على الرغم من أن الفيلم السينمائي القصير هو البوابة الحقيقية التي عرفت الجمهور إلى فن السينما عند بداياته قبل قرن، إلا أنه لم يحظ بنفس جماهيرية وشعبية الأفلام الروائية الطويلة، وتوقف نجاحه عند بداياته التي صنعها بقوة شارلي شابلن ولوريل وهاردي أثناء السينما الصامتة، وتراجع إنتاجه وعزف عنه النجوم لصالح الأفلام الطويلة التي نجحت في فرض نفسها كنموذج للفن السابع، وانحصرت شهرة الأفلام القصيرة بعد ذلك لعقود واقتصرت على الأفلام الوثائقية والتسجيلية .
ورغم محاولة إحيائها بالثمانينيات من القرن الماضي، وتخصيص مهرجانات فنية له توازي كان وبرلين وتمنح جوائز مرموقة على غرار الأوسكار، إلا أن جماهيريتها ظلت محدودة في المهتمين بهذا النوع من السينما أو بعض المثقفين .
وخلال السنوات الأخيرة بدأ نوع جديد من سينما الإنترنت يحقق شعبية كبيرة وجماهيرية واسعة، ووصل عدد متابعي بعض الأفلام إلى 8 ملايين مشاهد، وهو رقم لا تحققه كثير من الأفلام الروائية الطويلة، وتغيرت طبيعة الفيلم القصير إلى القصير جداً، وبدلاً من مدته التقليدية التي احتفظ بها لعقود تراوحت بين 20 و30 دقيقة، أصبحت لا تتجاوز 6 أو 9 دقائق، وحطم فيلم سوليدر بوىSOLDIER BOY من إخراج لي شول الرقم القياسي العالمي في إنتاج أقصر فيلم في العالم مدته 7 ثوانٍ .
وتغلبت هذه النوعية من الأعمال السينمائية على مشاكل الشكل التقليدي الذي عانى من ضعف شهرته بمجال التوزيع الكلاسيكي، ليتمكن بفضل الإنترنت، والهواتف الجوالة من تحقيق انتشار لم يكن أكثر المتفائلين بمستقبل هذه النوعية من الأعمال السينمائية يحلمون به .
ويبقى التحدي الرئيسي أمام هذه الأفلام هي مدى براعة المخرج في عرض الفكرة، ومعالجتها بشكل منطقي خلال عدة دقائق، يستطيع من خلالها إيصال المضمون إلى المتلقي، وإذا كانت بداية هذه الأعمال عبارة عن مشاريع تخرج لطلبة أكاديميات السينما خاصة الأمريكية والأوروبية، إلا أنها أصبحت الآن منجماً لاكتشاف الموهوبين المهتمين بالكاميرا من جميع دول العالم، حتى ولو كانوا هواة .
وأسدت مواقع عرض الفيديوهات المصورة خدمة كبرى لمئات المواهب الذين تعرف إليهم العالم بعد عرض إبداعاتهم على مواقع مثل يوتيوب وVIMEO فيميو الذي يسمح بمشاهدة الأعمال مباشرة من دون الحاجة إلى تحميلها، وبلغ عدد أعضائه منتصف العام الماضي 3 ملايين مشاهد، ومتوسط الأعمال المشاهدة يومياً 16 ألف فيديو جديد، وهو أحد المواقع المفضلة لدى مشاهير الغناء، الذين يضعون أعمالهم الجديدة دوماً عليه، لتلقى ردود أفعال حقيقية مباشرة، ومن أشهرهم كايني ويست، وبريتني سبيرز حيث كان أول من بث كليبهما الجديدRADER .
كانت صحيفة ذا أوبزرفر البريطانية قد رصدت عدداً من المخرجين المبدعين، المبتكرين، الذين أسسوا لموجة جديدة من السينما، وصنعوا أفلاماً تتوفر فيها العناصر الرئيسة للعمل السينمائي، من قصة وحوار، وموسيقا تصويرية، ويمر بكافة مراحل الإعداد والمونتاج، حتى يصدر بشكله النهائي الذي لا يتعدى دقائق محدودة، بعضهم قدم أعمالا جذابة، أفكارها مشوقة، والآخر يثير الملل، والبعض يبعث على التفكير، وآخر يوثق لموقف أو قضية، قد نتفق أو نعترض عليها، لكن أغلبها محاولات تستحق الإشادة .
وتتميز هذه الموجة الجديدة من الأفلام القصيرة جداً بتنوعها، فمنها الدرامي، والرسوم المتحركة، والموسيقا، والوثائقي، ويتنافس الجميع في بيئة صعبة للغاية، فوفقاً لأحدث الدراسات يقضي كل مستخدم في العالم دقيقة يومياً على الأقل زائراً لموقع يوتيوب فقط ما يعني أنه يتعين على المخرجين جذب انتباه المشاهد لعمله السينمائي خلال أول 30 ثانية فقط، يركز خلالها على المفاجآت، الصدمات، الإثارة، الحيل، الإبهار . وآخرون يلجأون إلى أسلوب مختلف يعتمد على إخراج فيلم مملوء بالتفاصيل، يحتاج إلى المشاهدة مرات ومرات، أو تحميله لإعادة تشغيله وإيقافه بكل مرة يحتاج فيها إلى فهم الحدث، أو التوقف عنده، وهو ما نجح فيه الفيلم البريطاني PETEER AND BEN الذي بلغت عدد مشاهداته على اليوتيوب خلال يوم واحد 300 ألف مشاهدة، ويحكي قصة صداقة حقيقية بين رجل وجدى، والفيلم من وثائقي أخرجته البريطانية PINNY GRYLLS عام ،2007 ويمكن مشاهدته على موقع TINY URL COM، أنجزته المخرجة لمصلحة برنامج الشراكة مع مجلس الفنون الإبداعية، ومقتبس عن قصة حقيقية عايشتها المخرجة مع أحد أقاربها الذي فضل الانعزال في مزرعته بالريف الأسكتلندي مكتفياً بصداقة حقيقية مع جدي، ونفذته بعد حصولها على تمويل من مجلس الفيلم البريطاني، وحصد عدة جوائز بمسابقات مخصصه بهذه النوعية من الأفلام .
وقال عنه المخرج الألماني وارنر هيرزوج الفائز بأول مسابقة للشبكة العالمية للأفلام القصيرة قصة الفيلم بسيطة للغاية، ويستحق النجاح، لقد مزجت المشاعر بكثير من الإثارة .
وأسست جريلز بعد ذلك مع المخرجة راتشيل ميلوراد مهرجان Birds eye view الخاص بالإبداعات النسائية فقط في مجال الأفلام القصيرة جداً، ويهدف إلى تشجيع صاحبات الفكرة المميزة والتنفيذ المحترف، على الاستمرار في تقديم الجديد دوماً .
وعن فئة الأفلام الصامتة حقق فيلم الثقب الأسود THE BLACK HOLE للمخرجين فيل سانسوم وأولي ويليامز ويبث على موقع TINY URL .COM ، نجاحاً غير مسبوق بعد أن بلغ عدد مشاهديه 8 ملايين مشاهد، وفاز عام 2008 بجائزة فيرجين الإعلامية للأفلام القصيرة، ويؤدي فيه الممثل نابليون راين دوراً رائعاً لعالم آثار يكتشف مقبرة جماعية أثناء عمله، واعتمد على أدائه التعبيري بحركات العينين، وكانت الموسيقا التصويرية المصاحبة نموذجاً وكانت بمثابة بطولة خاصة .
ورصدت الأوبزرفر فيلم حمامة المستحيل pigeon impossible للمخرج لوكاس مارتين وأخرجه عام ،2008 ومدته ست دقائق، ويذاع على موقع خاص يحمل نفس عنوان الفيلم، كأفضل فيلم قصير جداً عن فئته، حيث يتميز بالحرفية العالية في تنفيذه خاصة أنه ثلاثي الأبعاد، لديه بعد سياسي راقٍ، فالطائر في الفيلم يطارد شخصاً يحمل حقيبة بها متفجرات، وتعمل الحمامة رمز السلام على منعه من تسليمها .
بلغ عدد مشاهدي الفيلم على الموقع الخاص به من دون احتساب تحميله وإرساله إلى مشاهدين آخرين نحو 6 ملايين مشاهد، وكان موضع إشادة كبيرة من النقاد الذين يعتبرونه من النوعية الممتازة،خاصة مع انخفاض كلفة إنتاجه التي لم تتعد 10 ألاف دولار فقط، على حين كانت ستصل إلى 3 .1 مليون دولار إذا نفذت في أي من استوديوهات هوليوود .
وجنى المخرج ثمار الشهرة الواسعة التي حققها له الفيلم سريعاً، حيث سارعت معامل بارتيزان البريطانية للرسوم المتحركة بالتعاقد معه لمدة خمسة أعوام .
أما فيلم carousel وهي لعبة شهيرة بمدن الألعاب (الملاهي) القديمة التي تدور على أصوات الموسيقا، والأطفال يمتطون كراسيها على هيئة خيول خشبية، وأخرجه السويدي آدام بيرغ عام ،2009 فقدم شكلاً جديداً لهذه الأفلام التي لا تخضع لرقابة أي جهة، أو مؤسسة، والفيلم مملوء بمشاهد العنف والمطاردات بين رجال شرطة ولصوص يتبادلون إطلاق النار، ومشاهد المتفجرات والأسلحة والقتلة المتخفين بزي المهرجين فجة لم تكن لتظهر أبدا على أي شاشة سينما عالمية .
حقق بيرغ في فيلمه معادلة جديدة، حيث نجح في جذب شركة فيليبس لتمول إنتاج الفيلم، وأنجزه في عطلة نهاية الأسبوع بمدينة براغ، حيث تنخفض التكلفة المادية إلى أدنى حد متصور، ولجأ فيه إلى عدد من الخدع البصرية التي أضفت عليه نوعاً من الإثارة يتفق ومضمونه عن المطاردات، ويبث على موقع .TINYURL .COM
المخرج الايراني الأمريكي رامين بحراني قدم فيلماً رائعاً مدته 15 دقيقة، يحكي قصة حقيبة بلاستيك بعد انتقالها من منزلها وهو المتجر الموجودة به، مروراً برحلتها إلى منزل صاحبها، وانتهاء بمصيرها في أعماق المحيط الأطلنطي، وسط الأسماك، ويقدم الفيلم رسالة بيئية مهمة، عن مخاطر الاستمرار في استخدام الأكياس غير القابلة للتدوير في المتاجر، كما أنه اتسم بروح فكاهة أضفاها صوت الممثل وارنر هيرزوج حيث تحدث بلسان الحقيبة البلاستيكية، ويذاع على موقع .TINYURL .COM
أحدث الأفلام قدمها المخرج الفرنسي باتريك جان، بعنوان بكسيل pixels، وعلى الرغم من إن فكرته مستهلكة عن المخلوقات الفضائية التي تغزو الأرض، إلا أنه تمكن من عرضها بشكل بالغ الإتقان والإثارة، خاصة مع تخيله أن هذه الكائنات خرجت بعد انفجار لعبة فيديو، وبدأت محاولاتها غزو مدينة نيويورك .
جان (32 عاماً) حقق شهرة عالمية من فيلمه الذي لا يتجاوز 9 دقائق، ودخل في مفاوضات جادة مع شركتي سوني ودريم وركس للرسوم المتحركة للانضمام إلى أي منهما .
المخرج الأمريكي آدم بسبان 36 عاماً، لديه تجربة مختلفة في هذا المجال، بفيلمه western spaghetti ومدته 20 دقيقة، كل دقيقة من الفيلم تحمل خطوة وشكلاً مختلفاً لأحد أنواع الباستا حول العالم، وهو من النوعية التي تحتاج المشاهدة عدة مرات حتى تصل فكرته، فهو يبدو للوهلة الأولى فيلماً عن الطبخ، لكنه بالحقيقة يتناول مفهوماً أعمق، وهو أن الاختلاف هو الأساس بين جميع دول العالم، ولا يوجد مطبخان يتفقان في طريقة إعداد الباستا التي تتسع لمئات الطرق، لتؤكل بمئات النكهات، ويستمتع بها الجميع، والمعنى الأعمق أنه يجب على كل منا احترام الآخر المختلف معه .