إنسان تميز بالهدوء، ولا يجذبه صخب الحياة، عاش وتربى على بساط من البساطة، وحب الوطن وعشق التعلم . أحب الطبيعة والجمال الرباني . يعشق تربية الغزلان، فتجذبه رقتها وجمالها . لا يرضيه القليل من التعليم، بل يريد تحصيل المزيد . تمنى في لحظة من عمره أن يصبح طياراً في القوات المسلحة، وبعد دراسته الجامعية في مجال الإعلام أراد أن يكون مذيعاً لامعاً، ولكن القدر وجَّهه إلى مجال التعليم . إنه سيف راشد المزروعي وكيل مساعد للخدمات المؤسسية والمساندة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي . رجل يسعى في الحياة واثقاً بأن الخير يتبعه وأن كرم الله لن يفارقه، مادام يسير في خطى نحو رضاه وطاعته . لا يمشي في الأرض مرحاً، وأحلامه التي لا تتوقف تدفعه للانتقال من مرتبة إلى أخرى في القطاع التعليمي، ويتمنى أن ينقل خبراته، ويصقل عقول الشباب الجامعي بالعلم .

متى وأين ولدت؟

- ولدت في الأول من يونيو/حزيران العام ،1964 في فلج المعلا التي كانت تعد قرية في الماضي، ثم أصبحت مدينة تابعة لإمارة أم القيوين، وقد سميت بهذا الاسم بسبب وجود مجرى مائي ضيق فيها، تمت توسعته .

هلا وصفت لنا الحياة في فلج المعلا؟

- فلج المعلا عبارة عن منطقة زراعية وسط الصحراء تسمى المجيص، كان الناس يتجمعون فيها لقضاء الصيف والاستمتاع بجوها البديع في هذا الفصل الحار، وكانت تتميز بوجود النخيل والفواكه وبرك الماء المنتشرة، وبقلة الرطوبة نظراً لبعدها عن البحر .

غلبت على حياتنا البساطة في الستينات والسبعينات، كانت بيوتنا مبنية من سعف النخيل، وكان اعتمادنا على الزراعة وتربية الأغنام والمواشي والجمال، وكانت فلج المعلا تستقطب العديد من التجار، وتشكّل سوقاً صغيراً للبيع والشراء، وتضم عيادة صغيرة في المنطقة يديرها ممرض باكستاني اسمه نواز، ولكن من كثرة خبرته كنا نعتبره طبيباً .

مبادرة مشجعة

أين تلقيت تعليمك على مدار المراحل التعليمية المختلفة؟

- في صغري لم يكن في المنطقة التي أعيش فيها أية مدرسة، لذلك كنت أدرس في إحدى مدارس قرية مجاورة هي الآن مدينة الدير، وكان يصعب على البدو في ذلك الزمن السماح لأبنائهم بالذهاب يومياً إلى المدرسة نظراً لبعد المسافة، فبادر سلطان بن علي العويس، رحمه الله، إلى منح كل طالب يلتزم بالذهاب إلى المدرسة، شوال أرز أو طحين وكمية من العدس والقهوة في نهاية كل فصل دراسي، ولاقت تلك المبادرة القبول من العديد من الأسر، وأدت إلى تخريج المعلمين والمهندسين والأطباء، وأصبح لهم مواقع كبيرة في جميع مناطق الدولة، وقد حصلت على نسبة 65 في المئة في القسم الأدبي في العام 1981-،1982 وكنت أريد أن أصبح طياراً وأن ألتحق بالقوات المسلحة، ولكن والديّ نصحاني بالالتحاق بكلية الإعلام في جامعة الإمارات، حيث كان لي دور بارز ومتميز في الإذاعة المدرسية، ونلت شهادات كثيرة تقديراً لأسلوبي في الإلقاء .

أكملت الدراسة الجامعية، وتخرجت في العام 1986 ضمن الدفعة السادسة للإعلام، ولكن عندما أردت أن أتقدم للعمل، لم يكن متوافراً في مجال الإعلام في أم القيوين، فتوجهت للعمل في مجال التعليم، لأنه الوحيد الذي كان متوافراً .

أين عملت بعد ذلك؟

- عُيّنت مدرساً في وزارة التربية والتعليم في أم القيوين حتى العام ،1990 وخلال تلك الفترة أصدرت وزارة التربية والتعليم تعميماً بوجود وظائف شاغرة في الملحقية الثقافية في باكستان والأردن وفرنسا، فتقدمت بطلبي، ولكن أصابني الإحباط عندما علمت أنهم يشترطون الخبرة، وبعد إجراء المقابلة الشخصية كنت أضع في عقلي أنهم لن يقبلوني لوجود متقدمين أكبر مني سناً وأكثر خبرة، وكنت أبلغ من العمر آنذاك نحو 23 سنة، وكانت المفاجأة أنهم قبلوني، ولكن أعطوني بعض النصائح وهكذا التحقت بالملحقية الثقافية في الأردن ودرست الماجستير هناك، وتزوجت في تلك الفترة زواجاً تقليدياً عن طريق الأهل، وعدت في العام 1994 إلى الوزارة في الإمارات بعد حصولي على الماجستير، وكلفت بالعمل في إدارة معادلة الشهادات في وزارة التعليم العالي، وبدأت التنقل فيها من قسم إلى آخر، حتى توليت منصب وكيل مساعد للخدمات المؤسسية والمساندة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي .

موسوعة شاملة

كيف كانت نظرة أولياء الأمور إلى عقوبة الضرب في المدارس؟

- كان التعليم في الماضي موسوعة شاملة مكتظة بالمعلومات العامة مقارنة بما يتلقاه أجيال العصر الحالي، ولم يكن أهلنا متعلمين في ذلك الوقت، ولم يكن هناك أحد يوجهنا إلى التعلم الصحيح غير المدرسة، لذلك عندما كنا نهمل في حل الواجب المدرسي، نتلقى عقوبة كبيرة من الأساتذة، وبالرغم من ذلك لا تجد الطالب يشتكي مما يتعرض له، وإلا تعرض إلى عقاب آخر من الأهل الذين يحضونه على التعلم، وكان أولياء الأمور يقولون للمعلمين: لا تسلملي إلا العظم والعين، ولم يكن هناك شيء اسمه إجازة مرضية ولا يوجد غياب إلا في حالات قصوى وطارئة .

كم لديك من الإخوة، وهل اختلف أسلوب التعامل بين الإخوة في الماضي عنه في الوقت الحاضر؟

- لديّ 5 إخوة و6 أخوات، وكان الأخ الأكبر لنا بمثابة الوالد الذي تهمه مصالحنا، فقد ضحى من أجلنا، وترك دراسته وهو في الصف السادس الابتدائي وتوجه إلى الجيش قبل قيام الاتحاد ليدافع عن الوطن، وكان يساعدنا على تحقيق أهدافنا الشخصية بالدعم المادي والمعنوي، وفينا من أصبح معلماً أو معلمة، ومنا من عمل في المجال الإداري، وتأصلت فينا الروابط الأسرية، فمانزال نجتمع أسبوعياً نحن وأولادنا في بيت والدتنا، لتبادل الحوار ونتشاور في كيفية توفير المساعدة لمن يحتاج إليها، فمهما تعرفنا والتقينا بمن حولنا يبقوا هم الجهة الاستشارية الأولى لكل واحد فينا، وكلنا اليد التي تقف لتساند الآخر، كما أننا حصلنا على تكريم في الأسرة المثالية عام 2010 من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات رئيس الاتحاد النسائي العام الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة .

الكثير من التغير لدى أجيال العصر الذي نعيش فيه على صعيد العادات والتقاليد، فما السبب في ذلك؟

- هناك أسباب عدة دفعت الأجيال الجديدة إلى ترك المعتقدات والأخلاق والعادات والتقاليد التي تربينا عليها، فالانفتاح الكبير على العالم من خلال وسائل التكنولوجيا الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي، جعلهم يطلعون على معتقدات شعوب كثيرة، ويتأثرون بها، كما أن الحياة برمتها والبيئة البسيطة التي تربينا فيها قد اختلفت، وانشغل الآباء والأمهات عن الأبناء، وتركوهم ليواجهوا الحياة بأنفسهم، بينما عمل آباؤنا وأمهاتنا عندما كنا صغاراً على أن يغرسوا فينا الخصال الحسنة، فتربينا على ضرورة إقامة الصلاة في وقتها، وعلى احترام الكبار وعدم رفع أصواتنا عليهم، كما تعلمنا في صغرنا الانتظام وأن نعطي كل ذي حق حقه، وألا نتشاجر، وكانت أوقات الطعام والنوم مقدسة، فمن لا يجلس مع العائلة وقت الطعام فلا طعام له، ومن يعود إلى البيت بعد صلاة المغرب لا مكان له، فقد تسبب الخلل في هذه القواعد في تخلي الأجيال الجديدة عن كثير مما تربينا عليه، ومما تربينا عليه أيضاً مساعدة ومسامحة الآخرين .

كم عدد أولادك؟ وهل يمكنك وصف علاقتك معهم؟

- لديّ 5 بنات، وصبي واحد آخر العنقود، إن مريم ابنتي البكر، تدرس تخصص الصيدلة، ولديّ فاطمة تتخصص في طب الأسنان، وشيخة وهي في السنة الأولى من المحاسبة، وعائشة سوف تنضم إلى الجامعة في العام الحالي، ومازالت آمنة وراشد في المرحلة المدرسية حتى الآن .

إنني أسعى إلى توفير جميع سبل الاستقرار، كما أترك لأبنائي حرية الاختيار في كل شيء، ولكني أقوم بتوجيههم إلى الطريق الذي يجب أن يتبعوه، وهم يتميزون بالهدوء وعدم التسبب في المشكلات وهذه إحدى الصفات التي ورثوها عني، كما أنهم ورثوا عني حبي لتربية الحيوانات ولعب كرة القدم، وورثوا عن أمهم حب هواية الرسم، والقراءة .

كما أنني أحاول دائماً حضهم على العمل الصالح والعبادة، وتجنب الوقوع في المشكلات، والتعامل مع الأمور بشكل صائب، وتقوم والدتهم بالدور الكبير في تربيتهم وتعليمهم، فلا يمكن نكران ذلك .

كرة القدم

أذكر لنا بعض الألعاب والهوايات التي كنت تمارسها منذ الصغر؟

- كنا نقوم بتصنيع أفضل ألعابنا بأيدينا مستخدمين سعف النخيل فنشكّل الجمال والسيارات منها مثلاً، كما أنني كنت من محبي لعبة كرة القدم وما أزال، أعشقها منذ طفولتي وقد شاركت في النادي الرياضي ليس لممارسة لعبتي المفضلة فقط، ولكن لإيماني بأن النوادي الرياضية تحمل رسالة مجتمعية إيجابية، فهي تبعد الشباب عن الذهاب إلى مراكز التسوق وتضييع الوقت في المقاهي، ولكني بعد أن أصبت في قدمي توقفت عن اللعب .

ومن هواياتي الأخرى التي لا أزال أمارسها أيضاً القراءة، فأنا دائماً أطالع الصحف اليومية وأتصفحها جيداً، كما أحب قراءة الكتب والروايات والقصص، أعجبتني كثيراً روايات غازي القصيبي ومنها روايته الجنية، وهي مشوقة جداً، وأحب أيضاً أسلوب محمد حسنين هيكل في كتاباته عن العلاقات الدولية، حيث تجذبني السياسة بحكم دراستي، وأفضل القراءة قبل النوم .

كذلك أنا من محبي تربية الحيوانات الأليفة، وأحب بشدة الغزال، ففيه رقة وجمال، ولديّ مزرعة أربي فيها الأغنام، وورث عني أولادي حب الحيوانات وتربيتها .

من تتخذ لك قدوة في الحياة؟

- أحاول دائماً أن أتبع وأطبق ما كان يفعله رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، في تعامله في الحياة مع أسرته وأصدقائه، وأن أتحلى بأخلاقه وصفاته الحسنة، كما أن المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، قدوة لي في كرمه وأخلاقه وحبه للإمارات .

وفي مجال العمل والتعليم، يعد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، قدوة لي، فحزمه وطيبته ودقته وجديته في التعامل مع من حوله وتشجيعه الكبير لمن يعملون معه، دفعتني إلى المحاولة أن أتعلم منه كل هذه الصفات الحميدة في العمل، فعشقه لعمله يدفعني إلى أن أقتدي به، كما أن والدي، رحمه الله، هو قدوة لي في كل شيء، فأحاول أن أتعامل مع الأمور بحكمة وحنكة كبيرة مثله، وكان محباً لوطنه الإمارات يسعى إلى رفع مكانته، ولذلك حثنا على التعلم والعمل .

هل لك شعار في الحياة تتبعه؟

- نعم، أحاول أن أكون وسطياً في حياتي، لأن خير الأمور الوسط، لا أن أكون متذمراً ولا أن آخذ كل شيء على محمل الجد، ولكن إن حصلت على شيء أحمد الله عليه، وإن فقدت شيئاً ما، أحمده أيضاً، كما أضع أمامي دائماً المقولة اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وهذا ما أحاول تطبيقه من خلال العمل وتطوير نفسي تعليمياً، وفي الوقت نفسه أضع الله في عقلي، وإيماني به في قلبي .

ما أمنياتك التي تريد أن تحققها في الحياة؟

- من المؤكد إنني كأي إماراتي تربى على أرض هذا الوطن وعشق شمسه ورماله ومر على مرحلة كانت الحياة فيها بسيطة، وشرب من آباره وعاش على التمر والبلح، يحلم بأن يرى هذا الوطن العزيز في أعلى مكانة وأن يكون الأول في الصحة والتعليم والاقتصاد والتنمية المجتمعية والتعاون مع الدول العربية والإسلامية كلها، وأن يسوده الاستقرار والرخاء لجميع أبنائه . وأن تستمر حركة التنمية فيه، متمسكين بأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة، كما أتمنى أن يستمر تطور التعليم ولكنني أخشى على شباب وفتيات هذا الجيل والأجيال المقبلة من أن ينخرطوا في طريق العولمة، وأن يبحروا في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا نهاية لها ولا حدود أخلاقية فيها، فالتعليم كالكائن الحي يتأثر بما حوله .

وأتمنى كذلك أن أقوم بالتدريس في أي من جامعات الدولة وأن أعد رسالة الدكتوراه في العلاقات الدولية . التي يمنعني من البدء فيها، أنها تحتاج إلى تفرغ للتركيز في موضوعها كما كنت أحب السفر، لكن بسبب كثرة أسفاري لبعض مهمات العمل، مللته .

فرح وحزن

هل مررت بفترات فرحت فيها، وأخرى حزنت فيها بشدة؟

- بالتأكيد مررت بفترات مفرحة تركت ذكرى جميلة، فعندما كنت أنجح وانتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى وأرى والديَّ سعيدين بما أنجزته كان ذلك من أكثر أوقاتي سعادة، كما فرحت عندما رأيت أول مولود لي، إضافة إلى فرحي عندما أترقى في عملي وأشعر بإنجاز جديد في حياتي .

ومن أكثر اللحظات التي حزنت فيها بشدة لحظات وفاة جدتي ووالدي، وكانت تفصل بين الصدمتين شهور قليلة، فكلاهما كان يربطني به الحب والعطف لا يمكن وصفه، وساعات الفراق من أصعب اللحظات التي نمر بها ونقضيها مع من نحب ولا نستطيع أن نساعدهم فيها أو نفعل أي شيء، ولكنها سنة الحياة التي كتبت علينا جميعاً .

ومن المواقف التي أثرت فيَّ بشدة وفي شعب الإمارات عامة، خبر وفاة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، فلم نكن نتخيل دولة الإمارات من دون زايد أبداً .