أبوظبي - منّي بونعامه:
يعتبر الشعر النبطي أو الشعبي الوعاء الذي اختزن المآثر العربية والقيم الأصيلة في بادية الإمارات بشكل خاص ومنطقة الخليج بشكل عام، وهو المعبّر بحق، بما يتضمّنه من عادات قولية من حكم وأمثال شعبية، وقد ظهرت فيه أسماء شعرية مهمة حملت لواء القصيدة وعبّرت عن بيئتها ومجتمعها وقيمه وعاداته، فحازت قصب السبق، ونالت المكانة الأسمى في تاريخ الشعر النبطي في الإمارات من بينهم الماجدي بن ظاهر، سعيد بن عتيج الهاملي، صالح بن عزيز المنصوري، فتاة العرب وغيرهم كثير .
لا يزال الشعر النبطي اليوم يحظى بمكانة مرموقة في أوساط المجتمع وبين النخبة والعامة، لما يطفح به من جمالية اللغة، ورقة الأسلوب، ودقة التصوير، وتدفق المعنى الذي ينساب إلى فهم القارئ من دون كبير عناء، فيهيج في نفسه لواعج الشوق، ويحرّك فيها مكامن الإحساس، ويرويها بفيض عاطفته الجياشة، ويرتحل بها في عوالم الوجد والشوق والحنين إلى الوطن والديار . لذلك لم يبق حبيس نطاقه الشعبي العامي، بل صعد نحو التطوير والتجديد على مستوى اللغة التي بدأت تميل إلى عدم الإغراق في العامية المحلية، والأساليب التي خرجت عن النسق القديم، وهو ما يعني تأثر هذا الشعر بروح العصر ونفحاته ومواكبته لجديده .
شعراء نبطيون إماراتيون يتحدثون عن التجديد في القصيدة النبطية في اللغة والأسلوب، ومظاهر الشبه والاختلاف بين القصيدة النبطية المعاصرة والقديمة .
الناقد والشاعر محمد عبدالله نور الدين يقول إن الشعر النبطي في الإمارات تطور بعد اكتشاف البترول وتأسيس الاتحاد بظهور المدرسة الواقعية التي نشأت من ذائقة الشعراء الفنية حيث كان الشعراء الأوائل أو المدرسة التقليدية ينحازون إلى الذائقة الجمعية في بيئتهم، بينما توجه الشعراء في المدرسة الشعورية إلى ذائقتهم الذاتية، فالمتلقي لا يفرض ذائقته على الشاعر، بل العكس يحاول الشاعر استحداث أجواء جديدة في النص الشعري واستثارة مناطق ذوق جديدة لم تستثر سابقاً ويعود اهتمام شعراء هذه المدرسة بالنص الشعري إلى ارتفاع مستوى التعليم في المنطقة وتوسع آفاق معارف الشعراء وإطلاعهم على تجارب الآخرين أولاً وبسبب ظهور منافذ إعلامية جديدة كالمذياع والتلفاز والصحافة، وربما تكون الصحافة هي الأكثر تأثيراً كون القصيدة المكتوبة تتفاعل مع المتلقي بمعزل عن شاعرها ولو تذيلت باسمه، لذا وجد الشاعر فرصة في التعبير بصورة أعمق لعلمه بوجود متلقين يستطيعون الوقوف أمام كل نصوصهم وإعادة قراءتها مرة بعد أخرى في سبيل اكتشاف أسرارها وتذوقها مرة بعد أخرى، ومنها بدأ اهتمام الشعراء بالقصيدة أكثر من اهتمامهم بأنفسهم كما في المدرسة الشعورية أو بالمتلقي الذي يتلقى القصيدة في شحنة واحدة كما في المدرسة التقليدية .
ويشير نور الدين إلى أن المدرسة الواقعية في الشعر النبطي الإماراتي تعتبر مرحلة الانتقال من الشعر الشفاهي إلى الشعر الكتابي الحقيقي، فبعد أن كان الشعر شفاهياً ينتقل من صدر الشاعر إلى مسامع المتلقين وصدور الرواة، أصبح الشعر يدوّن حين الكتابة، وينقح بإعادة مراجعته مرة تلو الأخرى لتصبح القصيدة على مستوى المفردات والأبيات أكثر دقة وكثافة .
ويوضح نور الدين أنه مع تطوّر التعليم وازدياد العلوم أصبح الشعراء يستقون مفردات جديدة من شتى المجالات لتطوير أساليبهم الشعرية في سبيل التميز في أحيان أخرى، ومن ناحية ثانية أصبح انتشار الشعر النبطي من خلال القنوات الإعلامية يلقي الضوء على التشابه الموجود بين قصائد الشعراء ويحد من تميزهم لذا كان لا بد من الحضور المتميز بتطوير القصيدة، لنلاحظ قصيدة (أمركة) للشاعر المعاصر سالم بو جمهور:
حتى الأكل صار يا ابن الناس أمريكي
               واحلى الكراتين همبرجر وكنتاكي
والبعض أصبح جمل آلي تماتيكي
               يوجّهونه ويركض دون أسلاكي
واللي عليه العَوض أصْبح مثل ميكي
             يقلّد الفار في حفلات الاشْباكي
ويؤكد نور الدين أن كثرة الألفاظ المأخوذة من الثقافة الأمريكية والمعروفة لدى المجتمع المحلي الإماراتي، واستخدام هذه المفردات ليس لغرض بيان وسع معرفة الشاعر وبيان مقدرته الشعرية أو للتميز فقط كما أسلفنا بل لخدمة النص الشعري أيضاً، فإن المدرسة الجديدة أصبحت منفتحة على روافد المعرفة لخدمة النص الشعري وتطويره، والتفاعل مع عصر العولمة في حوار خاص مع الحضارات المختلفة .
الشاعر جعبل الخضر يقول إن الشعر النبطي أصبح ذا أهمية كبيرة، ويستهوي جمعاً غفيراً من المجتمع بكافة فئاته، لما فيه من رصانة اللغة وقوة العبارة وسلاسة الجملة، مشيراً إلى ما أصبحت تتسم به القصيدة من سمات التجديد والتطوير في الأدوات والأساليب، "لأن تطويع اللغة العصرية لخدمة القصيدة أمر مطلوب وضروري لكي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتقترب من جمهورها ومتذوقيها" .
ويشير الخضر إلى أن مظاهر التجديد في القصيدة النبطية تشمل اللغة والأسلوب والوصف، ذلك أن جمهور الشعر لم يعد هو نفسه الجمهور القديم المتذوق لهذا الفن، بل تغيّر، وعلى الشاعر أن يعمل على تطويع لغته الشعرية وأساليبه حتى يستطيع الجمهور الجديد استيعاب مقصوده وفهم معناه وإدراك مرماه .
ويوضح الخضر أن الخطاب الشعري للقصيدة النبطية أصبح خطاباً عاماً وموجهاً لكل الشرائح الاجتماعية ويستقبله كل الناس على اختلاف مستوياتهم وثقافاتهم، وهذا ما يجعل منه خطاباً ناجحاً وقادراً على اختراق النفوس والتأثير فيها .
الشاعر هادي المنصوري يرى أن المدارس الشعرية في تجدّد مستمر مع مرور الوقت، وهناك من يلتزم بالنمط التقليدي القديم في بناء القصيدة النبطية، وهناك من يسلط طريق التحديث والتجديد من خلال إدخال بعض المصطلحات الجديدة ودمجها في القصيدة، وتغيير الأسلوب الشعري عما كان عليه في السابق .
ويشير المنصوري إلى أن تطور العصر وتقنياته المتعددة التي أفرزها ووسائله الكثيرة التي أحدثها أثرت كلها في بناء القصيدة النبطية، وأدخلت إليها مفاهيم ومصطلحات جديدة، كما أسهمت في سرعة انتشارها؛ فقنوات التواصل الاجتماعي، مثلاً،حاضرة بقوة في القصيدة الجديدة باسمها ومواضيعها التي تطرحها، ويتم التطرق إليها بأساليب مختلفة .
ويذهب المنصوري إلى أن القصيدة النبطية لا تزال تحافظ على وهجها وقوتها وحضورها لدى الجمهور المتلقي بما تنطوي عليه من أصالة وتراث، وكذلك ما تشتمل عليه من تحديث في اللغة والأسلوب، وهو تحديث يوجد لها مساحة من الانتشار لدى فئات عريضة من جمهور الشعر النبطي .
ويرى الشاعر أحمد علي بن زيد أن نفحة التجديد التي طالت القصيدة النبطية الجديدة قد لامست عمقها من حيث اللغة والأسلوب، فمن حيث اللغة لم تعد اللهجة الإماراتية الخالصة هي المتداولة في القصيدة، بل أصبحت هناك اقتباسات متعددة من اللهجات العربية الأخرى، وأصبحت اللغة الشعرية متشبعة بالمصطلحات، وبدأت مصطلحات اللغة الأجنبية تتسلل إلى نسيج القصيدة النبطية .
ويُرجع ابن زيد هذا التحوّل إلى ما عرفه العصر الحديث من تطوّر ألقى بظلاله على القصيدة النبطية، وجعل الشاعر النبطي ينفتح على عوالم أكثر رحابة واتساعاً، ويمزج لغته الشعرية بمصطلحات ومفاهيم عصرية لم تكن متداولة في القصيدة القديمة، وأصبح يتغزل بالمدينة العصرية (باريس، لندن . .) بدل الإبل والقهوة العربية .
ويشير ابن زيد إلى أن هذا التجديد أضفى على القصيدة النبطية صبغة مميزة، حيث جعلها تحافظ على بنائها التقليدي القديم مع إضفاء صبغة تحديثية عليها، وإدخال كلمات وأساليب وأوصاف جديدة مكتسبة من تطور العصر وتقنياته .