يندرج شعر المرأة ضمن ما راج من مصطلحات حديثة أفرزتها الكتابات النقدية سواء التوصيفية أو المقارنة، وما بات يعرف بمصطلح الكتابة النسائية الذي تتفرع منه توصيفات ومحاور أخرى كثيرة ترصد دور المرأة في القصة والرواية والدور الإبداعي لها في التشكيل والمسرح وكل النشاطات الثقافية والفنية المعروفة .

في موضوع المرأة والشعر على وجه الخصوص تجمع الكثير من الخلاصات النقدية، على ان الشعر قد استطاع أن يفجر كوامن المحظور عند المرأة، التي أسهمت أجواء ومناخات الحرية التي امتاز بها منتصف القرن العشرين وما بعده، في ترسيخها، وتجلى ذلك في قصائد كثيرة أبدعتها نساء عربيات تعلن بقوة عن نفسها وتروم الانعتاق من قيود الخوف والتردد، برغم كل المحبطات التي تتعرض طريقها .

في ما بعد أصبح التعاطي مع المصطلح سواء الكتابة النسائية أو الإبداع النسائي، هو أمر طبيعي ولا يعبر عن نظرة تجزيئية للأدب .

وبمثل ما قيض للشاعر الرجل أن يرتاد ميادين وحقول التجربة الإنسانية برمتها ويحلق في فضاء اللغة والخيال، كانت المرأة على الضفة الأخرى لا تقل رغبة في تأكيد منافستها لكي تكون ثائرة ومناهضة لكل أنواع التعطيل والإحباط ولتمنح نفسها فرصة الإتيان بما هو خاص ويعبر عن بنات جنسها، وهو ما أثار لاحقاً سلسلة من النقاشات والحوارات المعمقة التي تدرس شعر المرأة من واقع هذه الخصوصية، فضلاً كون الشعر النسائي قد أسهم في مد الجسور بين المرأة وذاتها، وكان من الطبيعي بحسب ما تقول الناقدة المغربية عالية ماء العينين في إحدى الأماسي المخصصة لشعر المرأة، أن يتم تجاوز حديث جدل المصطلحات، وأهمية تجاوز نظرية المؤامرة في الأدب، والانطلاق إلى المزيد من اكتشاف ذواتنا في تنوعاتها .

في دراسة عن الموضوع ذاته تتناول شعر المرأة وأغراضه، لأنس حسام النعيمي وجاءت في ثلاثة فصول، يتحدث الناقد في الفصل الاول تحت عنوان (مفهوم الشعر النسائي وآراء النقاد فيه) بمثل ما اختلفوا في تحديد مفهومه، ويرجع سبب الاختلاف في تسمية المصطلح إلى تباين زاوية النظر إلى ذلك الأدب، وانطلاقاً من هذا الجدل طرح الباحث أسئلة عدة حول المقصود بالأدب النسائي، أهو الأدب الذي تنتجه أقلام النساء حصراً، بصرف النظر عن الموضوعات التي تعالجها المرأة فيه، أم هو الأدب الذي يصدر عن الأديبة في ما يتعلق بقضايا المرأة وحقوقها وطلب مساواتها، أم نطلق هذا المصطلح على الأدب الذي يتناول المرأة وقضاياها بشكل أو بآخر، سواء أكان المنتج للنص الأدبي رجلاً أو امرأة؟

يبين الباحث أسباب الخلاف بين النقاد - رجالاً ونساءً - فيرجع أسباب من يرفضون المصطلح، إلى أنهم يشعرون فيه بأنها محاولة للانتقاص من الأدب الذي تكتبه المرأة، وعزله من محيطه الأدبي العام، أما الذين يدعون لتبني المصطلح، فإنهم ينظرون له من منظور الخصوصية التي تتمتع بها المرأة في التعبير عن قضاياها وأمورها الخاصة .

وخلص الباحث من الطرح السابق إلى أنه من المقبول أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة، أياً كان موضوعه، من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميز طرف على حساب آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، أما الفصل الثاني الذي يتحدث عن خصوصية الشعر النسائي، وأغراضه، فيؤكد فيه الباحث مشروعية هذه الخصوصية، التي تتأتى من طبيعة النساء من حيث الرقة والعاطفة وتنوع المشاعر وعمق الإحساس ورهافته، ذلك إضافة إلى أن هناك أموراً خاصة لا يقدر على تناولها غير المرأة .

في السياق ذاته تتأكد هذه الخصوصية من وجهة نظره تبعاً لكل أديبة ومشاعرها الخاصة التي تميزها عن الأديبات الأخريات رغم اشتراك الأديبات في خصائص نسائية .

لكن ماذا عن الشعر النسائي في الضفة الأخرى من العالم؟

الواضح أن حركة الشعر النسوي في الغرب عموماً وفي أمريكا بعد عام 1945 على وجه الخصوص، قد انتفضت على التقليدية ضمن ما يعرف بتيار الحداثة وأفق التجريب، فكانت المرأة الشاعرة، كما هو الرجل، منخرطة في لعبة البحث عن بدائل وأساليب ترفض كل الأشكال التقليدية، ساعد على ذلك مجموعة من العوامل التي استدعت البحث في التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، وتصاعد المجهولية في مجتمع مدينين، أضف إلى ذلك الحركات المعارضة في ستينات القرن الماضي وحرب فيتنام طوال عقد طويل والحرب الباردة والانهيار البيئي، وجميعها خلقت صدمة للمجتمع الأمريكي بما في ذلك الثقافة الأمريكية، فكان أن ظهرت أسماء مذهلة منهن: (سيلفيا بلاث) 1932- 1963 التي تجرأت على استخدام لغة ذات قوافٍ غريبة ومباشرة وقاسية، لاسيما في قصائدها اللاحقة، ويشاركها القوة نفسها الشاعرة (آن سكستون) 1928 -،1975 وإليزابيث بيشوب (1911 - 1979) وغيرهن، هذا فضلاً عن قائمة طويلة من الشاعرات الزنجيات، أو ما اصطلح على تسميته (الشعر الإفريقي الأسود) الذي انتج قصائد جميلة ذات موضوعات منوعة، ويذكر في هذا المقام كتابات الشاعرة والمسرحية مايا أنجلو التي صدر لها ديوان عنوانه لافت وهو أعطني كوب ماء بارد قبل أن أموت في عام ،1971 وكان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون قد اختارها لتلقي قصيدة يوم تسلمه زمام الرئاسة في 20 يناير/ كانون الثاني عام ،1993 إضافة إلى قائمة من شاعرات المجموعة الإثنية المتعددة في الولايات المتحدة الأمريكية .