الزائر لمدينة الثغر لا يمكنه بحال أن يتجاوز زيارة الشارع الشهير، الذي تعرفه محافظة الإسكندرية، وهو شارع النبي دانيال، الذي يمتد من محطة الرمل إلى محطة مصر، وهو الشارع الذي لا تتوقف زيارته فقط على المصريين، بل يقصده السائحون والزائرون إلى الإسكندرية عروس البحر المتوسط . تحد الشارع من الشمال بوابة القمر ومن الجنوب بوابة الشمس، وكان يعرف بالطريق الرئيس في الإسكندرية القديمة، وكان يطلق عليه اسم الكاردو دي كومانوس ويضم العديد من المعابد الرومانية ومن بعدها المعابد اليهودية .

يستمد شارع النبي دانيال أهميته من وجوده في غرب منطقة كوم الدكة بما فيها من حمامات رومانية، والمسرح الروماني الذي كان بمثابة قاعة استماع كبرى تلقى فيها أهم الخطب وتعقد أهم الاجتماعات السياسية والمناقشات العلمية، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، ويعد الوحيد من نوعه في مصر .

واستمرت أهمية الشارع حتى العصور الإسلامية، والتي تغير فيها اسمه بعد بناء مسجد النبي دانيال الذي كان في الأصل معبداً يهودياً، في الوقت الذي أدى فيه وجود العديد من الآثار الرومانية تحت المسجد إلى الاعتقاد بأن مقبرة الإسكندر الأكبر موجودة أسفله ودعم هذه الفكرة وجود الجبانة الملكية في تقاطع شارع النبي دانيال مع شارع فؤاد .

إلا أن عدداً من الآثاريين يشككون في هذه الرواية ويؤكدون أن الضريح الموجود في المسجد يقع على عمق حوالي خمسة أمتار هو للشيخ محمد دانيال الموصلي، وهو رجل صالح جاء إلى الإسكندرية في نهاية القرن الثامن الهجري، وقام بتدريس أصول الدين وعلم الفرائض على المذهب الشافعي وظل فيها حتى وفاته سنة 810 ه ودفن في المسجد، الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثاني عشر الهجري . ويستندون إلى أنه بعد البحث والتنقيب لم يكتشفوا أي شيء يخص الإسكندر، غير أنهم اكتشفوا أنفاقاً كبيرة من العصر الروماني متصلة ببعضها، وكانت مصممة لهروب الملك إلى خارج البلاد عند قيام الثورات الشعبية ضده، والتي كان يقوم بها أهالي الإسكندرية القديمة .

إلا أن الآثاريين يتفقون على تأريخ هذا الشارع بأنه يعود إلى عصر الإسكندر الأكبر، عندما عهد إلى مهندسه اليوناني دينو قراطيس بتخطيط المدينة، وقتها وضع لها هذا المهندس تخطيطاً أشبه بقطعة الشطرنج . ولذلك فالمتجول في الشارع يجده منقسماً إلى شارعين رئيسين متقاطعين بزاوية قائمة تحيط بهما شوارع أخرى فرعية تتوازى مع الشارعين .

المؤرخ المعروف المقريزي يصف هذه الأنفاق بأنها كانت على درجة كبيرة من الاتساع والارتفاع، ما يمكن أن يسير فيها الفارس ممتطياً جواده رافعاً سيفه وهو ما يقدر بثلاثة أمتار .

جذور تاريخية

الشارع يضرب بجذوره في عمق المدينة التي بناها الإسكندر الأكبر، ولذلك يصل عمره إلى تاريخ هذا القائد الذي تفصلنا عنه قرابة ألفي عام، وعليه لم يكن غريباً أن يتردد أن مقبرة مشيد المدينة تقع في هذا الشارع، ما جعله يشتهر بهذه المقبرة التاريخية، حتى دحض المنقبون هذا الاعتقاد، وليس هذا فحسب، بل إن الشارع ذاته يجسد حالة من الوحدة الوطنية، لما يضمه من مسجد يحمل الاسم نفسه، واشتق منه المصريون تسمية الشارع به، إضافة إلى الكنيسة المرقسية بجانب معبد النبي دانيال .

المتتبع لهذه الصروح الدينية والتاريخية يجد أن المسجد يعد الأقدم من نوعه ليس في مدينة الثغر وحدها، ولكن في مصر كلها، بجانب الكنيسة التي توصف بأنها أول كنيسة في إفريقيا كلها، أنشئت في مدينة عروس البحر المتوسط، علاوة على معبد النبي دانيال، والذي اشتق منه الشارع هذا الاسم .

إطلال المسجد تحتوي على شواهد من الآثار الإسلامية، والتي صارت مزاراً للعديد من السائحين، خاصة الآسيويين الذين يحرصون على زيارة الضريح الموجود أسفل المسجد، والذي يقال إنه للنبي دانيال، عليه السلام .

ظل الشارع على مدى عقود موضعاً لحكايات محفوفة بالأساطير، يؤكد معظم من يستمع إليها في الشارع أنها خيالية، إلا أنها تعكس ما يمثله الشارع في وجدان سكان المدينة من أهمية بينهم، وخاصة القاطنين في جوانبه، وعلى امتداد أطرافه وأزقته .

محفل ثقافي

المتجول في هذا الشارع كثيراً ما يلحظ أشكالاً عدة من علاماته، ففيه يرى المباني السكنية والمحال التجارية، والأبرز في هذا الشارع تلك المكتبات التي تنتشر على جانبيه، تنشر تاريخاً لا يقل عما هو حديث، وتعرض فكراً، لا يقل عمقاً عما تحمله أمهات الكتب من ثقافة وعمق .

وليست المكتبات وحدها التي يضمها الشارع، فهناك أشبه بسور الأزبكية الكائن في القاهرة، حيث ينتشر على جنبات الشارع العديد من الباعة الذين يعرضون كتبهم في مختلف المجالات، وهي الكتب التي يتلهف إليها كثيرون، ولذلك يوصف الشارع بأنه من أشهر المحطات الثقافية في الإسكندرية ليس بسبب كثرة عدد المكتبات فيه فقط، حتى صار يعرف باسم شارع الكتب، ولكن بسبب انتشار الباعة الذين يعرضون أمهات الكتب على قارعة الطريق . ومن أشهر ما يضمه الشارع من صروح ثقافية بعض مكاتب الصحف الرسمية، بجانب المركز الثقافي الفرنسي الذي أنشئ عام 1886 في مدينة الإسكندرية، إضافة إلى مؤسسات أخرى ثقافية، وفي نهاية الشارع إلى محطة مصر يجد الزائر على يساره أطلال مسجد النبي دانيال وعلى يمينه مسجد سيدي عبد الرازق، ويصفه سكان الشارع بأنه أحد أولياء الله الصالحين وكان يقدم دروسا دينية لمريديه . اللافت أنه في أحد جانبي الشارع كان يوجد أحد المقار التابعة للحزب الوطني (الحاكم السابق)، وبجانبه زاوية ملحقة كان رجال الشرطة يستخدمونها حسبما يروي السكان لتعذيب المعتقلين، ما دفع المتظاهرين إلى إزالة هذا المبنى ومساواته بالأرض تماماً في يوم 25 يناير/ كانون الثاني الماضي، والذي أطلق عليه المتظاهرون جمعة الغضب .

وعلى غرار ما يرويه سكان الشارع بأنهم كثيراً ما عانوا ممارسات النظام السابق من إغلاق محالهم من دون سند قانوني، فإن ثوار الإسكندرية أزالوا منشآت النظام السابق بهذا الشارع مسجلين عليه عبارة قرار إزالة للنظام صادر من الشعب المصري بتاريخ 25 يناير .