على رماله رسمت مشاهد من الماضي والحاضر، وتنقلت ذكريات العديد من زواره بين أمواجه، ورست على شاطئه ذاكرة المكان، ليصبح أحد المعالم المهمة في ذاكرة السكان المحليين لإمارة أبوظبي، وأحد الشواطئ التي تنبض بالجمال والإبداع .

شاطئ البطين أو ما يعرف ببحر المحاربة، الذي يحظى بشعبية واسعة لدى سكان الإمارة، فقديماً كانت صورة زوارق الصيد الخشبية التقليدية التي تعمل بالمجاديف تصطف على الشاطئ، وعلى متنها بعض الصيادين الذين يستعدون لإلقاء شباكهم في مياه البحر واصطياد الأسماك، وهي الصورة التي كان يحتضنها الشاطئ، ويعكس من خلالها الحياة البسيطة التي كان يعيشها سكان المنطقة، في السعي وراء طلب الرزق، والبحث عن الأسماك التي يتم بيعها بعد ذلك على شواطئ البحر، ذلك المشهد الذي كان يجسد أصالة الثراث الإماراتي ومهنة الأجداد بخصالها الأصيلة من الصبر والعمل التي كانوا يتحلون بها .

قصص الماضي

الجميل أن هذه الذكريات لاتزال تروى بين زوار شاطئ البطين ومحبيه، فبمجرد أن تسأل مرتادي الشاطئ عن العلاقة التي تربطه بالمكان، إلا ويذكر لك تفاصيل وقصص وذكريات جمعته بهذا المكان، فهناك من يتذكر قصص الماضي الجميل حيث يعيد لهم شاطئ البطين صوراً من الطفولة وهم يلعبون بالرمال ويركضون هنا وهناك وأعين والديهم تتابعهم مبتهجة بجمال طبيعة الخالق سبحانه، ومنهم من يذكر أصدقائه الذي تعرف إليهم على ضفاف الشاطئ، والبعض الآخر يتذكر عندما كان يأتي حافي القدمين ليلعب بالرمال هو وأصدقائه، ومنهم من تجتمع لديه صور الحاضر والماضي على مسافة واحدة فبالأمس كان يأتي مع والده إلى هذا الشاطئ واليوم يحضر أبنائه ليقضي معهم أوقات جميلة، وقد استمرت هذه الصورة تزهو بألوانها حتى أصبح هذا الشاطئ هو وجهة عشاق البحر، ومكان للاستجمام بعيداً عن الازدحام وعن هموم الحياة وضغوطات العمل، رغم عدم توفر المرافق الخدمية في ذلك الوقت، لكن خصوصية هذا المكان تجعل العديد منهم يتجهون إليه من أجل السباحة واللعب والجلوس لفترات طويلة مع الأهل والأصدقاء، كما أن الشاطئ لم يخل من التجمعات الشبابية التي يدار فيها حلقات نقاش في جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والترفيهية .

الخليج زارت الشاطئ وامضت الساعات، حيث رصدت بالكلمة والصورة الاقبال على الشاطئ وحرص الزائرين على ارتياد الشاطئ حيث يروي لنا أحمد سالم تجمعه الأسبوعي مع أصدقائه على شاطئ البطين، فيقول إنه هو وستة من أصدقائه اعتادوا أن يجتمعوا كل جمعة في شاطئ البطين من بعد صلاة الجمعة وحتى مغيب الشمس، يقومون خلالها بالسباحة ولعب مباراة لكرة القدم على رمال البحر، وكان هذا التجمع كفيلاً بأن يتعرفوا إلى أصدقاء جدد ليس من المواطنين فحسب بل من جنسيات عدة لأن الشاطئ كان يجذب الجميع إليه، ثم نعود بعد صلاة العشاء ونجلس بجانب الشاطئ نتبادل أطراف الحديث حول حياتنا اليومية وعن الدراسة والعمل وما هي المشكلات التي تواجهنا، ويضيف إنه رغم عدم توفر مرافق خدمية كنا نجلس بالساعات ونستمتع بالمكان، فنحن تربطنا بالشاطئ علاقة حميمة لأننا كنا نلعب ونسبح في البحر منذ الصغر فارتبطنا به وارتبط بنا .

وجهة سياحية

كما هي العادة في دولة الإمارات وبالأخص في إمارة أبوظبي فإن كل شيء يواكب التطور الذي تشهده الدولة وكل جزء في هذه الإمارة الفتية لابد أن يمر بمراحل من الإبداع والتطوير، ولما يحتله شاطئ البطين من مكانة وأهمية لدى سكان إمارة أبوظبي، فقد حرصت بلدية مدينة أبوظبي بأن يكون مشروع تطوير شاطئ البطين عند تنفيذه منسجماً مع الهدف العام باعتباره منطقة جذب سياحية وواجهة جمالية جديدة لخدمة أهالي منطقة البطين بشكل خاص وسكان مدينة أبوظبي وزوارها عموماً مع المحافظة على الخصوصية لمستخدميه وزواره سواء كانوا من العلائلات أم من الزوار .

كذلك يجسد المشروع علاقة أبوظبي بالبحر عبر التاريخ ويعبر عن أصالتها واعتزازها بموروثها الثقافي والحضاري ويكتنز بكل عوامل الجذب والإقبال المجتمعي بما يتيحه من فرص المرح والإثارة التي يحظى بها المرتادون حيث تم تحويل الشاطئ إلى متنزه بحري يبلغ طوله 200 متر، تمتد فيه الربوع الخضراء على مساحة قدرها 3356 متراً مربعاً، وذلك بالتزامن مع احتفالات الدولة باليوم الوطني الأربعين خلال العام الماضي، وأنشأت فيه عدد من المرافق السياحية والترفيهية التي تقدم خدماتها للزوار، ويقع شاطئ البطين في منطقة البطين على بعد عشر دقائق فقط من كورنيش أبوظبي، ويتميز بأنه مفتوح للجمهور، باستثناء الجزء الشرقي منه فهو مخصص للعائلات فقط، ويضم الشاطئ حديقة واسعة ومناطق للتنزه، ومرافق رياضية تضم ملعباً لكرة القدم والكرة الطائرة، ومنطقة للعب الأطفال، ومساحة مخصصة لاستضافة الفعاليات، واستراحات تقدم الأطعمة والمشروبات، كما يتضمن المشروع أيضاً غرفاً لتغيير الملابس، ومرافق مخصصة للزوار من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومواقف للمركبات الخاصة .

حلول آمنة

ويمتاز الشاطئ بالمساحات الخضراء الواسعة التي تضفي على المكان رونقاً خاصاً من تجانس اللون الأزرق للبحر والرمال البيضاء في تلك المساحة الخضراء فيصبح الجالس في أحضان الشاطى يتنفس جمال الطبيعة بشكلها ولونها وبهائها .

وشهدت عملية تطوير الشاطئ وضع حلول آمنة لبعض المخاطر التي قد يتعرض لها زوار الشاطئ، فقديماً كان الشاطئ مطلاً على الشارع العام بشكل مباشر دون وجود حواجز أو سور، إضافة إلى أن جميع مرتادي الشاطئ كانوا يضعون مركباتهم بالقرب من البحر بسبب عدم وجود مواقف مناسبة، كما أن الشاطئ كان يفتقد لمصادر إنارة كالمصابيح وأعمدة الاضاءة لذلك كان الزوار يعتمدون على مصابيح مركباتهم الخاصة ليلاً، إضافة إلى عشوائية السباحة واستخدام الدرجات المائية والمراكب الصغيرة في البحر دون وجود منقذين أو مرافبين، فقامت بلدية مدينة أبوظبي بتوفير كل وسائل الأمن والراحة حتى أصبح الشاطئ أكثر أمناً بوجود حواجز ومسافة مناسبة بعيدة عن الشارع العام، وتواجد رجل إنقاذ أمن بشكل مستمر وتنظيم عملية السباحة ما أضفى نوع من الطمأنينينة والأمان لدى الجميع، فأصبح شاطئ البطين موقعاً سياحياً بارزاً وأحد الشواطئ الجميلة في إمارة أبوظبي، ينبض بالحركة والجمال وتتعالى فيه ضحكات الأطفال الذين قدموا مع أسرهم من أجل أن يستمتعوا بجمال المكان، ويتحول الشاطئ في المساء إلى منطقة هادئة تاسرك بأنوارها الهادئة وأشجارها المتناثرة لتستمتع بسكون الطبيعة، ويبدأ محبي المشي بالسير على ممر المشاة المخصص لهم فمنهم من يتبادل أطراف الحديث والبعض يمارس رياضة المشي، ويتجه الأطفال للعب في المكان المخصص لهم .

ذكريات الطفولة

من جانبها تقول منى محمد: شاطئ البطين قصة لن يفهمها إلا من سطر ذكريات له على رمال هذا الشاطئ فبمجرد أن تصل إليه تعود إليك ذكريات الطفولة والأهل والأصدقاء، حيث كنا نأتي مع أسرنا ونجلس بالساعات الطويلة نتأمل جمال الطبيعة والأطفال يلعبون من حولنا على الرغم من أن الشاطئ لم يكن سوى ماء ورمل، إلا أن ارتباطنا بالمكان كان يدفعنا للذهاب والاستمتاع، ولكن بعد التطوير الذي شهدناه في الشاطئ أصبح وجهة سياحية جميلة نفتخر بها كإماراتيين بأنه تم تحويل هذا المكان من مجرد شاطئ إلى متنزه بمرافق وخدمات على مستوى راق ومتحضر، مضيفة أنها تقضي مع أسرتها يوماً كاملاً على الشاطئ فكل ما تحتاج إليه أصبح قريباً منها .