إن اكثر ما كان يجذبني في الصغر وإلى الآن لعبة الشطرنج فهي مبارزة ذهنية تلعبها غالبية الشعوب على أربعة وستين مربعاً باثنتين وثلاثين قطعة . وبرغم مظهرها المتواضع فإن عدد اللعبات التي يمكن تنفيذها عدد خيالي . إن ما يحيط بالشطرنج من حكايات وشخصيات وأفراد يعطيها بعداً غامضاً ويظل أصلها الحقيقي مجهولاً، فربما جاءت من الهند القديمة أو من بلاد فارس، وقد ربط ابن خلدون في القرن الرابع عشر الشطرنج بهندي اسمه صصه بن داهر، وهو رجل حكيم علاّمة .

كان في الهند لعبة قديمة تسمى شاتورانجا وتعني ذات الأطراف الأربعة وربما ترمز إلى الفروع الأربعة للجيش الهندي، وهي الفيلة والفرسان والعربات والمشاة . لم تكن لعبة شاتورانجا كالشطرنج ولكنها تُعد بشير لعبة الشطرنج الحالية وسلفها . جاء في إحدى المخطوطات الفارسية التي تعود إلى القرن الرابع عشر أن سفيراً هندياً أحضر شطرنجاً إلى البلاط الفارسي ومن هناك نقله العرب الذاهبون إلى إسبانيا ومن ثم إلى أوروبا . وقبل أن يصل إلى أوروبا أدخل عليه الفرس تعديلاً فأسموه شاترانج واستخدموه في ألعابهم الحربية . عرف العرب هذه اللعبة واستوعبوها في حضارتهم . كانت القطع المستخدمة في اللعب هي الشاه الملك والفيرزان الجنرال وهو تحول إلى الملكة في الشطرنج الحديث والفيل الذي أصبح الأسقف والفرس والرخ وأخيراً البيدق وهو جندي مشاة . كان الشطرنج لعبة مألوفة جداً عند العامة والنبلاء على حد سواء وأحبها الخلفاء بوجه خاص . وكان من سادة هذه اللعبة المتفوقين الصولي والرازي والعدني وابن النديم، وحين لعب الروسي البارع يوري أفيرباك حركة مدهشة في إحدى بطولاته التي فاز فيها وظن الكثيرون أنها فكرة عبقرية جديدة، اتضح أن الصولي هو مبتكرها قبل أكثر من ألف سنة . ويذكر أن زرياب، الموسيقار المبدع هو الذي حمل الشطرنج إلى الأندلس في مطلع القرن التاسع، وانتشرت لعبة الشطرنج بين مسيحيي إسبانيا والمستعربين ووصلت إلى شمالي إسبانيا عبر جبال البرانس لتعبر الحدود إلى جنوبي فرنسا .

تعود أولى السجلات الأوروبية التي تذكر الشطرنج إلى عام 1058م عندما أحالت إدارة الكونتيسة أرمسند من برشلونة قطع شطرنجها البلّورية إلى دير القديس جايلز في نيم بجنوبي فرنسا . وبعد سنتين كتب الكاردينال وامياني من أوستيا إلى البابا غريغوري السابع يحثه على حظر لعبة الكفار ومنعها من الانتشار بين رجال الدين . وتذكر المصادر أن لعبة الشطرنج انتقلت عبر الطرق التجارية من آسيا الوسطى إلى السهوب الجنوبية لروسيا القديمة ووجدت قطع الشطرنج الفارسية التي تعود إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين في سمرقند وفرغانة وبحلول عام 1000 وصل إلى طرق التجارة المعهودة للفايكنغ الذين حملوا معهم الشطرنج والنقود العربية إضافة إلى تماثيل بوذا إلى الأراضي الإسكندنافية . وبحلول القرن الحادي عشر كان الشطرنج قد شق طريقه مباشرة إلى أيسلندا . وتتحدث ملحمة أيسلندية كتبت سنة 1155 عن الملك الدانماركي كنوت الكبير أنه كان يلعب الشطرنج عام 1027 وبحلول القرن الرابع عشر كان الشطرنج قد لقي قبولاً في أوروبا . ولم يتوقف الشطرنج عن الانتشار خلال القرون الثمانية الأخيرة بل تقدم من طور إلى طور وأدى إلى انتاج بعض الآلات الترفيهية، مثل لاعب الشطرنج الآلي البارع الذي ظهر عام 1769 . وأهدى المجري وولفغانغ دي كمبيلين لملكته الإمبراطورة ماريا تيريزا التي كانت مهووسة بالشطرنج، أهداها آلة روبوت تسمى المسلم الحديدي وسميت فيما بعد التركي العثماني وأخذت الآلة تلعب الشطرنج بمهارة فائقة وتهزم لاعبين من المستوى الرفيع آنذاك . كانت هذه الآلة أول مزيج من الهندسة الميكانيكية والحيل العجيبة، قد حشر داخلها لاعب شطرنج بارع وكان الناس يسافرون أميالاً ليشاهدوا أعجوبة الروبوت اللاعب الذي يلبس العمامة والزي العثماني مدة دامت خمساً وثمانين سنة .

[email protected]