خلافا للأسواق التي أوجدتها الضرورة الاقتصادية في مدينة المكلا بحضرموت اليمنية المشهورة بأسواقها التاريخية ثمة أسواق فرضتها التقاليد المحافظة كسوق النساء، أحد أقدم أسواق المدينة التي تجتذب الآلاف يومياً من سكان المدينة الباحثين عن متعة التسوق في عبق التاريخ.

بدايات سوق النساء تعود بحسب المصادر إلى فترة السلطنة القعيطية ووجد بفعل العلاقات الاجتماعية للأسرة الحضرمية التي كانت تفرض على النساء قيودا عند التجوال في الأسواق وفي الحياة العامة كما تمنع على الرجال الاختلاط بالنساء.

ويقول ناشطون قدامى في سوق النساء إن السوق تأسس في فترة حكم السلطان صالح بن غالب القعيطي 1936 1956 بثلاثة محلات وعدة حوانيت صغيرة لبيع العطارة ومساحيق التجميل التقليدية مثل الهرد، الورس، الزعفران، ماء الورد، الصبر، المر، والخلاخيل.

يوضح حسن باشداد تاجر أقمشة أن وجود مسجد عمر التاريخي أدى إلى توسع كبير في السوق إلى جانب ازدياد الحركة التجارية في المدينة ما ساهم بظهور العديد من المحال التجارية المتخصصة ببيع وتسويق سلع نسائية فعرف من يومها بسوق النساء.

ومع ازدياد الأهمية الاقتصادية لمدينة المكلا كان سوق النساء الأهم الذي ينشط ببيع وتسويق أنواع الأقمشة والملبوسات والأحذية والفساتين المحلية والمستوردة فضلا عن أنواع المواد العطرية ومواد التجميل وساعد وجود المغتربين في دول الخليج على إمداد السوق بأحداث أنواع السلع التي لم تكن تتوفر سوى في هذا السوق التجاري.

يقول باحثون آثاريون في المكلا إن تسمية سوق النساء أطلقت عليه لأن معظم المواد التي تباع فيه خاصة بالنساء مثل الحناء والغصة مسحوق أوراق الحناء والسدر وتستخدم للزينة وكمطهر ومنظف للشعر ومساحيق الورس والهرد التي تستخدمها النساء في تلطيف وتنظيف البشرة؛ فضلا عن بيع العطور المحلية والمستوردة واللبان والبخور والمشغولات اليدوية والمصوغات الذهبية والفضية والملابس النسائية والإكسسوارات.

وتطغى الصبغة التراثية على معالم سوق النساء فهو يتوسط العديد من المعالم التاريخية القديمة بالمدينة وبالقرب منه يقع جامع عمر أحد أشهر مساجد المدينة ويمتد بتفرعات شرق الساحة المجاورة للجامع في أزقة ضيقة ربما يحتاج الغريب إلى دليل للتجول فيه والتعرف إلى مداخله ومخارجه لكنه يتسع في الداخل على هيئة ممر طويل يمتد في المساحة القريبة من المكتبة السلطانية غرباً إلى منطقة مسجد باحليوه.

ويؤكد باشداد تاجر أقمشة أن سوق النساء في المكلا معلم تاريخي وسياحي يصعب على الزائر عدم التجول في أرجائه.

ويشير إلى أن السوق توسع كثيراً في السنوات الأخيرة ودخل عليه الكثير من الباعة من مناطق مختلفة وأصبح أحد الأسواق المهمة والمشهورة ببيع المصوغات التي تعتبر إحدى العلامات البارزة للسوق في الوقت الراهن.

ويلفت باشداد إلى أن السوق قديما كان محصورا على النساء فقط، غير أن هذه الوظيفة تغيرت تماما اليوم وبات يستقبل كل من يرغب في الشراء من الرجال والنساء، ويقول بعض الباعة إن تسمية سوق النساء اليوم لم تعد تعنى سوى أن السوق متخصص ببيع الأغراض النسائية؛ فيما تعد النساء من أكثر المرتادين لهذا السوق.

وتبدأ حركة السوق مع اشراقة الصباح الباكر ويكتظ بالرواد عصرا في حركة تستمر حتى الليل.

ويعرض التجار الكثير من السلع من بينها الأقمشة والملابس الجاهزة والأحذية وأدوات التجميل والزينة ومحال العطور ومراكز صياغة وبيع الذهب، والفضة، فضلا عن محلات العطارة.

ويقول حسين باخشوان تاجر ذهب إن سوق النساء ازدهر منذ القدم بتجارة الأقمشة الهندية والصينية والإيرانية والشامية إلى جانب الحوانيت المتخصصة ببيع الحناء، والغسوس واللبان والبخور وهي السلع التي انتشرت في سوق النساء حتى إن تأثير سوق النساء كان يمتد إلى أسواق الشحر والغيل وسيئون. ويلفت إلى أن السوق اشتهر ببيع أجود أنواع السلع التي كان يجري استيرادها من مصادرها العالمية زاد من ذلك نشاط عدد من كبار التجار الهنود الذين كانوا يجلبون البضائع النادرة إلى هذا السوق ومنه كانت تتوزع على مختلف المحافظات اليمنية.

أما محلات صناعة وبيع المجوهرات الذهبية والمشغولات الفضية فتعد اليوم سمة بارزة في السوق ناهيك عن المحلات المتخصصة ببيع جهاز العروس.

وللبضائع القديمة مكانة مرموقة في السوق رغم التطور ومرور الزمن خاصة اللبان بأنواعه (البدوي والميطي والجاوي)، وكانت تستورد من عمان، غير أن ارتفاع أسعارها دفع التجار لجلب أنواع أخرى ارخص من الصومال يضاف إلى ذلك الحناء الغيلي الشهير والبخور.