ليس ثمة شيء في تاريخ العرب قبل الاسلام كان له من الخطر والأثر في حياتهم؛ ما كان لسوق عكاظ في مواسمها العامة، فقد كانت عملا حضاريا فريدا من نوعه وظاهرة متميزة قلما شهد تاريخ الأمم مثيلا لها في تنوع أغراضها ووجوه نشاطها ووفرة ماكان يكون بها من حاجات وشؤون مختلفة شملت جوانب كثيرة من حياة العرب الاجتماعية والتجارية والسياسية والأدبية فكأن العرب كلها اختصرت في مجمع واحد، فكان مجمعهم في مواسم عكاظ.

كانت متاجر العرب وغير العرب تحمل من مواضعها الى عكاظ، فيقصدها في موسمها من أراد الميرة أو التجارة على السواء، فلما عظم شأنها وصارت مجمعا عاما للعرب أمها الشعراء والخطباء، وكان معظم همهم انتقاء الكلمات الفصيحة المشهورة عند قبائل العرب ولا سيما قبائل الحجاز ونجد وما اتصل بها أو جاورها طمعا في أن تنتشر أقوالهم في العرب كافة، فكانت عكاظ بذلك من المواسم الدينية الكبرى والأسواق العامة الأخرى أقوى عاملا في توحيد لغة العرب وتهذيب لهجاتهم واختلاط قبائلهم والاقتراب من المجتمع العربي القومي الواحد.

وقد كانت وحدة اللغة والافكار المقدمة الكبرى التي سبقت الاسلام مترقبة لأوانه، وقد قال عباس محمود العقاد: الشعور بالعربية والفخر باللسان العربي مقدمة لا بد منها للدعوة التي واجهت العرب بآية البلاغة في القرآن الكريم. ذلك أن لهجات القبائل العربية كان بينها تفاوت في النطق والمفردات والقواعد، يكثر ويقل تبعا لاختلاف عوامل المكان والزمان التي يؤثر اختلافها وتفاوتها أعظم ثأثير في اللغة.

ولئن كانت عكاظ بدأت سوقا تجارية أو موسما دينيا فلقد انتهت في أثرها إلى تطور عميق في مجتمعات العرب وحياتهم ولولاهما لكانت لغة العرب لغات من العسير على أصحابها أن يفهم بعضهم على بعض شيئا بها، فعكاظ لم تكن سوقا وحسب، وإنما كانت عالما كبيرا للعرب فيه كثير من الحقائق على كثير من الخيال فكانت أقصى أمانيهم زيارة السوق.

فكأن العرب الذين أقاموها سوقا لتجاراتهم وموسم عباداتهم ما لبثوا بحكم ما فطروا عليه من الخصائص القومية حتى توسعوا فيها فجعلوا منها معرضا اقتصاديا كبيرا عرضوا فيه سلعهم وغلاتهم وأنعامهم وصناعاتهم وما كانوا يجلبونه اليها من البلاد الأخرى، وأقاموا فيها مجمعا فكريا عاما، تداولوا فيه الأشعار والخطب وأخبار فرسانهم وحكمائهم ومكارم أخلاقهم وحكايات أيامهم. هذا بالاضافة الى المجالس الاجتماعية والأندية السياسية، يتشاورون فيها، ويعلنون من منابرها عهودهم وعقودهم ليكون العرب على علم بها وشهودا على حسن تنفيذها واحترامها.

لقد كان موسم عكاظ أعظم مواسم العرب، ولم يكن بين سائر المواسم ما يضاهيه في تفرد خصائصه وتنوع وظائفه.

أما اليوم بعد هذا التاريخ الحافل للعرب أصبح هناك سوق آخر يتبارى فيه آسيويون بفصاحتهم وهو سوق الجمعة، وترى في هذا السوق العجب من اللغات وتأتي اللغة العربية في آخر القائمة هزيلة لا معنى لها بعد أن أضاف لها الآسيويون نكهتهم في التعديل، فأصبحت بلا معنى، فتحسرت على لغة العرب ولغة القرآن لغة المجد والقوة... أين نحن الآن من سوق عكاظ؟

فسوق الجمعة محا كل ما يعتز به العرب سابقا، وهو اليوم يحتاج منا الى انقاذ بعد هذه الغفلة.

[email protected]