للتراث مكانة خاصة في منظومة الثقافة في الشارقة، فهناك سعي دائم للحفاظ على التراث القديم، خاصة في مجال العمارة، حتى لا تلتهمها أمواج المعمار الحديث، ولعل خير دليل على ذلك هو سوق (العرصة)، فهو أحد أقدم الأسواق الشعبية في الامارات ويعود بناؤه إلى أكثر من 150 عاما وكان سوقا تباع فيه البضائع المختلفة، وتجرى فيه عمليات المقايضة، ففي تلك المنطقة الصغيرة عاش مواطنو الشارقة طويلاً، بكل ما تعنيه لهم من أيام وساعات ولحظات، هي الأقوى في ذاكرة من يؤمها اليوم، هذه المنطقة الصغيرة هي سوق العرصة في الشارقة، أو الشارقة قديماً كما يروي الجميع..حيث يعد سوق العرصة من المواقع التراثية المهمة التي تمت العناية به عبر إعادة إعماره وترميمه وافتتاحه عام 1995.
من خلال هذا التحقيق التقينا بعدد من كبار السن الشواب الذين كان لهم دور رائد في التجارة القديمة التي كان منطلقها العرصة ولقاء آخر مع أصحاب المحلات الذين تتباين مبيعاتهم ما بين التحف النحاسية والفضية والخشبية والأجهزة والمصوغات والمجوهرات التقليدية واللؤلؤ.
وفي هذا الإطار يقول الجد التاجر محمد أحمد سجواني يعد سوق العرصة من أقدم الأسواق الشعبية في الإمارات، بل هو أقدم الأسواق الشعبية. ومعنى العرصة هو كل بقعةٍ بين الدور، واسعة ليس فيها بناء. وقد سمي سوق العرصة للسبب نفسه. فهو يقع بمحاذاة عرصة السوق وهي أرض فضاءٍ تقع بين بيت النابودة (متحف الشارقة للتراث) ومجلس النابودة والسوق الذي سمي في ما بعد باسمها، أي سوق العرصة. وقد أتاحت هذه الساحة مناخاً للركاب وللبيع بالمفرق والجملة والمقايضات.
ومن جانب آخر لا ينسى الجد سجواني مقهى سوق العرصة، فصورة الماضي ماثلة في مقهى ترسخت على جدرانه العتيقة صور وذكريات ربما لا تزال تجمع الكثير من الشواب، الذين يأتون من مناطق بعيدة، ويقضون أمسية فيها معانٍ ومفردات لا يفهمها إلا القليل، فيتبادلون القصص والحكايات القديمة.
ويسوقون الواقع بما يحمل من قصص وبطولات الأسهم، ومتابعة آخر أخبارها بين الشواب والشباب، فهي الجزئية الحديثة والوحيدة التي أقحمت على مقهى الماضي الفريد، بمشهده المصر على بهاء ونضارة كل قديم، حيث فنجان الشاي أو القهوة العربية، وبعده الرطب، إلى جانب عدد من الأكلات الشعبية التي يفضلها حتى الشباب مثل الهريس والنخي والباجلا.
ملتقى الناس
أما الجد عبد الله حميد المهيري فيقول: عرف سوق العرصة في القرن الماضي كمركز للتعامل التجاري أنشئ منذ ما يقرب من 180 عاما تقريبا، وكان يعج بالحركة والنشاط منذ الصباح الباكر وحتى العشاء، ولم يقتصر على عمليات البيع والشراء فقط بل كان مكانا يجتمع فيه الناس من كل مكان ويفد إليه كل غريب وتعقد فيه الصفقات بين تجار اللؤلؤ وتتم فيه الاتفاقات بين النواخذة والبحارة.. ويقع سوق العرصة وتوابعه أو ما يسمى اليوم شعبيا (السوق القديم) أو (سوق البحر) في قلب الشارقة القديمة، ويحتوي على محلات كبيرة وصغيرة، ويشتمل على 70 محلا تعرض الأدوات التراثية التي كانت مستخدمة في مجتمع الإمارات قديما.
ويوضح الجد علي مايد الكعبي في حديثه أن سوق العرصة عبارة عن مساحة بسيطة تقصدها الإبل والمطايا المحملة بالبضائع والتي كان يحضرها البدو من داخلية البلاد وعمان.. وكانت تباع في هذا السوق البضائع التي كان يحضرها البدو أيضا مثل الهمبة (المانجو) القادمة من الباطنة وكان يحضره عامة البدو ولا تختص به قبيلة بعينها وكانت تباع المائة حبة بثلاث روبيات وكانت تباع في الخصافة أو اليواني (الشوالات)، كما كان يباع فيه الدهن الذي كان يحضر بالقرب من الباطنة وخاصة من أهل عمان الذين يسمون بآل وهيبة أو الوهبة، وكانوا يسمون عندنا بقوم الشيشي لأن كلامهم كان فيه حرف الشين كثيرا وكانوا يمدون آخر الكلام.
تجارة المياه
الحاج سالم سيف فقد طوى سبعة عقود ونصف العقد من عمره، واكتفى أيام شبابه بعد الحرب العالمية الثانية، بجلب مياه الشرب من آبار الفلج محملة على الحمير والجمال، ليشارك فيها كسلعة تجارية في العرصة، حيث تعبأ في البيب، وهو الوعاء الذي يتسع لأربعة جالونات.
ويقول الحاج سالم سيف إن الناس أخذوا في نهاية الستينات يهجرون منطقتهم الأولى، ليتوزعوا بعيداً عن السوق، وكان السبب وفاة بعض أصحاب البقالات الصغيرة، إضافة إلى التغيرات التي تفرضها الحياة بطبيعتها المتقدمة، وهو ما أدى في النهاية إلى هجران تام، للمكان الذي قرب الجميع وأبقاهم على اتصال.
وأضاف وظلت تلك البقعة المطلة على البحر بعيدة مع توسع السكان وامتدادهم لمناطق أخرى، وكان هذا التوسع كافياً لطمس معالم سوق العرصة، وما جاوره لفترة طويلة، حتى أمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بإعادة ترميم السوق، قبل نحو خمسة عشر عاماً.
تنوع المعروضات
بدر عباس العلي (بائع تحف) يقول: يحتوي سوق العرصة على محلاتٍ كبيرةٍ وصغيرةٍ، وتتنوع المعروضات في هذه المحلات بين التحف النحاسية والفضية والخشبية والأجهزة والمصوغات والمجوهرات التقليدية واللؤلؤ والعملات والألبسة والأعشاب الطبية والألعاب الشعبية ونماذج السفن والتمور..إضافةً إلى مقهى العرصة الشعبي الذي يقدم المأكولات الإماراتية الشعبية والحلويات الشهيرة والشاي والقهوة العربية الأصيلة.
ويضيف العلي: لسوق العرصة أربع بوابات تغلق في المساء لتأمين الحماية اللازمة للمحلات.وقد بنيت حول إحدى هذه البوابات مجموعة من الدكاكين امتدت فيما بعد لتكون خطاً مستقيماً يشوبه التعرج وتتخلله الأزقة.وقد شكلت في مجملها سوقاً آخر اصطلح على تسميته سوق العرصة أيضاً، وأحياناً يسمى السوق الأصلي السوق القديم.
أما حسين أكبر عبد الله بائع الإكسسوارات التراثية فيوضح انه كان: يتم الدخول إلى سوق العرصة من خلال أربع بوابات تغلق في المساء، وهو يجتذب اليوم بمحلاته السبعة والسبعين السياح الأجانب بشكل خاص نظرا لنوعية البضائع التراثية التي تباع كالأعشاب الطبية والألعاب الشعبية.
أما عامر محمد علي الذي يبيع المنتجات المحلية من الحلي الفضية ومصنوعات الحرف اليدوية وصناديق التحف وبعض الانتيكات ( البضائع القديمة ) يؤكد إن لهذا السوق عبق وسحر الشارقة القديمة التي تذكرنا بزمان ولى وانقضى في زمن يتغير فيه كل شيء بسرعة وبشكل يومي ومستمر.
ويشير عامر إلى مقهى سوق العرصة الذي يعد واحدا من أبرز معالم السوق حيث تقدم فيه المأكولات والحلويات الشعبية إضافة للمشروبات الساخنة والباردة، ولا يقدم المقهى خدمة الشيشة - أو القدو باللهجة المحلية - لأنها ممنوعة في إمارة الشارقة عموما.
و يضيف: ففي القهوة الشعبية التقليدية يمكن للمرء رؤية الناس يجتمعون للعب الورق والدومينو، كما يمكنه رؤية الحلاق التقليدي للرجال والمقاعد القديمة حيث يجلس الرجال ليتجاذبوا أطراف الحديث، ويقدم المقهى الشعبي المأكولات الإماراتية الشعبية والحلويات الشهيرة والشاي والقهوة العربية، وهو مقهى مرتضى عباس. كما سمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأصبح يعرف حالياً باسم مقهى العرصة الشعبي، فهو المكان القديم نفسه والحي في نفوس مرتاديه، رغم أنه وكما يبدو يرفض التكنولوجيا والحداثة ويبقي على كل ما لم تعتد رؤيته.