يسعى العلماء إلى ابتكار أداة متطورة من شأنها التنبؤ مبكراً بهبوب الأعاصير، ما سيسهم في إنقاذ حياة الملايين .

ولايخفى على أحد أن التغير المناخي سيحدث تغيرات شديدة، مثل هطول الأمطار الغزيرة، وهبوب الأعاصير المدمرة، كما أنه من المؤكد أن توقع حدوث تلك التغيرات بطرق أكثر دقة سيمنح الكثيرين فسحة من الوقت للاستعداد لها، ما سينقذ حياة كثير من الناس، ويحد من الدمار الذي يصيب البنى التحتية التي أنفق عليها البلايين من الدولارات .

وفي هذا الصدد، ابتكر العلماء الأمريكيون نظاماً رادارياً متطوراً يمكنه التنبؤ بالتغيرات المناخية الوشيكة، وسيمكنهم ذلك من تطوير تقنيات الرصد الخاصة بالأقمار الاصطناعية، وأنماط الحاسب الآلي المتعلقة بالتغيرات المناخية، ومن ثم إطالة مدة التحذير التي تسبق هبوب الاعاصير .

ولايمكن أن يتم ذلك إلا إذا فهم الناس أهمية الاستجابة الجادة للتحذيرات، ومن هنا نشأت الحاجة إلى تنشئة أجيال متأهبة للإستجابة للتغيرات المناخية .

في الثاني والعشرين من مايو/أيار العام الماضي، ضربت عاصفة رعدية مدينة جوبلين بولاية ميسوري الأمريكية، فدمرت الرياح التي بلغت سرعتها 200 ميل في الساعة، منطقة مساحتها ثلاثة أرباع الميل، وامتدادها ستة أميال، فعصفت بالمدارس، والمنازل والمحال التجارية، ودمرت مستشفى بالكامل، وأودت بحياة 160 من سكان المدينة .

كانت السلطات المختصة قد وجهت إنذاراً قبل وقوع الكارثة بعشرين دقيقة، بعد استمرار مراقبة العاصفة الهوجاء لساعات، وتنبأ خبراء الأرصاد بأحوال جوية سيئة قبلها بأيام . ولم يكن الوقت الفاصل بين وصول الإنذارات ووقوع الكارثة كافياً، على الرغم من استعداد ويقظة موظفي الطوارئ، بيد أنه لم يكن لدى السكان نفس الدرجة من اليقظة .

ولم يكن إعصار جوبلين الوحيد الذي ضرب الولايات المتحدة العام الماضي، ففي ابريل /نيسان عصفت عدة زوابع بمناطق في الجنوب وأودت بحياة أكثر من 300 شخص، فكان للشهر الحظ الأوفر من الأعاصير، التي بلغت 750 إعصاراً .

وبلغت حصيلة ضحاياها،550 وهو أعلى الأرقام في تاريخ أمريكا، أما في ما يتعلق بالخسائر المادية، فتجاوزت المليار دولار، وامتد أثرها حتى العام الحالي، حيث لقي 40 شخصاً حتفهم في ولايات الغرب الوسطى، وولايات أخرى في الجنوب .

وتطورت أدوات التنبؤ بالأحوال المناخية كثيراً خلال العقود الأخيرة، بيد أن الباحثين والمهندسن في إدارة المحيطات والمناخ القومية الأمريكية عاكفون حالياً على إيجاد وسائل تعزز من عمل الرادارات المستخدمة، والأقمار الاصطناعية، وأجهزة الكمبيوتر العملاقة، لإطالة الفترة الزمنية التي تسبق وقوع الكوارث الطبيعية، وللتنبؤ بدرجة شدتها . وإذا نجح مسعاهم، فبعد عشر سنوات، يمكن أن يتلقى السكان المعرضون للخطر إنذارات بالكارثة قبل وقوعها بساعة، ما يمنحهم الفرصة للتعامل معها بطريقة ملائمة، مثل مغادرة منازلهم والبحث عن مأوى بديل .

عالم الأرصاد الأمريكي، دوغ فورسيث يبذل جهوداً مضنية سعياً وراء تحسين عمل أجهزة الرادار المستخدمة في التنبؤ بالأحوال المناخية . يترأس فورسيث قسم أبحاث وتطوير الرادار في معمل NOAA القومي للعواصف المدمرة في مدينة نورما، بولاية أوكلاهوما الأمريكية .

وتعتمد تقنية الرادارات العاملة حالياً على إرسال موجات لاسلكية تطلق جزيئات في الغلاف الجوي، مثل قطرات ماء أو جليد، أو حتى حشرات وغبار . وبقياس قوة الموجات اللاسلكية التي ترتد إلى الرادار وطول الفترة الزمنية الفاصلة بين رحلتي ذهاب وعودة الموجات، يمكن للعلماء تحديد موقع وشدة هبوب عاصفة أو سقوط الأمطار .

وتستخدم هيئة الطقس القومي الأمريكية رادار دوبلر الذي يقيس التغير الترددي في الموجات المرتجعة، فيتمكن المختصون من تحديد اتجاه وسرعة سقوط المطر، ما يمكنهم من رؤية الدوران الحادث داخل العواصف الرعدية قبل تشكل الإعصار .

وفي ،1973 أشار خبراء الأرصاد في معمل NOAA، رودجر براون، ولي ليمون، ودون بيرجس، إلى أهمية استخدام هذه المعلومات في التنبؤ بالأحوال المناخية، بعد تحليل بيانات إعصار ضرب يونيون سيتي في أوكلاهوما . إذ لاحظ ثلاثتهم تجاور سرعات داخلية داخل الإعصار عند تشكله . ولم يتمكن الخبراء في البداية من فهم مغزى البيانات، إلا بعد مطابقتها بموقع الإعصار ، وأطلقوا عليها اسم بصمة دوامة الأعاصير TVS ، التي اتخذت بعدها قياساً مترياً لاحتمالية هجوم إعصار مستقبلاً . ومكنتهم المعلومات من إطالة الفترة الزمنية التي تسبق هجوم الإعصار، لتصل إلى 14 دقيقة بعد أن كانت 5 .3 دقيقة في 1987 .

وعلى الرغم من كفاءة رادار دوبلر، إلا أنه يحتاج إلى تطوير وتحديث، خاصة انتقاده إلى إمكانية تحديد الجزيئات، للتمييز مابين عاصفة ممطرة، وأخرى ترابية .

ويسعى الباحثون إلى تطوير الرادار بإضافة تقنية جديدة يطلقون عليها مصطلح القطبية المزدوجة، التي تسمح لهم بالتمييز بين أنواع وكمية الأمطار المتوقعة . ولما كانت لنقاط المطر وكرات الجليد نفس العرض الأفقي، تظهر صورهما التي يلتقطها رادار دوبلر متشابهة، على الرغم من أن نقاط المطر لها سطح أكثر استواءً . ومعرفة الفارق بين شكل الجزيئات يقلل من اللجوء إلى التخمين الذي ربما يضطر إليه العلماء للتعرف إلى خصائص المسح الراداري . كما أن فهم ذلك يؤدي إلى تنبؤات وتقديرات أكثر دقة، فيعرف المعنيون بها ما سيأتيهم، مطر عادي كان أم جليد .

كما تساعد معرفة حجم وشكل الجزيئات في التمييز ما بين الكتل المتساقطة مع الهواء وتلك التي تلفظها الأعاصير، والعواصف الرعدية العاتية، وبذا يتمكن خبراء الأرصاد من تقرير مدى قدرتها التدميرية . كما أن للمعلومات حول الجزيئات أهمية كبرى، خاصة إذا كان الخبراء يراقبون إعصاراً غير ظاهر للعين المجردة، فحتى إذا كان مغلفاً بأمطار كثيفة، أو إذا هب أثناء الليل، فيمكن لتقنية القطبية المزدوجة كشف الكتل المتساقطة جواً .

وبحسب تقرير علمي لمجلة سانيتفيك آمريكان تعمل هيئة الطقس القومية الأمريكية على دمج تقنية القطبية المزدوجة في رادارات دوبلر ال 160 في كل الولايات، لأنها تساعد على مراقبة معدلات سقوط الأمطار، والعواصف الثلجية، ومن المتوقع إتمام ذلك في منتصف العام المقبل .

وتزامناً مع مسعى الهيئة، يعكف خبراء معمل NOAA على تدريب العاملين في التنبؤ بالطقس على ترجمة الصور التي يبثها الرادار بعد تعديله . وكان لمكتب التنبؤ بالطقس في نيوبورت بمدينة مورهيد بولاية نورث كارولينا، السبق في استخدام الرادار المعدل لتحليل صور إعصار إيرينا الذي ضرب الولاية العام الماضي، وأثناء الإعصار، أثبتت الرادارات المدمج بها تقنية القطبية المزدوجة أنها أكثر دقة في توقع معدلات سقوط الأمطار، ومن ثم التنبؤ بوقوع فيضانات، من رادارات دوبلر التقليدية .

ومما لاشك فيه أن التقنية التي أدخلت على رادار دوبلر أنقذت بالفعل حياة الكثيرين في نورث كارولينا، والدليل على ذلك انخفاض أعداد الضحايا إلى 30 فقط، بعد تلقيهم تحذيرات مبكرة .

وتشير باحثة الأرصاد في معمل NOAA، بام هاينزلمان، إلى تقنية أخرى متطورة تستخدمها البحرية الأمريكية في الكشف عن، وتتبع السفن والصواريخ المعادية، ولها القدرة على التنبؤ الدقيق بالطقس . وتقود هاينزلمان فريقاً من مهندسي الكهرباء، وخبراء التنبؤ بالطقس، وعلماء آخرين في مركز اختبار رادارات الطقس القومي في نورمان بولاية أوكلاهوما، يعملون جميعاً على تطوير تقنية جديدة يطلقون عليها اسم الرادارات المصفوفة .

وتعمل رادارات كوبلر المستخدمة حالياً في مجال زاوية ارتفاع واحدة في المرة الواحدة، باستخدام طبق قطعي متكافئ يدار ميكانيكياً . وعندما يكمل الطبق دورانه ل 360 درجة، يميل لتصوير قطاع صغير آخر من الغلاف الجوي . وبعد انتهاء التصوير بدءًا بالارتفاعات الأدني وانتهاءً بالارتفاعات الأعلى، مروراً ب 14 منطقة منفردة، في ظل أحوال مناخية سيئة، يعود الرادار إلى الزاوية الأسفل مرة أخرى ليكرر نفس الدورة . ويستغرق رادار دوبلر من أربعة إلى ستة أشهر لتصوير الغلاف الجوي كاملاً في أحوال مناخية سيئة .

أما تقنية الرادارات المصفوفة، ففيها يبث الرادار أشعة متعددة في آن واحد، ما يقلل الحاجة إلى إمالة الهوائيات، ويقلل ذلك الفترة الزمنية بين كل صورة يلتقطها الرادار للعواصف وأخرى، إلى أقل من دقيقة . ويمكن ذلك علماء الأرصاد من رؤية التغيرات الحادثة بسرعة شديدة، في تكون العواصف الرعدية، واكتشاف التغيرات المسببة للأعاصير . وأشارت هاينزلمان وفريقها إلى أن قدرة الرادارات المصفوفة على جمع معلومات، ليست متاحة حالياً، حول العواصف، مثل التغيرات السريعة في نطاقات الرياح، التي تسبق التغيرات السريعة في كثافة العواصف .

وحتى الآن لا يتمكن أفضل الرادارات من الرؤية خلف الجبال أو في أعماق المحيطات، وهي مناطق تكون الأعاصير، ويعتمد العاملون بالتنبؤ بالطقس على الأقمار الاصطناعية للحصول على معلومات أشمل حول هذه الأماكن، تدعم وتكمل المعلومات المتحصل عليها من الرادار العادي . وتوفر الأقمار الاصطناعية التي يستخدمها معمل NOAA أكثر من 90 في المئة من المعلومات التي يستعين بها العاملون في التنبؤات اليومية، كما تتميز بدقة عالية وكفاءة في إعطاء تحذيرات حول تغيرات مناخية سيئة خلال أيام مقبلة .

وبهدف تحسين الأداء الراداري، يعمل الباحثون في المعمل على تطوير تقنيات جديدة خلال السنوات الخمس المقبلة . ومن دون معلومات تفصيلية ترسلها الأقمار الاصطناعية، لن يتمكن المتنبئون بالأحوال المناخية توفير معلومات دقيقة عن الأعاصير .

ويشير العلماء، بحسب مجلة ساينتيفك أمريكان إلى أن مراقبة الطقس تحتاج إلى نوعين من الأقمار الاصطناعية وهما : الأقمار المثبتة على الأرض، والأقمار الدائرة في مجال قطبي . وتثبت الأقمار في منطقة على ارتفاع 000 .22 ميلاً، وتبث صوراً متتالية ومستمرة لسطح الأرض . وبتحليل مجموعات الصور التي تبث كل 15 دقيقة، يمكن للمتنبئين مراقبة العواصف أثناء تكونها، أو اكتشاف التغيرات التي تؤدي إلى تشكل الأعاصير .

أما الرادارات الدائرة في مجال قطبي (LEO) فتدور حول الأرض من قطب لآخر، على ارتفاع 515 ميلاً تقريباً، فتعطي معلومات أكثر تفصيلاً حول درجة الحرارة والرطوبة في طبقات مختلفة من الغلاف الجوي . وتصور هذه الرادارات الكرة الأرضية كاملة كل 12 ساعة .

ويخطط معمل NOAA حالياً لنشر سلسلة من رادارات (LEO) خلال العقد الحالي كجزء من برنامج نظام الأقمار الاصطناعية القطبية المشترك، مع تطوير شامل لكل المعدات المستخدمة . وسوف تستخدم المعلومات التي تبثها هذه الرادارات في عمل أنماط كمبيوترية لتحسين دقة التنبؤات بالطقس، وتتبع مسارات الأعاصير، وكثافتها، ورصد العواصف الرعدية، والفيضانات . وستبث الحساسات الكهرومغناطيسية وحساسات الأشعة تحت الحمراء معلومات أكثر دقة حول حرارة الغلاف الجوي، والضغط الجوي، والرطوبة، علماً بأن التغير السريع في الحرارة والرطوبة المرتبطين بانخفاض في الضغط يدللان على هبوب عاصفة قوية . وتزود حساسات الأشعة تحت الحمراء هذه المعلومات من المناطق الخالية من السحاب، أما الحساسات الكهرومغناطيسية فيمكنها اختراق السحاب لإرسال المعلومات المطلوبة عن سطح الأرض .

وفي إبريل/نيسان العام الماضي، وقبل أن تضرب عاصفة مدمرة ست ولايات جنوبي الولايات المتحدة، بثت الأقمار الاصطناعية التابعة لمعمل NOAA معلومات طابقها الخبراء مع الأنماط الكمبيوترية، ما مكنهم من توقع قدوم إعصار عنيف، ورفعت السلطات مستوى التحذير من الخطر إلى الدرجة القصوى عند منتصف الليلة التي سبقت هبوب الإعصار . ويلجأ الخبراء إلى هذا النوع من التنبؤ في الحالات الأعنف، وعندما يتوقعون اقتراب عاصفة مدمرة .

والأقمار الاصطناعية ستجعل من هذه التوقعات الدقيقة حقيقة واقعة قبل وقوع الكارثة بخمسة إلى سبعة أيام .

ويشير الخبراء إلى أن الأقمار الاصطناعية المثبتة على الأرض سوف تخضع لتطور كبير، فستضاف إليها تقنيات بالعام 2015 تمكنها من تصوير الأرض كل خمس دقائق بأطوال موجية غير مرئية، وغير حمراء . وتقلص الفترة الزمنية من 15 إلى 5 دقائق سيمكن الباحثون من مراقبة تزايد حدة العواصف . كما ستزود هذه الأقمار الأرضية العلماء بصورة عن أماكن حدوث البرق في نصف الكرة الجنوبي، وسيساعد رسم خريطة البرق خبراء الأرصاد في الكشف عن تلك القفزات التي تحدث في ومضات البرق داخل السحاب، وتلك التي تستقبلها الأرض . ويشير الباحثون إلى حدوث هذه القفزات قبل 20 دقيقة تعد تحولات مناخية خطرة، تنذر بظواهر مثل نوبات البرد الشديدة، والرياح العاتية، وربما الأعاصير .

وعلى الرغم من قدرة تقنيات الرادارات والأقمار الاصطناعية على إطالة الفترة الزمنية بين إرسال الإنذار ووقوع الكارثة بعدة دقائق، إلا أن دمج المعلومات التي تبثها هذه الأنظمة بأنماط الكمبيوتر سيزيد من تلك الفترة أيضاً، لتصل إلى 60 دقيقة .

وتعتمد أنماط التنبؤ الحاسوبية على قوانين فيزيائية تحكم حركة الغلاف الجوي، والتفاعلات الكيميائية، وعوامل أخرى . وتوفر هذه الأنماط ملايين الأرقام التي تمثل الأحوال المناخية والبيئية الحالية، مثل درجات الحرارة، والضغط الجوي، والرياح، ما يمكن الخبراء من التنبؤ بحالة الغلاف الجوي المستقبلية . ولك أن تتخيل شبكة تعلو سطح الكوكب، وأخرى تعلوها بمئات الأقدام، وثالثة فوقها، ورابعة، وخامسة، في طبقة تلو الطبقة في الغلاف الجوي وصولاً إلى طبقة الستراتوسفير (الطبقة العليا من الغلاف الجوي) على ارتفاع 30 ميلاً . ويحتاج الخبراء إلى ملايين التعليمات البرمجية لفك شفرة الكم الهائل من المعلومات التي ترسلها هذه الشبكات المعلقة في السماء . كما يتطلب تطوير الأنماط الحاسوبية إلى إختصاصيين ذوي قدرات عالية، تمكنهم من دمج هذه المعلومات وتفسيرها بشكل دقيق . ويترأس بيل لابينتا، مدير مركز البيئة في معمل NOAA بالانابة، فريقاً تشكل لهذا الغرض، مهمته التنبؤ بالأحوال الجوية لمدد ،12 و،24 و،36 و،48 و72 ساعة وأكثر . ويعقد باحثو معمل NOAA مقارنات بين أنماط الحاسوب وبين الأنماط الأخرى التابعة لمراكز عالمية ليصدروا بعدها تلك التنبؤات التي نراها على شبكات الانترنت، وشاشات التلفاز .