من كان يعتقد قبل سنة من الآن أن سيدة بسيطة تسكن في حي تائه من أحياء اسكتلندا الغائمة، تصبح بين ليلة وضحاها نجمة للعام 2009؟ والمقصودة هي سوزان بويل تلك السيدة التي شارفت على العقد الخامس 48 سنة تقريباً اشتهرت بغنائها عندما اذهلت العالم بصوتها الرائع بعدما كانت محل سخرية بسبب هيئتها . وكانت بويل تقدمت الى برنامج اكتشاف المواهب البريطاني الشهير مواهب بريطانيا في 11 ابريل/نيسان 2009 وحملت اغنيتها اسم حلمت حلماً . ولفتت بويل نظر العالم بأسره حيث تهافتت عليها عشرات المحطات التلفزيونية لدعوتها الى مقابلة بفضل صوتها الساحر كما تابع عشرات الملايين مشاركتها في المسابقة عبر الانترنت على موقع يوتيوب .

وفيما وراء هذه الظاهرة الاعلامية، تعتبر بويل من أكثر البائعات لألبوم غنائي منذ فترة طويلة، فخلال الأسبوع من ظهور البومها الأول حلمت حلماً، غدت هذه الأغنية من أكثر الأغنيات استماعاً في العديد من البلدان محققة أرقاماً قياسية خيالية . ومبيعات الألبوم كانت في الولايات المتحدة الأكثر منذ العام 1991 خلال الأسبوع الأول، فيما اعتبرت مبيعات الألبوم في بريطانيا خلال الأسبوع نفسه الأكثر ارتفاعاً في تاريخها .

ويقول نقاد الفن إن هذه الشهرة التي حققتها بويل خلال زمن قياسي تعتبر نوعاً من الثأر والمكافأة في آن واحد، فقد ثأرت بويل لشكلها ومظهرها الخارجي الذي كان لا ينم عن أي جاذبية تجعلها ترقى الى مرتبة الفنانين المميزين أو الشخصيات التي عرفت بالجمال والشياكة أمثال باريس هيلتون . وكانت الشهرة مكافأة لها على موهبتها التي فاقت كل التوقعات وتحدت من خلالها أولئك الذين يمتلكون الحسن والجمال والقوام لكنهم لا يمتلكون صوتاً ساحراً كصوتها، وفي عمر مثل عمرها .

ويرى هؤلاء أننا نعيش حكاية اسطورية ولكن في العصر الحديث حيث لم يعد للأساطير أي وجود أو ذكر، فقصة سوزان بويل انتشرت كالبرق وتناقلها الناس من كل حدب وصوب خاصة مع الانتشار الممل لاسطوانات غنائية معروفة لا جديد فيها .

ويعتقد البعض أن قصة سوزان بويل استغلت بشكل مبالغ فيه ربما تجاوز كل الحدود والتوقعات، بمجرد ظهور بويل على التلفاز بتلك الطريقة المفاجئة، حتى غدت محط أنظار شركات التسويق الاعلامية . ويحكى أن ظهور بويل في هذا البرنامج كان معداً بعناية ومخططاً له بدقة لزيادة مسألة التناقص بين شكلها وصوتها الجميل الصافي .

ويرى البعض أن هذا الأمر ربما يكون ممكناً لكن من المجحف ألا نرى سوى الشكل، فصوت سوزان بويل يغطي على كل النواقص الشكلية كما أن حياتها تستحق أن تلقى هذه المكافأة الجيدة، والسنوات التي أمضتها في فرقة الكورال وموت والديها والألبوم الذي صدر لها في 1999 ولم يلق النجاح المتوقع، ومنزلها الكائن في أحد الأحياء المنفية، كل ذلك اسهم في نيلها جائزة أفضل مغنية عن جدارة واستحقاق، الى درجة أن سوزان بويل نفسها شعرت أنها غير قادرة على استيعاب ما حدث لها، وأنها تمكنت بالفعل من تحقيق ما لم يكن متوقعاً، وكل ذلك يعتبر أمراً مفهوماً على صعيد البشر .

ولا شك في أن ثمة من ظهر منتقداً سوزان بويل من جيرانها الذين وجدوها تغيرت وأنها بدأت تلكن باللهجة الأمريكية منذ أن غنت في نيويورك، في حين أن آخرين قالوا إن سوزان اعطتهم قلادات من اللؤلؤ وهي في الشارع، وذلك بدافع حماسي جراء الشهرة التي وصلت اليها خلال فترة قياسية .

ومع ذلك، يحكى أن بويل تعرضت في يونيو/حزيران الماضي لحالة من الاكتئاب الشديد كرد فعل على الشهرة المفاجئة التي بلغتها وعندما سئلت عن ذلك أجابت: كيف يمكنكم أن تمروا بهكذا تجربة وتبقوا على ما أنتم عليه؟

والواقع أن من يعرف سوزان بويل عن كثب، يعلم جيداً كم كانت تتعرض للسخرية عندما كانت طفلة بل كانوا يسمونها بسوزان الدرويشة، أما اليوم فهي تلقى كل الاحترام والتقدير، فبعد أن كانت فقيرة غدت غنية واستطاعت أن تثبت أنها جديرة بهذا التقدير . ولذا يقول البعض فلتصفح عن السيدة بويل إذا تغير مزاجها بين ليلة وضحاها لأن كل تغير يحتاج الى وقت عند كل البشر .

يرى عدد من النقاد أنه لا بد أن تقلق على ما سيأتي بعد هذا النصر المبين لقصة ذات مغزى حقيقي، فعنصر المفاجأة لا يدوم طويلاً، فهل ستعرف سوزان كيف تستفيد من هذه الشهرة المفاجئة وتحقق لنفسها المزيد من المجد والشهرة بفضل صوتها الرائع الاوبرالي الذي ادهش الملايين؟ وهل ستتمكن من تحمل فقط وسائل الإعلام؟

أيا كان الحال، فالجميع يأمل أن تتمكن هذه السيدة الطيبة من تحقيق احلامها خاصة أنها تستحق بصوتها الشجي هذا فمن يستمع اليها بأغنية وايلد هورسز يتأكد من حقيقة هذا الأمر فصوتها يشنف أذني السامع بالفعل . ومن يعود الى مذكرات سوزان بويل ويتصفح بعضاً من أوراقها بخصوص كل أغنية في البومها فإنه يتأثر كثيراً بتعليقاتها البسيطة . والواقع أنه رغم كل الإمكانات الصوتية التي تميز سوزان، فإنه لدى وصولنا الى منتصف الأسطوانة الغنائية، فإنه يغلب علينا الانطباع بأن كل الأغنيات متشابهة، فالمقاطع الغنائية تميل نحو التصعيد التدريجي في حجم الصوت مع ما يرافق ذلك من قطع موسيقية كالكمان وصدى للصوت، فإذا كان لدينا هذا الانطباع بالتكرار في ألبومها الأول فماذا سيكون عليه الحال في الألبومات التالية؟

أما عن القصص الأخرى التي تلت هذه الشهرة المفاجئة لسوزان بويل، فهي على ما يبدو آخذة في الازياد، فقد تقدم لخطبتها أحد الأشخاص الطامعين بثروتها الجديدة وما كاد شهر ونصف الشهر يمر على زواجهما حتى تنصل الى غير رجعة فهل تراه انجذب اليها من أجل مالها، أم أنه ضاق ذرعاً بنجاحها؟

على كل حال، لا يبدو أن الحياة ستكون بعد الشهرة راحة تامة لسوزان، لأن الشهرة لها ثمن يكون باهظاً في بعض الأحيان إذ ما كادت سوزان تكسب بعض المال لتغير من مظهرها الخارجي بعض الشيء أو بالأحرى لتهذبه، حتى انهالت عليها الانتقادات علماً بأنه لو لم تفعل ذلك لكانت الانتقادات ستوجه إليها ايضاً إذ سيقول المغرضون: الا تستحي بعد هذا الثراء من أن تبقى على هذا المظهر الرديء .

وفي النهاية يبدو أن مديري أعمالها كتبوا على شركة انتاجها الموسيقية يمنع على الصحافة وخاصة الفرنسية خوفاً عليها بلا شك من الهفوات خاصة أن ظهورها على احدى القنوات الفرنسية كنال بليس كان أمراً حصرياً وجاء بعد مفاوضات مريرة، وبعد هذه المقابلة طالبت الصحافة البريطانية بعرض هذه المقابلة كاملة أو تقديم موجز عن مقابلاتها بشكل عام لكن الملف لم يكتمل بعد، فهل يخشى أحد من صعود نجم سوزان بويل واسطواناتها وتأثيرها في الاصدارات الموسيقية أو الغنائية الأخرى؟ الواقع أنه أياً كانت المخاوف سبق السيف العذل لأن سوزان بويل قد أصبحت نجمة السنة الجديدة وهي التي ستستحوذ على جل المقابلات الصحافية وستتجه نحوها الأنظار لسنتين على الأقل هذا إذ لم تطالعنا بمفاجأة غنائية جديدة بصوتها الخلاب .