صممت شبكة الإنترنت في الأساس لتكون بعيدة عن المركزية، إذ تتصل كل نقطة فيها بنقاط فرعية أخرى هائلة العدد، ومن المفترض أن يساعد هذا التصميم على مقاومة الشبكة لأي رقابة أو اعتداء من خارجها . وعلى الرغم من ذلك، فمايحدث على أرض الواقع يختلف تماماً، حيث يتواصل مستخدمو الإنترنت بالآخرين من خلال مزود للخدمة (ISP)، وعليه يمكن قطع الخدمة عنهم ببساطة شديدة بإيقاف عمل رابطها . ومن هنا اتجه النشطاء إلى خيار بديل أسموه شبكات الظل غير المركزية، وهي شبكات لاسلكية، تعمل وفقاً لأنظمة بسيطة تربط المستخدمين ببعضهم بعضاً بحيث لايمكن قطع الخدمة عنهم أو مراقبتهم من قبل طرف دخيل، فللشبكة القدرة على الالتفاف على مثل هذه التهديدات .

لكي تعمل شبكة الظل بالطريقة الأمثل، لابد أن تحظى بعدد هائل من المستخدمين، ويتطلب ذلك شن حملات من قبل المتحمسين والنشطاء في المجال للترويج لهذه الشبكات وإقناع المستخدمين بفوائدها من حيث حماية الخصوصية ومزيد من حرية تبادل المعلومات .

وتعمل الشبكات وفق تقنيات تقاوم مراقبة السلطات ومحاولات السيطرة عليها .

وتعود أصول الشبكة إلى فترة الحرب الباردة التي تطلبت بنية اتصالات قوية لايمكن تعطيلها بأي شكل من الأشكال . وإذا كان هذا صحيحاً، فإنه يعكس قوة وحصانة الشبكة بتصميمها اللامركزي، فخطوط الاتصال الهائلة التي تربط بين نقاط شبكتين فرعيتين مثلاً، يمكنها استيعاب عدد آخر من النقاط في الحال، كما يضمن بروتوكول TCP/IP، إمكانية تحميل الشبكة لكم هائل من البيانات، حتى إن توقفت إحدى نقاطها عن العمل .

ويشير الناشط في الحقوق الرقمية جون جيلمور إلى أن الإنترنت تتسم بقدر عالٍ من المرونة التي تمكنها من اكتشاف أية محاولة لرقابتها، وتشخيصها على أنها محاولة لتدميرها فتلتف على هذه المحاولة، وهو ما صممت على أساسه في الأصل .

وإذا كان هذا هو الأصل، فكيف استطاعت الحكومات قطع الخدمة عن المستخدمين في عدد من الدول، وأين تلك المرونة التي ذكرها جليمور، فكلماته تعني أن تركيبة الشبكة لها القدرة على مقاومة الممارسات الدخيلة التي تنتهك حرية مستخدميها .

من هنا نما الاتجاه نحو تأسيس شبكة جديدة أكثر أماناً وخصوصية .

صمم المهندس النمساوي آرون كابلن شبكة أطلق عليها اسم فنك فيير تتكون من أربعة راوترات لاسلكية صغيرة الحجم ( الراوتر هو الأداة التي تربط بين شبكتين أو أكثر تفصل بينهما مسافات بعيدة) . ويعمل الراوتر طبقاً لبروتوكولات معينة مثل IP أو IPX، ويتلقى حزم البيانات المتنقلة بين شبكتين على الأقل، ويوجهها بعد ذلك من رابط إلى آخر، وله القدرة على فلترة البيانات أثناء نقلها .

والإشارات التي ترسلها، أو تلتقطها الراوترات الأربعة، تربطها مباشرة أو بطريق غير مباشر بأكثر من 200 نقطة أخرى مماثلة مثبتة فوق أسطح منازل شاهقة في العاصمة النمساوية فيينا، يقوم على صيانة كل منها صاحبها الذي أقدم على تثبيتها . ويتصل النطاق الترددي لكل منها بشبكة إنترنت فائقة السرعة تنتشر في أنحاء معينة من النمسا .

وشبكة الظل فنك فيير شبكة لاسلكية غير ربحية، يمكن الاشتراك فيها مجاناً، وكل مايجب على من يرغب في الاشتراك اقتناء راوتر لايتعد ثمنه 150 دولاراً، وتعتمد آلية الاتصال على النقاط القريبة، فليس هناك حاجة للبحث عن إشارات لاسلكية صادرة من نقاط متباعدة . وبعد شهور قليلة من إنشاء الشبكة في ،2003 لم يتعد عدد نقاطها 12 نقطة، إذا انقطع الاتصال عن إحداها، انقطع الاتصال أيضاً مابين النقاط الأخرى، أو الاتصال بالنقطة الرئيسية التي تصلها بالإنترنت مباشرة .

وتطورت الشبكة كثيراً بمرور الأيام، فبعد أن كان كابلن يقوم على إصلاح الأعطال بنفسه في مرات عديدة، أضيفت إليها إمكانية الإصلاح الذاتي، كما زاد عدد نقاط الاتصال ليبلغ 40 نقطة . وطورها كابلن بحيث إذا توقف الاتصال بإحدى النقاط، يمكن للنقاط الأخرى المعتمدة على النقطة المتعطلة البحث عن ممرات جديدة للاتصال .

وتقنية شبكات الظل مازالت حديثة العهد، بيد أن مايصفه مطورها كابلن ليس بالجديد، فهو مبدأ المرونة نفسه الذي صممت بناءً عليه شبكة الإنترنت التقليدية قبل أربعة عقود .

ساتشا مينراث، خريج جامعة إلينوي، له دور رئيس في مساعدة القائمين على واحدة من هذه الشبكات، وهي شبكة تشامبين - إيربانا اللاسلكية في الولايات المتحدة (CUWiN)، والذي شكل فريق إنقاذ عمل على شبكة لاسلكية في نطاق 60 كيلومتراً حول المنطقة التي ضربها إعصار كاترينا، وتمكن من استعادة الاتصالات في الأسابيع الأولى للكارثة .

انتقل مينراث بعدها إلى واشنطون، وهو عازم على إنشاء شبكة لاسلكية تجارية . وفي بداية ،2011 أطلق شبكة لاسلكية متخصصة في تغطية أخبار الأحداث السياسية، بدعم مليوني دولار من وزارة الخارجية الأمريكية .

سعى تشاسا وفريقه إلى تطوير تقنيات تلتف على وسائل مراقبة الشبكات، فصمموا نموذجاً لشبكة إنترنت أسموه إنترنت الحقيبة، وهي عبارة عن معدات اتصال لاسلكية صغيرة ذات حزم بيانات متكاملة، يمكن تهريبها داخل آية منطقة . ومن خلال هذه الحقيبة، يتمكن النشطاء من تغطية الأحداث في وقتها من دون التعرض لأي انتهاك لخصوصية الشبكة . والنموذج الأولي لإنترنت الحقيبة يتضمن مجموعة تقنيات معروفة لدى المتحمسين لشبكات الظل . وبحسب مينراث، كلما زاد عدد مستخدمي شبكة الظل، صعب انتهاك خصوصيتها، أو قطع الاتصال عنها . وهذا بديهي، لأن الجهد المطلوب لقطع الاتصال عن 100 مستخدم للشبكة أقل بكثير من الجهد اللازم لقطعه عن 1000 مستخدم .

وتمثل الروابط الكثيرة التي يجب أن تحتويها شبكة الظل نقاط حصانة ضد أي محاولة لاختراقها من مصدر الإنترنت الرئيس، مايجعل اختراقها شبه مستحيل .

ويبقى السؤال بخصوص حجم شبكات الظل، أو الشبكات غير المركزية، فمازال المتخصصون متشككين في أن زيادة عدد المستخدمين بشكل كبير، ربما يؤدي إلى أعطال في الشبكة وتعثرها، وأشار عدد منهم منذ سنوات إلى أنه لايجب ألا تزيد عدد نقاط الشبكة الفرعية على 100 نقطة .

وتختلف شبكات الظل عن تقنيات المصادر المفتوحة، التي تتجاهل أهمية الواجهات سهلة الاستخدام، فبدأ المهتمون بشبكات الظل في إدراك صعوبة تقنيتها، بيد أن إنترنت الحقيبة تعكس إمكانية بساطة الشكل الذي يمكن أن تصمم به شبكات الظل، والذي يجعل استخدامها في المنزل، أو في مكان العمل يسيراً .

وتهدف الفكرة الأساسية بحسب مينراث إلى إعادة توظيف الأجهزة الالكترونية التي يقتنيها الإنسان مثل الهواتف الخلوية، والحواسب المحمولة، والراوترات التقليدية، لبناء شبكة اتصال شخصية، يسميها مينراث شبكة بنية تحتية . فبالضغط على زر معين على لوحة الأيفون أو الأندرويد يمكن ارسال دعوة لعدد من الأشخاص للانضمام إلى شبكة صاحب الأيفون الخاصة .

واهتم الاقتصاديون بتأثير التكلفة الزهيدة لخدمة الشبكات غير المركزية في اقتصادات السوق ذات الصلة .

ويرى جوناثان زيترين، البروفيسور في كلية هارفارد للقانون ومؤلف كتاب مستقبل الإنترنت، أن الشبكات غير المركزية ستظل ضعيفة التأثير، معبراً عن أمله في نجاح التقنية، على الرغم من إدراكه أنها لايمكن أن تصل إلى كفاءة الشبكات المركزية، مشيراً إلى فوائد الأخيرة المتعددة، ومنها سهولة استخدامها .

ويشير رامون روكا، مؤسس موقع Guifi .net، إلى أن الشبكات غير المركزية لايمكن أن تحيل مزودات الخدمة التقليدية المعروفة ISPs، إلى التقاعد، مؤكداً أنها لن تنقص من مدخولات هذه المزودات أكثر من 15 في المائة فقط . ويرى أن تكلفة الشبكات غير المركزية الزهيدة ستغري العائلات محدودة الدخل، ما سيدفع مزودي الخدمة إلى خفض أسعار خدماتهم .

وتحتاج الشبكات غير المركزية إلى مشاركات اجتماعية لاتقل عن 15 في المائة من مستخدمي الإنترنت، وإذا لم يوفر السوق هذه النسبة، ستكون الحكومات الملجأ الوحيد، ولما كان المبدأ الذي صممت عليه هو الالتفاف على الرقابة، ورؤيتها كوسيلة لدمار الشبكة، وبالتالي فسوف تلعب هذه الشبكات دوراً بارزاً كقنوات اتصالات ناجعة في مواجهة الكوارث الطبيعية، مثل الأعاصير، التي تقع مسؤولية التصدي لها على كاهل السلطات الحكومية .

ويدعي جوناثان زيترين أن الحكومات ستفضل إطلاق الشبكات غير المركزية، وسيتم ذلك من خلال تزويد الهواتف المتحركة في الولايات المتحدة، بحسب زيترين، بشبكة طوارئ من هذا النوع، لها القدرة على التحول الأتوماتيكي لتصبح كوابل ترسل بيانات بمجرد الضغط على زر معين .

بيد أن هناك عقبات ستقف حائلاً بين الحكومات وبين نشر الشبكات غير المركزية، أهمها الخوف من استغلال المجرمين والإرهابيين لها . ومن هنا ضعف الأمل في إقدام الحكومات على تبني هذا النوع من الشبكات .

إيبين موجلين، أستاذ القانون في جامعة كولومبيا، أطلق مشروع فريدوم بوكس أو صندوق الحرية، الذي جمع له 60 ألف دولار عبر الإنترنت، خلال خمس سنوات .

ولايختلف المشروع كثيراً عن مشروع مينراث للشبكات المتخصصة في تغطية الأحداث السياسية، ففريدوم بوكس عبارة عن أداة شبكية في حجم صغير، بتكلفة لاتتعدى 149 دولاراً .

وبحسب موجلين، فالأداة ليست محصورة في شكل معين، فهي عبارة عن مجموعة من الأكواد والشفرات التي يمكن إدخالها في وحدة المعالجة المركزية للحاسب الآلي المزود بشبكة اتصال .

وللتغلب على انتهاك الخصوصية التي ربما يتعرض لها مستخدمو الشبكات الاجتماعية مثل الفيس بوك، يرى موجلين أنه يمكن تحسين أداء فريدوم بوكس بحيث يمكنه تشغيل شبكات اجتماعية بديلة، مثل شبكة Diaspora، والتي يمكنها تخزين البيانات الشخصية للمستخدم على حاسوبه، ومشاركتها فقط مع من يختارهم بنفسه عبر شبكات الند للند .

ويرى موجلين أن الإرداة السياسية العنصر الأهم وراء إطلاق المشروع من عدمه، لكنه يأمل في توجيه هذه الإرادة من قبل جموع الشباب المولعين بالشبكات الاجتماعية، والمدركين بما لديهم من وعي تقني، مدى مايتعرض له مستخدمو الشبكات الاجتماعية من انتهاك لخصوصياتهم . ويسهم أيضاً في المشروع عدد كبير من مهندسي الشفرات . ويأمل موجلين بأن يدرك مستخدمو الإنترنت أنه لن يكون هناك داع لدفع هذه النفقات الكبيرة في الوقت الذي يمكنهم فيه استخدام شبكات أكثر أماناً وأقل تكلفة .