قال لي أحدهم إنه دفع مبلغاً من ماله إلى البنك من حساب التوفير الخاص به، ليستثمره البنك ويعطيه الفائدة بنسبة مضمونة، والبنك يضمن له رأس المال في حال لم يربح البنك في استثمار ماله .
- قلت له: وأنت اشترطت على البنك شرط ضمان رأس المال؟ قال: هو تعهد لي بذلك وأنا قبلت .
- أقول: إن المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل، لأنها دائرة بين القرض والقراض بمصطلح الفقهاء، فالقراض والمضاربة بمعنى واحد، لأنهما يؤديان إلى أن يعطي شخص شخصاً آخر ماله أو جزءاً منه، ليعمل به في التجارة، وتكون نسبة الربح بينهما على ما شرطاه .
- وبعبارة أخرى أن يبرم عقد شركة بين اثنين، من أحدهما المال، ومن الآخر العمل، وما حصل من ربح يوزع بينهما على ما شرطاه في البداية، وربما تخسر التجارة فيخسر صاحب المال ماله والعامل جهده .
- وقد قدّر المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة لعام ،1955 أنه لا يجوز في المضاربة (القراض) أن يحدد المضارب لرب المال مقداراً معيناً من المال لأن هذا يتنافى مع المضاربة والقراض، ويجعلها تتحول إلى قرض بفائدة، وربما الربح لا يزيد على النسبة التي جعلت لرب المال، أو يكون الربح أقل فيغرم المضارب عندئذ .
- يلاحظ أنه في كل من القراض والقرض يدفع أحدهما المال للطرف الآخر ليعمل فيه، لكن في القراض (المضاربة) يكون المال في يد المقارض (المضارب) أمانة لا يضمنه إلا بالتقصير .
- وقد اشترط الفقهاء أن يكون الربح مشاعاً بين رب المال والمضارب من غير تحديد قدر معين، لأن المضارب أمين ووكيل فلا يضمن إلا إذا قصر .
- ولكن إذا اشترط صاحب المال على المضارب ضمان رأس المال، أو نسبة معينة، فإن القراض يتحول إلى قرض جرّ فائدة، وهذا هو السبب في حرمة المعاملات البنكية اليوم .
لأن البنك يأخذ مبلغاً من المال باسم الإيداع، ثم يتجر في هذا المال كمن يقترض مبلغاً من شخص لغرض التجارة، ويمنح بعد ذلك نسبة معينة من الربح لصاحب المال سنوياً .
- وكيف يكون قرضاً حسناً، وتكون لصاحبه نسبة معينة من الربح؟ وإذا سميناه استثماراً أي قراضاً، فكيف يشترط على البنك ضمان رأس المال، وأن تكون له نسبة معينة من الربح؟
- إذن القراض (المضاربة) أجازه الشارع استحساناً لحاجة الناس عملاً بقوله تعالى: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله (المزمل: 20) . وثبت بالسنة والإجماع كذلك، والعقل يقتضي صحة ذلك لأنه ليس كل صاحب مال قادراً على العمل، وليس كل عامل يملك رأس المال .
والمضاربة جائزة بين المسلمين، وبين المسلم وغير المسلم باتفاق الفقهاء، واتفقوا أيضاً على أن يكون رأس المال من النقدين لا عيناً، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، واشترطوا أن يكون الربح جزءاً مشاعاً كالنصف والثلث .
نعم . . ورأي الجمهور أن شرط رب المال يفسد المضاربة، وهذا ما فعله البنك مع صاحبنا إذ ضمن له رأس المال .