سميت في جميع المصاحف وكتب التفسير والسنة سورة هود، ولا يعرف لها اسم غير ذلك، وقد وردت تسميتها عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عباس أن أبا بكر قال: يا رسول الله قد شبت، قال: شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت .

سميت باسم هود لتكرر اسم نبي الله هود فيها خمس مرات، ولأن ما حكي عنه فيها أطول مما حكي عنه في غيرها .

وهي مكية كلها عند الجمهور، وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، ونزلت بعد سورة يونس وقبل سورة يوسف، وقد عدت الثانية والخمسين في ترتيب نزول السور، وهي ككل السور المكية تعنى بأصول العقيدة الإسلامية: التوحيد والرسالة والبعث والجزاء .

تثبيت رسول الله

هذه السورة وأختاها سورتا يونس السابقة وسورة يوسف، هي أول ثلاث سور لأسماء أنبياء، وكلما كان اسم السورة على اسم نبي كانت قصة هذا النبي هي محور السورة، وفي ختام السورة تأتي آية تلخّص القصة وكأنها قاعدة في كل السور المسماة بأسماء أنبياء، وهذه السور الثلاث نزلت في وقت واحد بالترتيب نفسه الذي ورد في المصحف، ونزلت السور الثلاث بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها ووفاة عم الرسول أبي طالب، وما لاقاه من أذى في الطائف ورفض دعوته ونصرته من قبائل العرب، وكانت تلك الفترة عصيبة جداً على الرسول وعلى المسلمين في مكة لما لاقوه من أذى المشركين، فمنهم من أمره الرسول بالهجرة إلى الحبشة ومنهم من بقي في مكة يتعرض للأذى والتضييق من قبل كفار قريش .

ويقول صاحب الظلال إن آثار هذه الفترة وظلالها واضحة في جو السورة وموضوعاتها، وخاصة ما يتعلق بتثبيت رسول الله والذين معه على الحق، والتسرية عنه مما يساور قلبه من الوحشة والضيق والغربة في المجتمع الجاهلي .

وقد برز طابع هذه الفترة ومقتضياتها في السورة في سمات عدة نشير إلى بعض منها:

فمن ذلك استعراض السورة لحركة العقيدة الإسلامية في التاريخ البشري كله، من لدن نوح عليه السلام، إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وتقرير أنها قامت على حقائق أساسية واحدة: هي الدينونة لله وحده بلا شريك، والعبودية له وحده بلا منازع، والتلقي في هذه الدينونة والعبودية عن رسل الله وحدهم على مدار التاريخ، مع الاعتقاد بأن الحياة الدنيا إنما هي دار ابتلاء لا دار جزاء، وأن الجزاء إنما يكون في الآخرة، وأن حرية الاختيار التي أعطاها الله للإنسان ليختار الهدى أو الضلال هي مناط هذا الابتلاء .

حقائق أساسية

يحتوي تركيب السورة على ثلاثة قطاعات متميزة: القطاع الأول يتضمن حقائق العقيدة في مقدمة السورة ويشغل حيزاً محدوداً، والقطاع الثاني يتضمن حركة هذه الحقائق في التاريخ ويشغل معظم سياق السورة .

والقطاع الثالث يتضمن التعقيب على هذه الحركة في حيز محدود أيضاً .

وواضح أن قطاعات السورة بجملتها تتعاون وتتناسق في تقرير الحقائق الاعتقادية الأساسية التي يستهدفها سياق السورة كله، وأن كل قطاع منها يقرر هذه الحقائق وفق طبيعته وطريقة تناوله لهذه الحقائق، وهي تختلف بين التقرير والقصص والتوجيه .

وهذه الحقائق الأساسية التي تستهدف السورة تقريرها هي:

أن ما جاء به النبي، صلى الله عليه وسلم، وما جاء به الرسل من قبله حقيقة واحدة موحى بها من الله سبحانه وهي تقوم على الدينونة لله وحده بلا شريك . والتلقي في هذه الدينونة عن رسل الله وحدهم كذلك، والمفاضلة بين الناس على أساس هذه الحقيقة .

فكأنما أنزل الله تعالى هذه الآيات تسلية للنبي وتسرية عنه لأنها تقصّ عليه ما حدث لإخوانه الرسل من أنواع الابتلاء ليتأسّى بهم في الصبر والثبات، وجاءت آية محورية هي أساس السورة وتدور الآيات حولها: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آية 112) و(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسكُمُ النارُ وَمَا لَكُم من دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُم لاَ تُنصَرُونَ) (113)، وهاتان الآياتان تضمنتا التوجيه للرسول والمسلمين كيف يتصرفون في هذه المحنة وفي أي محنة قد تصيبهم في أي زمن وفي أي مكان، كما أن الآيتين تعالجان حالة نفسية لأناس في وضع صعب للغاية فجاء بالأمر الأول (استقم) أي اصبر واستمر بالدعوة، ثم جاء الأمر الثاني: (لا تطغوا) أي إياكم والطغيان وجاء الأمر الثالث: (ولا تركنوا) بمعنى إياك أن تعيش في ظل القوى وتستسلم له، وقد قال الحسن رضي الله عنه: سبحان الذي جعل اعتدال الدين بين لائين: لا تطغوا ولا تركنوا .

صبر وثقة بالله

بدأت السورة بتمجيد القرآن العظيم الذي أحكمت آياته، ثم دعت إلى توحيد الله تعالى، وعرضت الظروف الصعبة التي كان يعيشها المسلمون، ويدعو الله تعالى رسوله للثبات والاستمرار في الدعوة رغم كل الظروف، ثم تنتقل الآيات لتتحدث عن سبعة نماذج من الرسل الكرام وصبرهم على ما لاقوه من أقوامهم:

قصة نوح أبو البشر الثاني، وقد وردت في هذه السورة بتفصيل لم تذكره أي سورة أخرى من السور، حتى سورة نوح نفسها، وتشرح كيف صبر نوح على قومه، فقد لبث فيهم، 950 عاماً، يدعوهم وهم على تعنتهم ويسخرون منه، ولمّا طلب الله منه أن يصنع الفلك استمرت هذه العملية سنوات عديدة حيث زرع الشجر ثم أخذ منه الخشب وصنع السفينة، وكان يمكن لله تعالى أن يهلك قوم نوح من غير انتظار هذه المدة الطويلة لكن حكمته أرادت أن يظهر طول معاناة نوح وصبره، كل هذه السنوات، على الأذى حتى نتعلم منه الصبر مهما طال الأذى، وعدم اليأس والاستمرار بالدعوة، ولم يكن رد نوح على قومه انفعالياً ولا غاضباً إنما قال: (قَالَ إِنمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) (آية 33)، فقد استقام كما أمره الله وصبر على الدعوة واستمر فيها ولم يتهور في ردة فعله، وإنما كان ينصح لهم، ولم يركن حتى إلى ابنه الذي كان من المغرقين، ولم ترد قصة ابن نوح إلا في هذه السورة لأن ورودها يناسب هدف السورة وتحقيق معنى لا تركن ولو كان الكافر الظالم من أهله: (وَنَادَى نُوحٌ ربهُ فَقَالَ رَب إِن ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِن وَعْدَكَ الْحَق وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، و(قَالَ رَب إِني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن منَ الْخَاسِرِينَ) وتأتي العبرة في نهاية قصة نوح (فَاصْبِرْ إِن الْعَاقِبَةَ لِلْمُتقِينَ) .

ثم تأتي قصة هود مع قومه وقد سميت السورة باسمه تخليداً لجهوده الكريمة في الدعوة إلى الله، فقد كان قومه من العتاة المتجبرين الذين اغتروا بقوتهم وقالوا من أشد منا قوة؟ فواجههم هود وكان رجلاً فرداً بين الجمّ الغفير من عتاة عاد الغلاظ الشداد، وقد حقّرهم وانتقص آلهتهم، وهكذا واجه رجل واحد أمة عطاشاً إلى إراقة دمه، وذلك لثقته بربه، وقد قال لهم هود كلاماً جامعاً، اشتمل كل المعاني الثلاثة التي ذكرناها سابقاً (إِن نقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِني أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَني بَرِيءٌ مما تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُم لاَ تُنظِرُونِ * إِني تَوَكلْتُ عَلَى اللّهِ رَبي وَرَبكُم ما مِن دَآبةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِن رَبي عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ * فَإِن تَوَلوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرونَهُ شَيْئًا إِن رَبي عَلَىَ كُل شَيْءٍ حَفِيظٌ) فكأنما جمعت هذه الآيات (استقم واصبر واستمر بالدعوة ولا تطغَ ولا تركن إلى الذين ظلموا) .

ثم جاءت قصة نبي الله صالح، ثم قصة لوط وشعيب، ثم قصة موسى وهارون، صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، ثم ختمت السورة الكريمة ببيان الحكمة من ذكر قصص المرسلين لتثبيت قلب النبي أمام الشدائد والأهوال التي تعرض لها: (وَكُلا نقُص عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرسُلِ مَا نُثَبتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَق وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)، ثم يعرض الله تعالى لنا كيفية تنفيذ الأوامر التي وصّانا بها ويدلنا أن العبادة هي التي تعين على الاستقامة: (وَأَقِمِ الصلاَةَ طَرَفَيِ النهَارِ وَزُلَفًا منَ الليْلِ إِن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذاكِرِينَ)، والصبر: (وَاصْبِرْ فَإِن اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، وكأنما الآيات كلها من الآية 113 إلى نهاية السورة تعين على تنفيذ الهدف، وتختم السورة بالتوحيد كما بدأت به ليتناسق البدء مع الختام: (وَلِلّهِ غَيْبُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبكَ بِغَافِلٍ عَما تَعْمَلُونَ) .

ومن لطائف سورة هود البلاغية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي، وإن كانت عامة في المعنى (فاستقم كما أمرت، وأقم الصلاة، واصبر)، وفي المنهيّات جمعت للأمة (ولا تطغوا، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا).