أوضح الموقع أن الجهاز عبارة عن شريحة إلكترونية تزرع في منطقتين بالمخ مسؤولتين عن نشاط الذاكرة، وتتصل الشريحة بنظام إلكتروني خارجي يوضع حول الأذن يتم من خلاله تخزين المعلومات التي تم تجميعها .
ويشكل هذا الابتكار في حال إنجازه أملاً كبيراً لعلاج حالات فقدان الذاكرة المزمنة سواء الناتجة عن صدمات للجمجمة أو عن حالات مرضية كمرض الزهايمر .
يذكر أن شركة "آي بي إم IBM" للأنظمة الحاسوبية والإلكترونية سبق أن كشفت في أغسطس/آب عام 2011 عن شريحة إلكترونية قالت إنها تحاكي في أدائها المخ البشري تماماً حيث تمكن الدكتور ديرمندرا مودا بمساعدة مئة باحث من خمسة من أكبر الجامعات الأمريكية، من ابتكار شريحتين إلكترونيتين هما الثمار الأولى للمشروع الضخم تحت اسم "ساينابس SYNAPSE"، وهو اختصاراً ل"أنظمة بلاستيكية قابلة للتكيف والتطوير"، مولته وزارة الدفاع الأمريكية بميزانية قدرها 41 مليون دولار تحت مظلة شركة "آي بي إم" .
وأعلنت "آي بي إم" في حينه أن الهدف من هذا المشروع هو التوصل لشرائح إلكترونية تعمل بتقنية تسمى "الحوسبة الإدراكية Cognitive Computing "، وهي نظام إلكتروني كامل يحاكي الاستراتيجية التي يتبعها المخ البشري الحي للتفاعل مع البيئة من حوله لتحليل الأحداث وحل المشكلات عن طريق ربطها بذكريات أو تجارب سابقة مخزنة في الذاكرة، ويتخذ الإنسان قراره بناء على ما قام به مخه من تحليل، ما يترتب عليه إنتاج أجهزة حواسيب مفكرة تتفاعل مع الأحداث كافة بدون برمجة مسبقة وتتخذ قرارت مصيرية من دون الحاجة للرجوع إلى الإنسان .
وتستطيع أجهزة الحواسيب العادية أيضاً حل المشكلات المختلفة بطرق مبتكرة وسريعة إذا ما تمت برمجتها لحل مشكلة بعينها، ولكنها تكون عديمة القيمة عند أي تغيرات بسيطة في المشكلة التي تقوم بمعالجتها، أو أمام مشكلات أخرى مختلفة، عندها تقف عاجزة عن التصرف، وهو الأمر الذي لن يحدث عند استخدام تقنية الحوسبة الإدراكية .
أما الحواسيب الفائقة Supercomputers، فتتميز بقدرتها على حل المشكلات والأهداف المخصصة لها بسرعات كبيرة ودقة متناهية تفوق العقل البشري ذاته بإجراء عمليات وحسابات معقدة بكميات ضخمة تعمل وفق التقنية التي تعرف باسم "الحوسبة الفائقة SuperComputing" . تتطلب تلك التقنية معالجات Processors وذاكرة RAM تعادل عشرات من التيرابايت للحاسوب الواحد، لذلك تنطوي على مشكلة عملاقة تتمثل في أحجامها الكبيرة فتشغل مساحات شاسعة لاحتواء أجهزتها الضخمة من ذاكرة ومعالجات، التي تحتاج بالضرورة إلى طاقة هائلة لإدارتها وتشغيلها تقدر بمئات الكيلووات . من ناحية أخرى يقوم المخ البشري بالعمليات الإدراكية المختلفة التي تتطلب ربطاً مباشراً بخبرات سابقة وتحليل دقيق مثل التعرف إلى الوجوه كمثال في حين تعجز عنه الحواسيب الفائقة ويستنفذ المخ للقيام بذلك طاقة مثل التي يحتاجها مصباح بقدرة 20 وات فقط لكي يعمل .
استخدم الباحثون في شركة "آي بي إم" تقنية الحوسبة الفائقة من قبل لمحاكاة القشرة الدماغية لمخ القطة . تطلب الأمر استخدام ذاكرة قدرها 144 تيرابايت من أجل تمثيل مليار خلية عصبية، وهو رغم ذلك ما زال أبطا ب10 مرات عن المخ الحقيقي للقطة . تهدف شريحة "ساينابس" إلى الجمع بين القدرات الهائلة للحوسبة الفائقة من دقة وسرعة، بالإضافة إلى المقومات البشرية للحوسبة الإدراكية وضغطها في مساحة صغيرة باستخدام التكنولوجيا النانوية .
وتختلف الشريحة الجديدة من حيث التقنية عن التقنية الموجودة بالفعل في محركات البحث الذكية مثل محرك "غوغل" الذي يتوقع كلمات البحث التي يدخلها المستخدم، بل ويكملها بالنيابة عنه بناء على خبرة سابقة مخزنة في ذاكرته العملاقة من كلمات مفتاحية للبحث أدخلها مستخدمون آخرون في وقت سابق، في أنها تمتلك المقدرة على التعلم مع الاستفادة من خبرات وأحداث مخزنة في ذاكرتها عن طريق استرجاعها وتحليلها بالتوازي مع ربطها بالمزيد من الخبرات والأحداث التي تتلقاها في الوقت الحالي في محاولة لمحاكاة أسلوب الخلايا العصبية في المخ .
ولكي نتمكن من فهم الكيفية التي تعمل بها الشريحة لا بد أن نفهم أولاً كيف تعمل الخلايا العصبية، حيث يحتوي مخ الإنسان على شبكة عملاقة متداخلة من 100 مليار خلية عصبية ترتبط مع بعضها بعضاً عن طريق 100 تريليون رابطة تعرف باسم "المشابك العصبية" .
وارتباط المشابك بين الخلايا العصبية يمثل الطريقة التي يضيف بها المخ إلى خبراته وتجاربه ويسترجع منها وقت الحاجة .
وفي المواقف المختلفة يتم تفعيل خلايا عصبية بعينها في المخ، فمثلاً عند ذكر كلمة "بحر" فإن خلايا الذاكرة البصرية تولد في ذهنك صورة للبحر ومياهه الزرقاء، وخلايا الذاكرة السمعية تدوي في أذنك صوت تلاطم الأمواج وتكسرها على الصخور . أما خلايا الذاكرة الشمية فتعبق أنفك برائحة ملوحة البحر والنسيم العليل، ولكن تلك الإشارات متفرقة وعشوائية استحضرتها مراكز مختلفة في المخ . ولكي تكتمل الصورة وتقوم بإدراك تلك الإشارات العقلية لا بد وأن يحدث "ترابط"، فتتكون شبكة من الخلايا ترتبط معاً بالمشابك العصبية، وهذا الارتباط يعبر عن خبرة أو تجربة حللها المخ وخزنها على هيئة روابط من المشابك العصبية .
وعلى المستوى العصبي في المخ فإن "الخلية العصبية" تتلقى المعلومات على هيئة إشارات كهربية من "المشبك العصبي" . عندما تفرغ "الخلية العصبية" من معالجة ما لديها من معلومات فإنها تتشارك بها مع "الخلية العصبية" المجاورة من خلال "المشبك العصبى" الرابط بينهما وهكذا . هذا هو ما يحدث أيضاً على المستوى الإلكتروني في الشريحة "ساينابس"، يقول دكتور"مودا": ينتقل نمط معين من المعلومات من الذاكرة (المشبك العصبى) إلى المعالج (الخلية العصبية) والنتيجة النهائية تنتقل من خلال ذاكرة أخرى إلى معالج آخر وهكذا، مكونة شبكة إدراكية كاملة على شريحة سليكونية، إذن تكون نتيجة التقارب بين المعالج والذاكرة توفير هائل في الطاقة والوقت اللازم لاتخاذ قرار . وقد أنتج المشروع حتى الآن شريحتين تحتويان على 256 خلية عصبية تربط بينها 144,262 مشبك عصبي يبرمج حسب الغرض وفي الشريحة الثانية 536,65 مشبك عصبي للتعلم الذاتي .
ولا زال المشروع في مرحلته الأولى، لكن الهدف النهائي الأوحد للمشروع هو الوصول إلى 100 بليون خلية عصبية و10 تريليونات مشبك عصبي كما في المخ تماماً في حجم قدره 2 لتر فقط، وهو ما يأمل الدكتور مودا التوصل إليه بتجميع المزيد والمزيد من تلك الشرائح سوياً حتى الوصول إلى العدد النهائي من الخلايا والمشابك الإلكترونية .