عاقدوا الله عليه حين دخولهم في الإسلام من التزام ما يؤمرون به، فقد كان النبي يأخذ البيعة على الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم، كما في حديث جابر بن عبد الله في الصحيح . وأخذ البيعة على الناس بما في سورة الممتحنة، كما روى عبادة بن الصامت .

الوفاء بالعهود

سورة المائدة هي أول سورة ابتدأت ب(يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا) وتكرر فيها هذا النداء 16 مرة من أصل 88 مرة وردت في القرآن كله، وهي آخر ما نزل على رسول الله في المدينة بعد حجة الوداع، وقد اشتملت على العديد من الأحكام: أحكام العقود، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، أحكام الطهارة، حد السرقة، حد البغي والإفساد في الأرض، أحكام الميسر والخمر، كفارة اليمين، قتل الصيد في الإحرام، الوصية عند الموت، البحيرة والسائبة، الحكم على من ترك العمل بشريعة الله وغيرها، وقد ورد عن النبي أنه قال: علّموا رجالكم سورة المائدة لما فيها من أحكام ووفاء بالعهود والمواثيق .

والخطاب من الله تعالى للمؤمنين ب(يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا) بمعنى يا من آمنتم بي ورضيتم أن تدخلوا في ديني؛ عليكم أن تنفذوا أوامري لتفلحوا وتكونوا من المؤمنين حقاً .

وسميت السورة ب(المائدة) ليس فقط لورود قصة المائدة في نهاية السورة في قصة سيدنا عيسى والحواريين، ولكن العبرة من القصة هي الهدف، وتسميتها تتناسب مع هدف السورة، لأن الله تعالى حذر الحواريين من أنه سينزل عليهم المائدة ولكن من كفر بعدها ولم يؤمن سيعذبه الله عذاباً شديداً، وهذا توجيه وتحذير للمسلمين بأن عليهم الوفاء بالعهود والمواثيق وإلا سيكون العذاب جزاؤهم كما في قصة المائدة .

والسورة شددت في معظم آياتها على العهود والمواثيق باختلافها وكل نداء: (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا) ينص على عهد مختلف، والآيات تذكر باستمرار بأهمية الوفاء بالعهود والالتزام بها .

وقد اشتملت السورة من أولها إلى خاتمتها بالعقود وأهمية الوفاء بها: بداية السورة (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)، ووسطها: (يَا أَيهَا الرسُولُ بَلغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ربكَ وَإِن لمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ إِن اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (67)، ونهايتها: (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَناتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (119) .

19 فريضة

وذكر القرطبي أن فيها تسع عشرة فريضة ليست في غيرها، وهي سبع في قوله (حُرمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَديَةُ وَالنطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السبُعُ إِلا مَا ذَكيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (سورة المائدة: 3)، (وَمَا عَلمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلبِينَ) (سورة المائدة: 4)، (وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِل لَكُمْ)، (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) (سورة المائدة: 5)،، وتمام الطهور إذا قمتم إلى الصلاة: (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطهرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَممُوا صَعِيداً طَيباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهرَكُمْ وَلِيُتِم نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة المائدة: 6)، (أي إتمام ما لم يذكر في سورة النساء): (وَالسارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (سورة المائدة: 38)، و(لا تَقْتُلُوا الصيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَما سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (سورة المائدة: 95)، (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِن الذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (سورة المائدة: 103)، وقوله تعالى (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) (سورة المائدة: 106)، وقوله (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاةِ اتخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (سورة المائدة: 58)، وليس في القرآن ذكر للأذان للصلوات إلا في هذه السورة .