فهل هذا المنطق مقبول عند علماء الشريعة؟ وهل تشريعات الإسلام بالفعل تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة للتطبيق؟ وهل يمكن اختزال تطبيق الشريعة الإسلامية في قطع يد السارق ورجم الزاني وجلد القاذف، وغير ذلك من الحدود الشرعية التي يراها البعض غير مناسبة للعصر؟
في البداية يؤكد عالم الشريعة الإسلامية، د .عباس شومان، وكيل الأزهر الأمين العام لهيئة كبار العلماء أن شريعة الإسلام هي المنظمة والمسيطرة على حياة المسلمين في كل وقت وفي كل مكان، وهي ليست في حاجة إلى "شهادة صلاحية" من أحد، لأن مصدرها هو خالق هذا الكون وهو الأعلم بما يصلح الإنسان ويفسده، وهو سبحانه وتعالى القائل: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" . وهو القائل في قرآنه العظيم: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" وكتاب الله الخالد هو المصدر الرئيس للتشريع الإسلامي .
بوصلة المسلمين
ويضيف: إذن الشريعة هي بوصلة المسلمين في كل أقطار عالمنا الإسلامي، فهي التي توجه حياة المسلمين وتحكم علاقاتهم ومعاملاتهم خارج ديار الإسلام، فليس ضرورياً أن تعلن دولة ما أنها تطبق الشريعة لكي يلتزم شعبها بالشريعة الإسلامية، لأن الشريعة وأحكامها موجودة في حياة المسلمين حتى ولو كانت الدولة لا تطبق شرع الله، فالمسلم الذي يؤدي ما عليه من واجبات دينية، فيصلي ويصوم ويزكي ويحج هو يؤدي تكاليف شرعية ويحقق في حياته الدينية شرع الله، والذي يمتنع عن التعامل بالربا ويتجنب المعاملات الأخرى الظالمة من غش واحتكار وتطفيف للكيل هو ملتزم في معاملاته بشرع الله، والذي يعف عن الحرام ولا يقترف جرائم الزنى والسرقة وشرب الخمر يحقق في حياته الشخصية شرع الله، وهكذا .
ويلفت د . شومان نظر البعض ممن يختزلون الشريعة الإسلامية في تطبيق الحدود، فيقول: الحدود لا تمثل في شريعتنا الإسلامية إلا مساحة محدودة جداً من العقوبات، وعقوبة الإعدام التي تطبق الآن على القتلة وقطاع الطرق والإرهابيين هي القصاص الذي شرعه الخالق وأمر بتطبيقه تحقيقاً للعدل، وكثير من العقوبات التعزيرية تستند إلى أسس شرعية . ويتساءل الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر: إذا لم يكن للشريعة الإسلامية أهمية في حياة المسلمين؛ فلماذا كل هذه المعارك عند إعداد دساتير الدول الإسلامية، حيث تطالب الشعوب الإسلامية بالنص على أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وهذا الحرص الشعبي والرسمي أيضاً، يؤكد ارتباط المسلمين بشريعتهم وحرصهم على تطبيق أحكامها ومبادئها وتوجيهاتها في حياتهم العامة والخاصة .
تحمل الخير للجميع
ويرى الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر، أن الشريعة الإسلامية تستحق كل هذا الاهتمام وتستحق أن يقاتل من أجلها الجميع، فهي تحمل الخير لكل الناس، وكل أحكامها سواء التي تبيح أو تحرم تستهدف مصلحة الإنسان، فكل ما فيه مصلحة حقيقية للإنسان أباحته شريعة الإسلام وحثت عليه، وكل ما فيه ضرر حرمته وحذرت منه . ولذلك جاءت أحكام شريعتنا الإسلامية عادلة ومنصفة وموضوعية، ومساحة الأحكام المتغيرة والمتجددة فيها أضعاف مساحة الأحكام الثابتة، حيث يدور الحكم مع مصلحة الإنسان وجوداً وعدماً .
ويوضح د . شومان أن الشريعة الإسلامية هي مصدر الحلال والحرام الذي يطبق في حياة المسلمين، ومن دونها لن يعرف الإنسان المباح من المحظور ولا الطيب من الخبيث ولا المكروه من المستحب، مؤكداً أن المحلل والمحرم هو الله ورسوله، ومن رحمة الله بعباده أن جعل مساحة الحلال في شريعتنا الإسلامية أضعاف مساحة الحرام، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، فالأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحل والإباحة، فلا حرام إلا ما ورد نص صحيح صريح بتحريمه، ولذلك ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام واتسعت دائرة الحلال اتساعاً كبيراً .
ضبط المعاملات
الفقيه الأزهري، د . نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يستنكر مجرد طرح أسئلة من النوعية السابقة، حيث يرى أن مرددي هذه التساؤلات جهلاء بالشريعة ولا ينبغي أن يستفتى جاهل أو حاقد في أمر يتعلق بمصير أمة هي مأمورة من ربها بالالتزام بشرعه والاهتداء بهديه في حياتها كلها .
ويؤكد د . واصل أن الشريعة الإسلامية في وجدان كل مسلم، سواء طبقتها الدولة الإسلامية بشكل واضح، أو تجاهلت بعض أحكامها، وهذه الشريعة متغلغلة في حياة المسلمين وهي التي تضبط سلوكياتهم، ففي المعاملات يحتاج المسلم إلى أحكام الشريعة، لكي يخلص معاملاته وعلاقاته المالية من كل ما هو حرام أو يحمل شبهة حرام .
والشريعة الإسلامية هي القادرة من خلال أحكامها العادلة على ضبط معاملات الناس مع بعضهم بعضاً، وهي التي تتعامل بمصداقية من دون ظلم مع المخالفات والتجاوزات الاقتصادية وهي التي تحمي المجتمع من طمع وجشع رجال الأعمال وأصحاب النفوذ ولصوص المال العام ومدمني السطو على ممتلكات الدولة، وغير ذلك من أوجه الفساد .
ويقول د . واصل: الشريعة الإسلامية هي التي تحرم تحريماً قاطعاً جميع الأنشطة الاقتصادية التي تضر بالمجتمع، وهي التي تجرم كل أساليب الكسب غير المشروع التي تقوم على الربا أو الرشوة، أو استغلال النفوذ، أو على غش الناس، أو ابتزاز أموالهم، أو التحكم في ضروريات حياتهم عن طريق الاحتكار، أو انتهاز حالات عوزهم وحاجتهم، وما إلى ذلك من الطرق غير السليمة في كسب المال، وهي التي تحرم امتلاك المال الذي ينجم عن كل هذه الأنشطة الاقتصادية، وتجيز لولي الأمر مصادرته وضمه إلى خزينة الدولة .
مواجهة الفساد
ويطلق د . واصل على الشريعة الإسلامية لقب "كاسحة الفساد"، ذلك أن أحكامها هي القادرة على تطهير المجتمع من كل صور الفساد الاقتصادي، حيث أوصدت شريعتنا العادلة أهم الأبواب التي تؤدي عادة إلى تضخم الثروات في يد بعض الأفراد، عن طريق الأساليب غير المشروعة في الكسب، فحرمتها وجرمت سلوك من يلجأ إليها، ودعمت الشريعة كل صور الكسب الحلال التي ينتج عنها في الأغلب الربح المعتدل المعقول المتفق مع سنن الاقتصاد، أما الأرباح الفاحشة والثروات الضخمة فإنما تكون في الأغلب نتيجة لأساليب الكسب غير المشروع، ففي تحريم الإسلام لهذه الأساليب تحقيق لتكافؤ الفرص بين الناس، وقضاء على أهم عامل من العوامل التي تؤدي إلى اتساع الفروق الاقتصادية بين الأفراد والطبقات، وفي ذلك تحقيق للمساواة في شؤون الاقتصاد من أمثل طريق .
وأحكام الشريعة الإسلامية هي التي تدفع الناس إلى العمل والكد لكسب المال وتنميته، وصرفهم عن الكسل والبطالة والطرق الهينة والوضيعة التي تأتي بالكسب من دون جهد ولا عناء . ولذلك حرمت الربا تحريماً قاطعاً، وجعلته من كبريات الكبائر .
وحرمت الشريعة الإسلامية كل صور استغلال النفوذ للحصول على المال، وحرمت امتلاك ما يأتي من هذا الطريق، وأجازت لولي الأمر مصادرته واستيلاء بيت المال عليه لإنفاقه في المصالح العامة للمسلمين، وعلى ذوي الحاجات منهم، أي نقل ملكيته من الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية، وبذلك تكون شريعتنا صاحبة السبق في سن قانون (الكسب غير المشروع) أو قانون (من أين لك هذا؟) كما يطيب لبعض الناس أن يسميه في الوقت الحاضر . وأول من طبق هذا المبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقد رُوِيَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان برجل من الأزد على الصدقة يقال له ابن اللتبية وكلفه بجمع الزكاة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فلما بلغ ذلك رسول الله قال صلى الله عليه وسلم قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده وقال: (اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت . . اللهم هل بلغت) . . أي أن ما جاءه من هدايا لم يهد إليه لشخصه، بل أهدي إليه لوظيفته وعن طريق استغلال النفوذ، ثم صادر الرسول صلى الله عليه وسلم جميع الهدايا التي أهديت إلى ابن اللتبية وأمر بضمها إلى بيت المال .
حماية المجتمع
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية، د . محمد كمال إمام، يؤكد حاجة مجتمعاتنا العربية إلى العقوبات العادلة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لمواجهة الجرائم والانحرافات التي تحدث في هذه المجتمعات، ويؤكد أن هذه العقوبات قادرة في حال تطبيقها تطبيقاً صحيحاً على تطهير المجتمع من المنحرفين .
ويضيف: العقوبات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية عادلة وشاملة، وهي قادرة على اقتلاع الظواهر الإجرامية من جذورها، حيث جاءت شريعة الإسلام بعقوبات لمواجهة جميع أشكال الجرائم والانحرافات السلوكية والأخلاقية والمالية التي شاعت، وأصبحت تهدد أمننا .
ويوضح د . إمام أن العقوبات الإسلامية التي يصفها البعض بالقسوة، ويتخذ منها مدخلاً للحكم على عدم صلاحية الشريعة للتطبيق المعاصر، لها مقاصد نبيلة لا يدركها هؤلاء، فهي تهدف إلى الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته، وإلى صيانته من كل سوء، فقد شرع الله العقوبات لمنع انتشار الجرائم والانحرافات التي تفسد حياة الناس وتحول أمنهم واستقرارهم إلى فوضى، وتجلب لهم كل المفاسد والشرور .