المبدع الحقيقي هو من يستطيع تحويل أحلامه إلى أفكار ومن ثم لإنجازات، تلك حال الفنان فاروق أبو عماد، في تجسيد ما عجز عن تحقيقه بمزاولة الرياضة الميكانيكية إلى البحث عن البديل بالفن والريشة. فأنجز أول معرض فريد من نوعه في لبنان والعالم من حيث المضمون، حين جسد تاريخ عالم سيارات السباق، القديمة والحديثة، منذ العام 1884 حتى تاريخه.
«دقائق تستعيد ١٣١ عاماً وحقبة من الزمان، تجر ما فيها من آليات إلى قصر وجدران، من شارع وحلبة سباق إلى لوحات وفن وألوان»، هكذا كتب أبو عماد في الدعوة لمشاهدة معرض «ريسينغ آرت»، الذي أقيم في «قصر الأونيسكو».
لوحات تبدو للناظر إليها كما لو أنها حقيقة في حلبة السباق. استطاع الشاب المبدع أن يعطيها الحياة بريشته رسمت باليد بتفاصيل دقيقة وعميقة. كل لوحة تحدثت عن نوع الهيكل الخارجي مع وضع تاريخ الصنع وسرعة السيارة ونقاط الربح في بطولة العالم. تفسيرات مسيرة كل سيارة مجسدة في اللوحات.
فكرة فريدة من فنان موهوب حول موهبته إلى رسم نادر، مبتعداً عن المواضيع المتعارف عليها في اللوحات التقليدية. يقول أبو عماد: «أردت الخروج عن السائد والمألوف والقول إن كثيراً من الناس يرسمون الطبيعة والوجوه، لكن لا أحد أقدم على رسم تاريخ السيارات».
لكن لماذا السيارات بالتحديد؟ يجيب: «كون سباق السيارات شغفي. وعجزي في الحياة عن تحقيق الحلم في قيادة سيارات الرالي استطعت أن أحقق عبر الريشة، نظراً لارتفاع التكاليف المادية للرياضة الميكانيكية. المهم إيصال الفكرة، سواء بالرالي أم بالرسم. عدا أنها لوحات تدغدغ شريحة كبار السن لما لها من ذكريات واستقطاب رغبة شريحة الشباب».
في اللوحات يعود أبو عماد بنا بالسيارات إلى حقبة تاريخية من الزمان. في رحلة فن وألوان عن حلبات سباق وسيارات أبطال حققوا إنجازات في «رالي السيارات». منذ أول سيارة صنعت في التاريخ 1912 تقاد على الفحم الحجري، المقود أشبه ب«الحنفية»، حيث كان الركاب والظهر خلف السائق، يقول أبو عماد: «مخترع السيارة ترك بصمات ما زالت مصدراً ووحياً لأهم مهندسي السيارات في العالم، لكون السيارة مؤلفة من 4 إطارات، اثنين متحركين في الأمام وآخرين في الخلف والدفع خلفهما».
أول سيارة بولوت (4 سيلندرات)، تخترع في العالم وتشارك في السباق عام 1910، إلى أول سيارة شاركت ببطولة العالم «ألفا روميو» 1912، ذات المقود اليدوي. رسمت بأدق التفاصيل الدقيقة، كأن كتب شعار الشركة الصانعة داخل غطاء صغير في الوسط على «الجنط»، حجم 4 سم.. وحرص على رسم السنابل داخل «الجنط» بشكل هندسي دقيق بالفحم الحجري مع ترك السنابل باللون الأبيض.
في لوحات أبو عماد الكثير من الحكايا عن تواريخ وإنجازات أنواع سيارات السباق، كأن يخبرنا عن سيارة «لانسيا»، التي اخترعت عام 1905، وشاركت العام الذي يليه في السباق، بقيادة صاحب الشركة الذي صنعها. تتوزع سيارات «فورد» في لوحات وتواريخ مختلفة، يقول: «من أكثر السيارات التي حققت بطولات لم تعتزل الراليات في كل العصور».
أيضا هناك سيارة بطل أبطال الشرق الأوسط الإماراتي محمد بن سليم 1998، كما توجد السيارات التي شارك بها بطلا الرالي في لبنان كانت حاضرة بحضور سائقيها روجيه فغالي وفيليكس ياغي.
لا يرسم أبو عماد من عبث، بل نتيجة عدة أعوام من البحوث، بحسب ما يقول، مضيفاً: «استقيت مصادر المعلومات من الإنترنت، إلى جانب جهد 4 سنوات عمل على أوقات غير متواصلة في الرسم». يوضح أن الرسمة الواحدة تتطلب ساعتين إلى يوم كامل، خصوصاً تلك المرسومة بالفحم الحجري، فهي بحاجة لجهد كبير نظراً لأنه يتعامل مع اللونين الأبيض والأسود، ولا يملك القدرة على التحكم بهما، حسب ما يقول.
ويضيف: «خلال الرسم أنفذ ما أطمح إليه، أرسم الكثير من السيارات بأشكال انسيابية للهواء، أريد إيصالها لشركات التصنيع، سعياً لطموحي في أن أسهم في تطوير».
علاقته مع الرسم بدأت في عمر الست سنوات. واجتهد في تطوير الموهبة إلى إتقانها كهواية بمجهود شخصي. يقول: «رسوماتي متنوعة.. لكن منذ طفولتي أميل إلى رسم السيارات. وأول سيارة رسمتها كانت فورد كمارو. وحين بلغت 14 عاما من عمري كنت أسير مسافة 7 كيلومترات لمشاهدة سباق الرالي في الجبل. وأتخيل نفسي أشارك».
يتذكر أبو عماد، طفولته قائلاً: «كنت أرسم داخل جدران منزلي الأربع وانظر إلى الشباك على أمل تحقيق الحلم، وأنا أرسم الأحلام. عندما تيقنت من عدم القدرة على الوصول، فما كان مني إلا أن خرجت إلى الطبيعة أرسم لأعطي لأحلامي المدى. وصرت أعتبر منصة الرسم هي الشباك الذي أنظر من خلاله إلى اللوحة المرسومة».
أثناء الرسم يحقق أبو عماد هوايته، يقول: «أشعر كما لو أني أشارك في حلبة سباق. وكلاهما بحاجة للصبر. سائق الرالي يكون في انتظار أجزاء الثواني لإنهاء السباق، تماماً مثل الرسام».
وعن المبتغى من عرض لوحات لا تبغي الربح، يقول: «أحب أن انطلق بالفكرة من بلدي، على أمل أن ينقل المعرض خارج حدود الوطن، سعيا للوصول إلى العالمية». ويضيف: «عسى أن أستطيع الوصول إلى شركات تصنيع السيارات من أجل تصميم أشكال، أحصل من خلالها على فرصتي بتأمين السيولة لتحقيق الحلم الأكبر بالمشاركة بسباقات الرالي.. وعلى الرغم من أن باب الأمل قليل، فإني حتى لو أصبحت على مشارف السبعين من العمر وأحمل العكاز يجب أن أملك سيارة سباق خاصة بي».
فكرة أبو عماد في الإصرار على تحقيق أحلامه، لم تلق الكثير من التجاوب المجتمعي، يقول: «للأسف الناس غالباً ما تتجه لطرح السؤال الأول عن النتيجة المادية وأني أضيع مستقبلي المهني والعائلي. لكن بعد إقامة المعرض بدأت الفكرة تلقى التقبل من الناس. أؤمن أن لدي رسالة فنية في الحياة وحرام ألا أوصلها للناس».
أما ما يضايقه من كلام الناس حين يقول له البعض: «ترسم كل سيارات العالم ولا تملك سيارة»، ويرى أن ما يزعجه عدم تقدير البعض لفنه، خصوصاً عندما يأتي أحد ما ويتلف له رسمة بوضع يده عليها قبل أن يجف اللون.
وعلى الرغم من ذلك، شغف أبو عماد قاده إلى أن يعكف على الإشراف على وضع البصمات الأخيرة على السيارة التي صنعها منذ 8 سنوات. لم يختر اسماً لها بعد وهي في مرحلة الدهان. يقول: «صنعت سيارة خاصة وضعت تصميمها وهيكلها وجميع المستلزمات الخاصة لتكون صالحة للقيادة في غضون أشهر قليلة. ووزنها يبلغ 550 كلغ، وهي خفيفة الوزن وأراهن أنها ستحدث ضجة».