لم يكن شادي عبد السلام واحدًا من أهم فناني العصر الحديث، لأنه يتميز بأسلوبه السينمائي المتفرد فقط، ولكن لأنه كان أحد المناضلين بالفعل في حرب الفن والثقافة، حيث ظل يناضل من محرابه الفني حتى وافته المنية في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول عام ،1986 بعد أن عاش حياة إنسانية قصيرة، وحياة فنية طويلة قدم خلالها العديد من إبداعاته الفنية، والتي زينها بتحفته السينمائية الرائعة المومياء، ولم يمهله القدر لاستكمال مشروعه الثاني، حيث رحل دون أن يتمكن من تحقيق حلم حياته فيلم أخناتون، الذي كتب له
القصة و السيناريو والحوار، فضلا عن تصميم الديكور والملابس، لدرجة أدق التفاصيل وأصغرها، بل رسم مشاهد الفيلم لقطة لقطة . . وبعدها وضع كل ذلك حبيس الأدراج طيلة خمسة عشر عاماً، يبحث عن جهة تنتج الفيلم، يحارب ويناضل من أجل خروج هذا الحلم إلى النور، في الوقت الذي كان يحارب فيه على جبهة أخرى مع عدو شرس لم تأخذه به رحمة ولا شفقة، ولم يتركه إلا جثة هامدة . . ذلك هو المرض اللعين، الذي بقدر خبثه وشراسته لم يجد خصمه مستسلما، بل ظل يقاومه حتى اللحظات الأخيرة .
ولد الراحل شادي عبد السلام في 15 مارس/آذار عام 1935 بمدينة الإسكندرية، وسرعان ما ظهر ولعه وحبه الشديد بالفرشاة والألوان منذ طفولته، غير أن أهم ما كان يسيطر عليه هو الشخصية، الإنسان، تكوينه وفكره وتاريخه، لكنه لم يجد وسيلة لترجمة كل هذه المشاعر إلا بالتحاقه بكلية الفنون الجميلة قسم العمارة، والتي تخرج فيها عام 1955 لتأتي بدايته مع السينما من خلال المخرج الراحل صلاح أبوسيف، حين عمل معه في فيلم الفتوة وكان عمله يقتصر على تدوين الوقت الذي تستغرقه كل لقطة .
تحول بعد ذلك من هندسة العمارة إلى هندسة الديكور بالصدفة حين عمل في فيلم حكاية حب مع المخرج حلمي حليم، وسرعان ما لفت الأنظار فتهافت عليه المنتجون للتعاقد معه لتصميم ديكورات الأفلام، فصمم الديكور في عدد منها ربما أهمها واإسلاماه كما عمل كمصمم للديكور والملابس في الفيلم الأمريكي كليوباترا والفيلم البولندي فرعون عام ،1966 وغيرها من الأفلام للسينما المصرية، بداية من الرجل الثاني عام ،1959 وألمظ وعبده الحامولي، أميرة العرب، رابعة العدوية، شفيقة القبطية، أمير الدهاء، بين القصرين، السمان والخريف وغيرها، وصولا إلى تحفته الخالدة المومياء عام ،1970 والتي قدمها كمخرج ومصمم مناظر وديكور، ومصمم ملابس .
وكان قبل ذلك قد عمل كمساعد مخرج مع صلاح أبوسيف وهنري بركات وحلمي حليم، كما عمل فترة مع المخرج الإيطالي روسليني، وفترة أخرى مديراً للمركز القومي للأفلام التسجيلية ثم مديراً لمركز الفيلم التجريبي حتى وفاته .
رغم حصول شادي على درجة الامتياز في العمارة، إلا أنه لم تكن لديه الرغبة في العمل كمهندس معماري، فبدأ يفكر بالعمل في السينما، بعد أن قضى مدة الخدمة العسكرية، حيث كان مغرمًا بالسينما، ومنعته العادات والتقاليد الأسرية من دراستها، كما أنه لم يكن في ذلك الوقت من نهاية الأربعينات معهد لدراسة السينما في مصر، وإلا لما جاءته الشجاعة لأن يطرق باب بيت المخرج صلاح أبوسيف، ويعمل معه بالفعل من خلال فيلم الفتوة، وبعده عمل مساعدًا له في أفلام الوسادة الخالية، الطريق المسدود، أنا حرة وفي أثناء عمله مع المخرج حلمي حليم في فيلم حكاية حب، حدث أن تغيب مهندس الديكور، فقام شادي بعمل الديكور، الذي كان لافتاً للنظر، مما دفع المنتجين للتعاقد مع شادي على تصميم وتنفيذ ديكورات مجموعة من الأفلام .
عام ،1966 عمل شادي مع المخرج الإيطالي الكبير روسيليني، في فيلم عن الحضارة، مما جعل لروسيليني كبير الأثر على شادي عبدالسلام فنياً وفكرياً، لما يمتاز به الأول من بساطة في التفكير السينمائي مع العمق في نفس الوقت، وإليه يرجع الفضل في تحقيق رغبة شادي للانتقال إلى مهنة الإخراج، التي كانت تسيطر عليه منذ بدأ بالعمل في السينما، لكنها الآن تبلورت لدرجة أنه اكتشف أنه أضاع الكثير من وقته مع الديكور السينمائي، فبدأ على الفور بكتابة فيلمه المومياء، يدفعه إحساس قوي بالرغبة في تقديم ما هو جديد وجاد، دون النظر إلى إمكانية تنفيذه أو عدمها . واستغرق في كتابة السيناريو عامًا ونصف العام، تاركًا خلفه كل شيء لا يتعلق بالمومياء . كان صادقاً مع نفسه منذ البداية، حيث كان يعيش أزمة مالية قاسية، برغم العروض الكثيرة التي انهالت عليه لتصميم وتنفيذ الديكور، والتي كانت ذات أجور مغرية، إلا أنه وجد نفسه غير قادر على عمل أي شيء غير المومياء .
بعد انتهائه من كتابة المومياء، بدأ البحث عن طريقة لتنفيذه، وقتها كان يعمل مع روسيليني، فعرض عليه السيناريو، وبعد أن قرأه روسيليني لم يصدق أن هذا السيناريو يبحث عمن ينفذه . فأخذه فوراً إلى وزير الثقافة المصري، وكان ذلك بمنزلة تزكية واعتراف صادق من مخرج عالمي كبير، بأهمية الفيلم وتنفيذه، لذلك دخل السيناريو ضمن مشاريع مؤسسة السينما، وربما كان من أواخر الأفلام التي قامت المؤسسة بتنفيذها، قبل أن يتم القضاء عليها وعلى السينما المصرية!
بعد المومياء قام عبدالسلام بإخراج شكاوى الفلاح الفصيح، وهو فيلم قصير استوحى فكرته من بردية فرعونية عمرها أربعة آلاف سنة، تتناول قصة قصيرة عن موضوع العدالة، قصة فلاح يستصرخ السلطة لتسترد له حقه وتقيم ميزان العدل، وليس فقط مجرد اللجوء إلى التاريخ أو الوقوع في غرامه .
فلا شك أن التاريخ أخذ اهتماما كبيرا من شادي، فما إن فرغ من هذا الفيلم، حتى وجد نفسه يتجه ناحية الحلم، فيلم أخناتون الذي كتبه وصممه ورسم مشاهده على الكرتون لقطة بلقطة، وعاش سنوات طويلة يعمل عليه، ثم سنوات يبحث عمن ينتجه، ولكن كانت مؤسسة السينما قد انتهت . . بل لم يدر شادي وقتها أن السينما الحقيقية أيضا قد انتهت .
في الفترة مابين عامي 1974 و1980 قام شادي عبدالسلام بإخراج أربعة أفلام تسجيلية قصيرة، بدأها مباشرة بعد استلامه لرئاسة مركز الفيلم التجريبي التابع لهيئة السينما، وهي آفاق 1974 وهو نموذج لأوجه النشاط الثقافي المختلف في مصر، وفيلم جيوش الشمس 1976 ويتناول العبور وحرب أكتوبر ،73 ثم فيلم عن إحدى القرى الصغيرة التي تقع بالقرب من معبد ادفو الفرعوني في أسوان . كذلك قام بعمل فيلم مدته ثلاث دقائق ونصف عن ترميم واجهة بنك مصر .
وفي الفترة التي ابتعد فيها شادي عبدالسلام عن إخراج الفيلم الروائي الطويل، كان كل تفكيره وبحثه منصبّاً على إيجاد منتج لفيلمه اخناتون . لذلك اعتقد الكثيرون أنه قد توقف عن العمل في السينما، خصوصًا عندما صرح لوكالات الأنباء بأنه قد يعتزل العمل السينمائي، وأنه سينصرف إلى تربية الدواجن . ولم يكن هذا التصريح إلا احتجاجا على واقع السينما المصرية، ولم يكن يدري بالفعل أن سخريته باللجوء إلى تربية الدواجن، ستكون هي حال السينما الواقعي فيما بعد!! ويعود شادي في عام 1982 . وفي جعبته عدة مشاريع لأفلام تنتمي إلى الفيلم التعليمي، والذي يسعى من خلاله في مخاطبة العائلة المصرية عبر التلفزيون . فمنذ أن بدأ العمل في السينما، كانت تسيطر عليه قضية مهمة وهي التاريخ الغائب أو المفقود . فقد كان دائما يقول: إن الناس الذين نراهم في الشوارع والبيوت والمزارع والمصانع، هؤلاء لهم تاريخ، فقد ساهموا يومًا في تشكيل الحياة البشرية وصناعتها كلها، كيف نعيدهم ليقوموا بالدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في صنع الحياة والتقدم؟! ولا بد أولاً أن يعرفوا من هم، وماذا كانوا، وماذا قدموا، لابد أن تصل بين الإنسان الواقع والإنسان التاريخ، لتقدم ورقي إنسان بكره، هذه هي قضيتي.
بدأ شادي هذه المشاريع بفيلم الكرسي، والذي يسجل فيه بالكاميرا ترميم كرسي توت عنخ آمون، ولكن بطريقة هي مزيج من التسجيلي والروائي، فقد كانت لديه آمال لتحقيق سلسلة طويلة من الأفلام التعليمية الثقافية، والتي لا تخلو من المتعة والتسلية في الوقت نفسه، منها فيلم عن رمسيس الثاني، وآخر عن بناة الأهرام، وثالث عن أول عاصمة في التاريخ الفرعوني نخن . كما فكر في تقديم ماكبث أسطورة شكسبير الخالدة، ولكن برؤية خاصة من خلال تاريخ المماليك في مصر، ليس هذا فحسب، بل كان يسيطر عليه الطموح والآمال العريضة، والأحلام لعمل سينما حقيقية، سينما تكتشف عظمة هذا الشعب وتاريخه، غير أن كل الأحلام والطموحات تم قتلها بداخله . . قبل أن يقتل المرض الخبيث الجسد الضعيف، ليرحل عن عالمنا في أكتوبر/تشرين الأول 1986 .
حصل شادي عبد السلام على العديد من الجوائز ربما كان أغلبها عن فيلمه الروائي الطويل الوحيد المومياء من بينها: جائزة المؤرخ السينمائي جورج سادول، عن فيلمه المومياء عام ،1970 وهي جائزة يمنحها نقاد فرنسا سنوياً منذ عام 1968 لأفضل مخرج أجنبي جديد وأفضل مخرج فرنسي جديد، ثم جائزة النقاد في مهرجان قرطاج بتونس عام 1970 عن الفيلم نفسه، جائزة أفضل فيلم أجنبي في إنجلترا عام ،1970 جائزة أفضل فيلم أجنبي في إيطاليا عام 1970 .
كما حصل على جوائز من مهرجان فينسيا وإسبانيا وفرنسا عن فيلم الفلاح الفصيح، وجائزة السيداك من اتحاد النقاد السينمائيين الدوليين عن فيلمه جيوش الشمس.